لابد أن نوضح قليلاً مفهوم حوار الثقافات لأنه مفهوم ترتكب باسمه مغالطات كثيرة الآن، ويؤخذ على وجه الحق بحثاً عن باطل في أحايين كثيرة. حوار الثقافات مفهوم متقلب، يستعمل بتسميات متعددة، ويروج لما تكثر الصراعات والحروب والخلافات. إنه حالة من التبادل بين الشعوب والثقافات، وتعلم الحياة المشتركة والسليمة، وتبادل القيم والمبادئ... إنه اعتراف بالآخر في اختلافه، وبحث عن تأسس فضاء مشترك. يمتلك هذا المفهوم امتدادات في حقول سياسية حيث تهتم به المؤسسات السياسية الكبرى مثل منظمة الأمم المتحدة، والمؤسسات الثقافية مثل اليونسكو والإيسيسكو، وتهتم به الدراسات الفلسفية والأنثربولوجية، انطلاقاً من التفكير في دلالة “الثقافة” Culture واختلاف معانيها في الثقافات واللغات. يبدو لنا مفهوم حوار الثقافات جديداً، ومطلوباً من الفرقاء المتعددين على الساحة الدولية، ومن المجتمعات المتداخلة حياتها الآن. إنه يشير الى نوع من الحياة المشتركة التي أضحت تميز العالم الآن، والى نوع من اندثار الحدود بين المجتمعات والبلدان والثقافات. هل يعني هذا عدم وجود حوار الثقافات في المجتمعات القديمة، وفي العصور الغابرة؟ مقابل “حوار الثقافات” تحدث العرب القدامى عن الاختلاط، اختلاط الناس والعباد والقبائل والأجناس، وحين هيمن اللغويون على الثقافة العربية في عصر التدوين وبحثوا عن خلوص الثقافة العربية من العناصر الأجنبية تحدث البعض عن اللحن والعجمة في اللغة، ولم يكونا في النهاية غير وجه من وجوه حوار الثقافات الذي عاشته شبه الجزيرة العربية في أطرافها بالخصوص. لقد خلقت التبادلات التجارية شبه الجزيرة نوعاً من الحوار بين الثقافات واللغات والأشعار، وشكلت شبه حياة عالمية آنذاك تفرض نوعاً من التبادل الذي يرتفع عن المستويات التجارية والمادية ليصيب اللغة والقيم والمبادئ. في اللحظة التي يصبح فيها حوار الثقافات برنامجاً مخططاً له، ومفهوماً مفكراً فيه، يعني أن الحياة البشرية أصبح فيها من الاختلاط والتبادل ما يلزم بالتفكير والتخطيط لتنظيم الحياة المشتركة بين الشعوب، وتسييج العلاقات الصدامية بينها بخريطة من المبادئ والقيم تضمن التعايش والسلم وتمنع حالات الجنوح القصوى الى العنف. لهذا، ورغم أن السياسيين وهيئاتهم يبذلون قصارى جهودهم لترسيخ مبادئ حوار الثقافات، نجد أن المجال الثقافي والفني يكون هو الفضاء الأمثل لبروز فضائل الحوار والتبادل والاعتراف بالآخر. في مجال الحوار بين الشعوب تكون الثقافة والفنون هي الميزان الذي يُنسب الإفراط السياسي. السياسة محكومة بالمصالح، والثقافة محكومة بالإبداع والتواصل. حوار الثقافات، ويطلق عليه حوار الحضارات، وأحياناً أخرى التمازج، هو ما سماه ابن خلدون بنوع من التوسع: المغالبة. فبين المجتمعات والشعوب تتأسس علاقة المغالبة بشكل طبيعي، تمتد من التنافس وتبادل التأثير الى الصراع والغلبة، ومن السلم الى الحرب. وكما في كل حوار للثقافات إحساس مشترك بضرورة هذا الطرف للآخر والعكس صحيح، فإن المغالبة تضم الإحساس بضرورة الآخر، وبلزوم وجوده. فالحديث عن حوار الثقافات بين العرب والغرب تسليم بحاجة كل طرف للآخر. من هذا المنطلق أبلور ثلاث أفكار: أولاً، ربما يكون المسرح العربي هو الفن الوحيد الجديد الذي نشأ عن تمازج ثقافي بين الثقافة العربية والغربية. وسواء في المسرحيات التبشيرية والاستعمارية التي انتشرت منذ مطلع القرن التاسع عشر، أو في مبادرة النقاش التاجر المعجب بالثقافة والفنون، كان المسرح وليد مثاقفة. في منتصف القرن التاسع عشر، كان المسرح منتوجاً ثقافياً لم تعرف مثله الثقافة العربية على صعيد الكتابة والأسلوب والتقديم والتوزيع. هذه الفكرة تحسم في سجالنا الضائع حول هل عرفت الثقافة العربية هذا الفن أو لا. وثانياً، ارتبط المسرح بكل الطموحات العربية الى التقدم والنهضة والتحرر. ويمكن أن نعود الى عصر النهضة لنجد أن المسرح ومشاريعه كان قد وقر في أغلب الدعوات الى النهضة، وأقبل عليه كل من اهتم بالتنظيمات الوطنية والتحررية، سواء كانت ذات بعد سياسي أو وطني أو قومي. بسبب هذا الارتباط، شكل المسرح فضاء شبابياً بامتياز، أقبل عليه الشباب، ووجد فيه تلخيصاً لعنفوان المرحلة، وتتويجاً لمعاني التمرد والنزقية. المسرح العربي الآن بشكله وخياراته ليس منفصلاً عما يجري من مسارح عالمية، ويشكل إسهاماً جليلاً في الجهود المسرحية. لقد مر زمن كان الجميع يستنكر المسرح العربي ويؤاخذه عليه “تبعيته” للغرب. لم يكن الأمر بهذه الدقة، وارتكبنا أخطاء جسيمة تجاه المسرح العربي. وقد اعتبر المسرح العربي في عدد من الخطابات النقدية مسرحاً مستلباً، أو ضائعاً، أو فاقداً لوظيفته، والحال أن أغلب المسرح العربي يتحقق في فضاء البحر المتوسط، أو قربه، وهو فضاء كان منذ أزمنة موغلة فضاء ثقافياً مشتركاً متمازجاً. والغريب أن بعض الاتجاهات المسرحية، لكي تكسب الشهرة، أسست أطروحاتها على هذه الرؤية شبه العدمية التي تحاكم المسرح العربي جملة وتفصيلاً، وتعتبره ضائعاً مستلباً برانياً غربي الملامح. في حين، نجد هذه التيارات نفسها لا تختلف عن تيارات مسرحية أوروبية، أخذت عنها أخذاً. ربما نتبين في المسرح العربي نوعاً من الضعف مقارنة بمسرح شمال المتوسط، وذلك بسبب فرق التجربة، والبنيات التحتية الموجودة في أوروبا، واستقرار الوضع المسرحي هناك، ولكن من وجهة نظر الاختيارات الجمالية العامة، فالمسرح العربي في نفس مستوى المسرح الأوروبي. بعبارة أخرى، ومن وجهة نظر “المغالبة” فالمسرح العربي يؤسس علاقة مساواة مع المسرح الأوروبي مع اعتبار ميزان القوى الموجود. والدليل على أن المسرح العربي يسهم في حواره مع المسرح الغربي بنفس الإيقاع، ويندمج في تطور المسرح العالمي بنفس المستوى، أنه، تاريخياً، لا يوجد فرق كبير على صعيد التجربة المسرحية بين أوروبا والعالم العربي. فالمسرح الذي ظهر في أوروبا منذ أواسط القرن التاسع عشر كان مسرحاً جديداً على صعيد شكله وأسلوبه ولغته الدرامية والإخراجية، وعلى صعيد المهارات الفنية فيه من سينوغرافيا وإنارة وملابس وغيرها. كان مسرحاً يلتزم بمفهوم جديد للمسرح أحدث قطيعة مع السابق، لا هو مسرحاً بلغة الشعر، ولا هو مسرحاً كلاسيكياً، ولا هو مسرحاً يهيمن فيه الكاتب أو المحافظ، ولا هو مسرحاً إليزابيثياً.. كان مسرحاً جديداً حداثياً منسجماً مع مجتمع جديد بدأ يتبلور منذ القضاء على النظام الفيودالي وبروز طلائع البورجوازية والنظام الليبرالي. وإذن المسرح الذي ظهر بين مصر ولبنان في القرن التاسع عشر لم يكن متخلفاً عن ذلك المسرح الأوروبي الذي ظهر مع تجربة أنطوان في باريس، وميرهولد وكريغ وآبيا ورينهارت وغيرهم في أوروبا. والدليل الثالث على هذا التبادل الثقافي المسرحي هو أن المسرح الأوروبي رفد من المسرح العربي والشرقي عموماً، وجدد نفسه من خلال نظريات الثقافات البعيدة. وبعبارة أخرى، يساهم المسرح العربي في الحالة المسرحية العالمية، ربما بإيقاعات مختلفة، ولكن مساهمته أساسية. ولعل صدى هذه الفكرة لا نجدها كثيراً في كتابات نقدية عربية يطغى عليها نوع من التشاؤم والعدمية، ولكننا نجدها في الكتابات الأوروبية عن المسرح العربي، فعدد من نقاد المسرح في أوروبا المتتبعين لحركة المسرح العربي لا يجدون فرقاً بين المسرح الأوروبي الحديث وتجارب المسرح العربي، ويقدرون بحثها التجريبي الخالص، وأحياناً يمجدونه لأننا في الغالب لا نملك مؤسسات مسرحية قائمة ذات تاريخ وتقاليد مسرحية عتيقة، ونملك بالمقابل تقاليد فرجوية شفهية عريقة، فيتحصل منتوج مسرحي تجريبي متفتح ومهم. ففي أوروبا تبنوا دعوة ابن رشد منذ قديم الزمان، واعتبروا أن أخذ المعرفة والحكمة والجمال من أي مصدر محبوب مرغوب فيه لأن فيه رقياً بالذات وليس خضوعاً للآخر، أما في العالم العربي فلا نزال نعتبر النهل من المعين الأوروبي أو غيره استلاباً وضياعاً، والخطير أنه يصدر من كتاب مسرح وأصحاب نظريات مسرحية. الفكرة الثالثة تتعلق بالوضعية الرمزية للمسرح في الثقافة العربية الحديثة، وبشكل حضوره في المجتمعات العربية. ففي أغلب البلدان العربية، لا يزال ينظر الى المسرح باعتباره فناً للشباب أكثر مما هو فن للفئات الأخرى. ونظراً لسيادة نوع من الأخلاق بمرجعياتها الاجتماعية والدينية، ينظر الى المسرح وكأنه فن شبابي بامتياز. هذه الفكرة المهيمنة وقفت دون تأسيس بنيات مسرحية قارة في عدد من البلدان العربية حيث بقي المسرح يمارس في دور الشباب وغيرها من المؤسسات الثقافية متعددة التوجهات. ولكنها من جهة أخرى، حافظت على وجه شبابي للمسرح العربي. ففي أغلب الدول العربية، تقبل على المسرح الفئات الشابة سواء في الجامعات أو في المسرح الاحترافي، الى درجة أننا نلاحظ في ريبرتوار المسرح العربي ندرة للشخصيات الكبيرة في السن. إذا تجاوزنا المغرب الذي لا يملك بنيات مسرحية كثيرة، سنجد مثلاً في الجزائر مسرحاً وطنياً، ومسارح جهوية كثيرة تناهز العشرين مسرحياً ببناياتها الجميلة، وبميزانياتها وطواقمها، ما يعني أننا أما تجربة مسرحية قديمة تضمن لفنانينها نوعاً من الاستقرار، ورغم ذلك نجد أغلب ممارسي المسرح من الشباب، وباستثناء مصر ربما، سنجد أغلب فئات أهل المسرح في العالم العربي من الشباب، فيما يرحل أغلب الكهول الى السينما. هذه الملاحظة مهمة جداً، سواء من حيث قيمتها العلمية، إذ علينا أن نحلل لماذا تربط أغلب المجتمعات العربية المسرح بنزقية الشباب، ومن جهة أخرى لماذا يهاجر أغلب قدماء المسرح نحو السينما... إنه موضوع يغري بالمتابعة والتحليل بعد الاستقصاء والإحصاء. الفكرة الرابعة تتعلق بالخريطة الجغرافية الجديدة للمسرح العربي، وفيها تتشكل هوية المسرح العربي التي يتم تصديرها الى المشرق والمغرب على السواء. ولهذا الأمر ملابسات تاريخية معروفة، فالمسرح العربي برز للوجود بين الشام ومصر، وبقيت هذه المنطقة هي دينامو المسرح العربي لعقود. وقد وقر في مخيلة المسرحيين العرب أن المسرح إنما أساسه في الشام ومصر، وحين يُتحدث عن المناطق العربية الأخرى، فهي إما مغرب ويقصد بها بلدان المغرب العربي، أو خليج ويقصد به دول الخليج. بقينا دوماً على هامش رؤية مركزية نابعة من المشرق. مثلاً، في كلمة يوسف العاني لليوم العربي للمسرح نقرأ في الديباجة الأولى: أرى اليوم أمامي لبنان بمسرحه، والخليج بمسارحه، ومصر بمسرحها العريق والعراق بإصرار مسرحييها على العطاء وسوريا بتواصل عطائها ومسرح الأردن بنشاطه، أرى فضاءات المغرب العربي المتعددة لأعود الى مشرقه... أراه كله موحداً تحت شعار مبارك: المسرح العربي. تضمر هذه الديباجة تلك الفكرة التي وقرت في الأذهان، والتي تنظر الى الخليج والى المغرب العربي نظرة شمولية، في الوقت الذي جرت تحت بركة المسرح العربي مياه كثيرة، ووقعت تحولات في التجارب المسرحية في الخليج وفي المغرب العربي اللذين أعتبرها بؤرتين لتجديد دماء المسرح العربي بفعل أن مسرحهم ترفعه فئة من الشباب المبدعين. إن التجارب المسرحية في بلدان مثل الإمارات والبحرين والسعودية والكويت، وكذا تجارب في تونس والجزائر والمغرب لهي أكثر عمقاً وتبحثاً عن عدد من التجارب المشهود لها في مصر والشام. ولهذا أعتقد أننا بحاجة الى اتخاذ المسرح قناة للحوار مع الثقافات الأجنبية، وخلق جسور للتواصل بين شمال المتوسط وجنوبه، ولكننا كذلك في حاجة الى حوار ثقافي بين الثقافات العربية، التي بدأت تتميز فيما بينها رغم أن الجامع بينها عمقها العربي الإسلامي. نحن في حاجة الى حوار ثقافي مزدوج، داخلي بين الثقافات العربية المختلفة، وخارجي مع الثقافات البعيدة عنها. إننا بحاجة الى بذل جهد جبار لنمنح للإبداع الشبابي وجهه المتألق في المسارح العربية، ولا أدري لماذا نفكر في بناء مناطق للتبادل التجاري الحر، ولا نفكر في بناء مناطق حرة للتبادل المسرحي والثقافي. * جامعة سيدي محمد بن عبدالله، فاس ـ مملكة المغرب ** ورقة قدمت إلى ملتقى الشارقة للمسرح العربي 5 ـ 6 يناير 2011