من منا لم يتألم لخبر ما، من منا لا يواجه الألم في النفس جراء فقدان قريب أو فشل في مشروع، من منَّا لم يشعر في لحظة ما أنّه فقد شيئاً ثميناً كان في متناول يده ولم يتمكن من المحافظة عليه. من لا يتألم حينما يشعر يوماً أنّ سنوات عمره تضيع في الوصول إلى هدف، ثم يكتشف في النهاية أن ما كان يبحث عنه كان سراباً. لكن مهما قلنا فالكثيرون منا يجدون في البكاء متنفساً من الضغط الذي يعانونه. الدموع تلك التي تذرف من العين ظلت دوماً قيثارةً يعزف الشعراء والمحبون على أوتارها، عبروا عنها بشتى الأنواع الشعرية والمقطوعات الموسيقية، فكم من الألحان تخلّق إبداعاً لألم عميق لم يجد متنفّساً سوى البكاء بصمتٍ، لذلك تبقى المشاعر الإنسانية النبيلة أسمى ما في الوجود، وتبقى الدموع الصادقة رمزاً نبيلاً لهذه المشاعر وتعبيراً رقيقاً عنها، لكن حتى في هذه الجزئية الصغيرة حصل خلاف في آراء البشر، حيث هناك من يصفون في دموع المرأة بأنها مباغتة وكاذبة، ولها طابع دراماتيكي لتتردد هنا مقولة «دموع التماسيح» وليضيع تفسيرها الحقيقي. مشكلة اجتماعية دائماً ما تتهم دموع المرأة بأنها تشبه دموع التماسيح، التي يتصف صاحبها بالخداع.. تلفت ميسون فضل إلى ذلك، وتقول: «إن بعض النساء يبكين لكي يستعطفن من أمامهن، لكن دموع الأنثى ليست في جميع حالاتها كذلك، وإنما قد تكون دلالة عن الحزن والقهر والضعف، حيث لا تجد ما تعبر به عن ذلك سوى الدموع، تضيف ميسون: «بكاء المرأة غالباً ما يأتي بسبب رقتها وإحساساها العاليين اللذين يفتقدهما إليها الرجل». تشاركها الرأي غدير حسين، مندوبة تسويق، فهي من مؤيدات فكرة النظر إلى دموع المرأة على أنها تكون في كل الأحيان حلاً لمشكلة اجتماعية. وتشرح ذلك: «الدموع دائماً وأبداً سلاح ذو حدين، ففي لحظة ماقد تكون بمنزلة القوة التي تجعلها تواجه كل المشكلات، وفي اتجاه آخر قد تكون هي سبب ضعفها فتجعل الآخرين يستغلونها». ومن واقع تجربتها تؤكد غدير: «الدموع في بعض الأحيان يمكنها أن تغيِّر الاتجاه لمصلحتك، وهذا ما شعرت به عندما مررت بمشكلة صعبة جعلتني أشعر بالأرق في منامي، وشلت تفكيري». لكن، على حد تعبير غدير: «في بعض الأحيان قد تفسر الدموع ضد صاحبها، وذلك عندما تسيل بمناسبة أو من دونها». مظهر قوة من المعروف أن قوة أغلب النساء تكمن في ضعفهن «يضع سره في أضعف خلقه»، هكذا أشارت مني اليافعي (مدرسة). بالقول: «بعض من الناس يرى أن المرأة دموعها حين تسقط أمام الرجل تقوي من قدرتها التفاوضية، وتجعل الدفة القيادية للحوار في صالحها. وتبكي المرأة في معظم الأحيان بسبب الرجل، فهي تتألم عندما تحب وتتألم أكثر عندما تفقد من تحب». تشرح اليافعي وجهة نظرها بشكل أعمق: «معظم النساء اللاتي يتظاهرن بالقوة، وبأنهن لا يتأثرن بسهولة، هن أكثر النساء اللاتي نجد أحاسيسهن مرهفة لكن يلجأ بعض منهن إلى التظاهر بعكس ذلك، حتى لا يظهرن بمظهر الضعف أمام الرجال». لكن حالة هذه السيدة يقشعر لها البدن، فهي تذرف الدموع لا إرادياً لمصيبتها، تتذكر ياسمين شريط ذكرياتها المؤلم. وتقول عن عائلتها التي توفيت في حادث أليم، وتقول: «دموعي لا تتوقف فأسرتي فقدتها وبقيت وحيدة بلا أنيس، فمن شدة حبي وتعلقي بهم، لا أستطيع التوقف يومياً عن البكاء، فهي مصيبة كبيرة ولا أحد يقدر أن يمتنع عن البكاء، فليس من السهل فقدان عائلة بأكملها، وأقول لكل من يدعي إن المرأة تذرف الدمع بسبب أو دون سبب، ان هذا الكلام لا أساس له من الصحة، فالمرأة عاطفية وطبيعة تكوينها تبكي، وهذا ليس دليل ضعفها». للرجال رأي المرأة في بيت زوجها كما يلفت غانم المهيري: «باعتراف كثير منهن تفــُك كل الألغاز، وتـُحل كل الشفرات باستخدام سلاح البكاء، وعلى الرغم من أن بعض الرجال يدركون أن بكاء زوجاتهم نوع من التمثيل المتقن، إلا أن الكثير منهم يتجاهلون ذلك. ظناً بأنه وهن أنثوي وضعف نسائي فيقعون أسرى بمحض إرادتهم في شباك الدموع التي نسجتها عيون مطيعة، ومن وراء تلك العيون عقل مرتب وذكي، فيتنازل الرجل عن بعض قراراته إرضاءً لزوجته وتجفيفاً لدموعها التي نزلت على خديها، وهنا تنتشي المرأة لأن خططها البكائية قد أصابت الهدف، والرجل آخر من يعلم». يوافقه الرأي ابن خالته حسين المزروعي فيقول: «عندما تريد زوجتي الحصول على شيء فغالباً ما تتخذ من البكاء وسيلة للحصول على مبتغاها، وفي أحيان كثيرة تحصل على ماتريده بعد أن أكون قد تأثرت بدموعها التي يصفها البعض بدموع التماسيح». قمة النضج بدوره، يعلق الدكتور النفسي أحمد محمد علي موضوع دموع المرأة مستنداً إلى دراسة نفسية عن تلك الدموع: «لقد أكدت الكثير من الدراسات العلمية أن المرأة التي تبكي دون خجل هي امرأة وصلت إلى قمة النضج النفسي والذهني، وقد تفرز المرأة العادية نصف لتر دموع في العام أي بمعدل 1.5سم في اليوم?. كما تتجدد دموع المرأة داخل العين 13 ألف مرة في اليوم الواحد?. وتعتبر المرأة التي لا تبكي ظاهرة مرضية غير طبيعية». يتابع الدكتور علي: «تتميز المرأة صاحبة الدموع الكثيرة بالرحمة والرقة ونقطة الدموع التي تنساب من عين المرأة يومياً بطريقة آلية تنظف العين وتشحمها. ?وما زالت حقيقة دموع المرأة محل جدل، لكن المؤكد أن المرأة لا تبكي المرأة إلا إحساساً بالأشياء في أغلب الأحيان بعيداً عن كل التكهنات السابقة، لأن الإحساس بالبكاء إحساس طبيعي مثل الإحساس بالجوع والمرض والشبع، وإن كانت خصوصية الدموع بقيت لغزاً فشل العلماء في فكه». يضيف الدكتور أحمد: «الرجال يذرفون الدموع بما معدله اثنتان إلى أربع دقائق، فيما النساء يذرفن الدموع على مدى ست دقائق، والنساء يجهشن بالبكاء بنسبة 65 بالمئة مقابل 6 بالمئة للرجال.? ودموع النساء تستمر لفترة أطول، ولها طابع أكثر دراماتيكية، ويمكن أن تفطر القلوب أكثر.? وهن يذرفن الدموع في غالب الأحيان حين يشعرن أنهن لسن على ما يرام، وحين يواجهن خلافات يصعب حلها أو حين يتذكرن أحداثاً من الماضي. يختم قائلاً: «إن الرجال يبكون في غالب الأحيان تعاطفاً أو في حال فشل علاقة ما، لكن وظيفة الدموع تبقى غامضة. ?فالرجل يرى دموع المرأة ضعفاً وسذاجة، خاصة في بعض المواقف التي يرى أنها تحتاج إلى حل ونقاش عقلي وليس إلى دموع، فيما نجد أن بعض النساء يستخدمن دموعهن سلاحاً أمام الرجل، ولكن هذا السلاح لا يجدي نفعا أمام صنف معين من الرجال الذين يكرهون دموع المرأة». «التسوسترون» سر بكاء المرأة كشفت دراسة فرنسية أجريت حديثاً أن النساء أكثر قدرة على البكاء من الرجال بسبب عامل بيولوجي، حيث يفرز جسم الرجل هرمون التستوسترون الكابت للدموع، ويوجد بنسبة أقل عند الجنس الناعم. وتقول العالمة النفسانية سيلفي انجل: «بعض النساء يبكين بلامبرر أو من دون سبب واضح، لأنهن مصابات بالاكتئاب، فالأحداث المؤلمة لا يشعرن بها في الحال ولكن بعد فترة زمنية، ويقعن ضحية لارتداد الصدمة مرة أخرى وهذه الظاهرة يطلق عليها (موية الصدمة النفسية) التي تجعل المرأة تنهار دون سبب محدد، تكون نوبات من الدموع تعبر عن الألم الدفين».