يطرح التطور التكنولوجي المتسارع فرصاً واعدة لنمو القطاع السياحي حول العالم، والذي أصبح من أسرع القطاعات الاقتصادية نمواً، وله تأثيرات حاسمة على الاقتصادات التي تنشد التحرر من هيمنة الصناعات المحدودة أو أحادية المصدر، ربما لذلك اختارت المنظمة العالمية للسياحة موضوع السياحة والتحول الرقمي ليكون محور الاحتفال بيوم السياحة العالمي هذا العام، والذي يصادف اليوم.
ظهرت في السنوات القليلة الماضية العديد من الابتكارات الرقمية التي يمكن توظيفها لدعم الانتعاش السياحي، وضمان استدامة قطاع قائم على فهم عادات وتفضيلات السائح متعدد الثقافات والاهتمامات، بما في ذلك البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية وتقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي. فمن الروبوت الذي يستقبل الضيوف في المنشآت الفندقية والوجهات السياحية، إلى الغرف الفندقية الرقمية التي يتم التحكم في أقفالها عبر تطبيقات الهاتف الذكي.
قد تبدو هذه التقنيات ذات طابع ترفيهي لكنها في الحقيقة تساهم في توفير الموارد والوقت والجهد، وتوجيه العمالة البشرية إلى مهام غير روتينية، فمن المتوقع أن يوفر الذكاء الاصطناعي 2.3 مليون وظيفة جديدة في قطاع الأعمال بحلول 2020، بينما سيلغي 1.8 مليون وظيفة، ووفق تقرير «غارتنر»، سيصل مردود ذلك إلى نحو 2.9 تريليون دولار عالمياً.
وفي عالم التسويق والترويج السياحي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً فإننا نلمس مدى تأثير التكنولوجيا على يومياتنا، خاصة مع التحولات الكبرى في عالم الاتصالات والإعلام الرقمي، ففرص نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في المجال السياحي كبيرة لقيادة التيار الجديد لتطوير التجربة السياحية.
ولا يمكن تجاهل مميزات الواقع الافتراضي وتأثيرها على السياحة، فهي تقنية حاسمة لاتخاذ قرارات السفر، لإمكاناتها العالية لتحقيق وجود مكاني استباقي للوجهات قبل السفر الفعلي، فيما يشبه المحاكاة التي تعبر بالمسافر من خلال ممرات خيالية إلى وجهته، وتنقل له صورة دقيقة للمكان والخدمات المتوقعة.
مع توجه العاصمة أبوظبي إلى الاستثمار في التنمية الذكية من خلال تبني خطط طموحة تتماشى مع الثورة الصناعية الرابعة، يبدو القطاع السياحي الأكثر حاجة لدعم تكنولوجياته، خاصة مع تزايد جاذبية الوجهات السياحية وتنوعها وزيادة وعي واهتمام السائح العالمي بها. إذ سجلت أبوظبي زيارة أكثر من 4.8 مليون سائح العام الماضي، وذلك في كل وجهاتها السياحية، والتي تتنوع ما بين الترفيه، والأعمال، والوجهات الثقافية والطبيعية. وتشير هذه الأرقام إلى أهمية تلبية حاجات القطاع من محتوى رقمي جذاب إلى استخدام تفاعلي للمنصات الرقمية التي تقيس ردود الفعل وتحللها، وذلك مواكبة لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي التي اعتمدتها الدولة، والتي تهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بمعدل 100% مع حلول عام 2031، فهل القطاع السياحي على استعداد لهذه المرحلة؟ أمثلة بسيطة يمكنها تزويدنا ببيانات دقيقة، كمعرفة أسباب اختيار السائح للوجهات الصحراوية في غير مواسمها المعهودة، يمكنها أن تفيد في تحسين تجربة سياحة المغامرات، والتي تشهد اهتماماً متزايداً. وكيف نقنع سائح الأعمال بتمديد فترة إقامته للاستمتاع بوجهات من نوع مختلف قد تكون ذات طابع ثقافي أو فني، وتشجعه على العودة من جديد؟ وكيف نستخدم الذكاء الاصطناعي للترويج للسياحة العلاجية؟
قد يعتقد البعض أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يطرح تحديات مع خسارة كم كبير من الوظائف والاستعاضة عن الموارد البشرية بأخرى تقنية، غير أن حجم الفرص والاستثمارات المتوقعة من هذه التحولات يحفز على التسريع نحو هذا التوجه، وستساهم في مرونة العمليات التنفيذية، وتلافي المخاطر والأعمال الشاقة، والتركيز على الابتكار الذي يدعم تطور اقتصاد المعرفة.