من كان يظنّ أن الممثلة الشهيرة وأسطورة السينما الأميركية والعالمية مارلين مونرو يمكن أن تكون كاتبة وشاعرة؟ فقد اكتسبت هذه الشقراء شهرة طبّقت الآفاق لجمالها الآسر (بالمقاييس الغربية) ولغرامياتها ولعلاقتها بالرئيس الأميركي الراحل جون كيندي وبشقيقه، وبقيت حياتها وانتحارها وهي في ريعان شبابها لغزا، وغذت قصصها المتداولة وصورها وأفلامها خيال ملايين الناس الى أن جاء ناشر فرنسي هذه الايام لينفرد بطبع كتاب تضمن يوميات الممثلة ذائعة الصيت وشذرات من محاولاتها الشعرية ورسائلها لتتغير الصورة النمطية التي انطبعت عنها في أذهان الجميع. وهكذا وبعد نصف قرن من وفاتها فإنّ هذه الممثلة الاستثنائية والنجمة التي لم يخفت بريقها تصنع ـ حتى وهي في رمسها ـ الحدث، فقد كتبت عنها آلاف الكتب ولكن المرأة بقيت رغم ذلك لغزا وبقي الغموض يلف شخصيتها وحياتها المضطربة ووفاتها المأساوية، ولأول مرة يطالع الناس شذرات من خواطر حررتها بنفسها ويكتشفون من خلال كتابات متناثرة الصخب الذي كان بداخلها والألم الذي كان ينخر وجدانها. يقول ناشر الكتاب برنار كومنت Bernard comment من دار “سوي” seuil الفرنسية: “ان هذا الكتاب يدحض الرأي القائل بأن مارلين مونرو هي شقراء جميلة وغبية، وهذه النصوص التي نشرتها لها نصوص جميلة ومؤثرة، فنحن نكتشف امرأة معذبة تبحث عن الحقيقة. إن مارلين مرهفة الحس ولها شاعرية في كل ما دونته من خواطر”. حيرة وجودية شرعت الممثلة في تدوين يومياتها منذ عام 1943 عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها وتنتهي منها عام 1962 قبل أيام قليلة من وفاتها، وتضمن الكتاب إلى جانب اليوميات محاولات شعرية وأفكارا وآراء وحتى روشتة لطبخ “ديك رومي محشي”، وتعكس كتابات الممثلة الحسناء شخصيتها الحائرة الهشة ويتجلى مما دونته من خواطر أنها كانت في حاجة إلى من يأتي لنجدتها ويحميها ويقف إلى جانبها، وهذه النجمة السينمائية التي أصبحت أسطورة تبدو من خلال هذه اليوميات امرأة متألمة وتائهة تبحث عن معنى لحياتها وسط صخب الشهرة وبهرجها. إنها في خوف دائم، ورغم أنّها محاطة بالمعجبين والعاشقين والمتيمين بجمالها فإنه كان ينتابها شعور بالوحدة. إنها دائمة الخوف من الناس ومن نفسها، وهي تكاد تكون دائما على شفا انهيار. ويظهر من خلال النصوص التي جاءت في الكتاب ان الحسناء التي أدارت رقاب آلاف بل ملايين الرجال تعاني في أعماقها من عدم ثقة في نفسها وأنها لا تشعر بالسعادة أو الحب، وأن فكرة الموت والانتحار كانت تراودها. إن مادة الكتاب تم جمعها من ورقات متناثرة كتبتها هنا وهناك. واكتشف النقاد والقراء أن هذه الفاتنة لم تكن فعلا مثلما أكد ذلك الناشر غبية، بل إنها كانت تتعذب بحثا عن الحقيقة: حقيقتها وحقيقة الآخرين، وهي لم تفهم أبدا هذا الاهتمام الكبير بها ولم تجد معنى لهيام ملايين الناس بها، ويظهر من كتاباتها أنها دخلت عالم التمثيل والسينما بغير حب كبير، فقد كانت تبدو باسمة مبتهجة مقبلة على الحياة ولكن الحقيقة إنها كانت امرأة متألمة بسبب طفولة تعيسة لم تستطع أبدا التخلص من انعكاساتها. من نصوصها كتبت الممثلة ذائعة الصيت ذات يوم (27 أغسطس): “إني قلقة حائرة ومتوترة وغير مستقرة. كدت أتقيأ غذائي. إني متعبة وحياتي كلها تصيبني بالانهيار، فكيف لي ـ وهذه حالتي ـ أن أقوم بدور فتاة مرحة وسعيدة ومتفائلة بمستقبلها الوردي؟”. وفي فبراير 1961 دخلت مارلين مونرو المستشفى ليتمّ معالجتها نفسيا، وقد كتبت من غرفتها بالمستشفى رسالة تقول فيها: “إني متأكدة بأنني سأصاب بالجنون. كم أتمنى الموت وان أذهب بعيدا. إني وحيدة وأشعر دائما بمرارة هذه الوحدة والبارحة لم يغمض لي جفن .إني أحيانا أتساءل عن مفهوم الزمن في الليل. إني أشعر أن حياتي هي يوم لا ينتهي وقد حاولت أن أغتنم فرصة الأرق الذي أصابني لمطالعة كتاب عن مراسلات “فرويد”، وعند فتحي للصفحة الأولى من الكتاب اعترضتني صورة فرويد وأجهشت بالبكاء. إن صورته تظهره كرجل محبط ولا شكّ أنّ تلك الصورة تمّ التقاطها له قبل مدة قصيرة من وفاته. إني أعلم أني لن أكون أبدا امرأة سعيدة. قد أشعر بالمرح ولكن طعم السعادة الحقيقية لم أذقه أبدا. أخذت كرسيا ورميته على بلور النافذة. لم أحطّم شيئا في حياتي ولكن امتلكتني هذه الليلة رغبة في تكسير البلور، ولقد أحدث تهشيم الزجاج ضجيجا مدويا. بعد ذلك شعرت بالهدوء وعندما جاء الأطباء قلت لهم إذا أردتم أن تعاملوني كمجنونة فانا فعلا كذلك”. إن مطالعة يوميات أشهر شقراء في العالم تبرز شخصية حائرة ومبعثرة تبحث عن شيء ولكن ما هو؟ ذلك هو السؤال. هي فعلا نجمة سينمائية متلألئة في سماء هوليوود والعالم، وهي معبودة الجماهير في أميركا والعالم ولكن هناك الوجه الآخر المظلم هي حياتها الخاصة: فقد عرفت سلسلة من الخيبات العاطفية، كما كانت تعاني من عقدة عدم إتمامها لدراستها ورغبتها الجامحة في أن تصبح امرأة مثقفة ولكنها لم تفلح وبقيت فقط رمزا للمرأة الفاتنة المغرية. عاشت مارلين مونرو حياتها طولا وعرضا ولم تكن أبدا منضبطة بقيم أو ملتزمة بخطوط حمراء فكانت عشيقة ليلة لبعض المنتجين، وليلة أخرى تقضيها مع ممثل أو بستاني أو موسيقي أو حتى مع نادل طرق باب بيتها ليسلّمها فطيرة البيتزا التي طلبتها بالهاتف، فهي لم تكن قادرة ـ في عيون من حولها ـ على منح الرجال أكثر من جسدها الجميل. وحتى علاقتها مع الرئيس جون كيندي وشقيقه كانت علاقة عاصفة. لقد كان عدد عشاق مارلين لا يحصى، فهي مهووسة بالجنس ولا أحد رأى فيها غير الجسد، ولذلك فإنها كانت تريد أيضا أن تكون مثقفة وسعت إلى المطالعة والكتابة لإثبات ذاتها أمام كل من يرى فيها جسدا مغريا فقط. امرأة لغز الكلّ يعلم أنّ مارلين انتحرت بتناول كمية من الأدوية المخدرة وجاء هذا الكتاب ليثبت أنها فعلا كانت امرأة تشعر بالضياع تبحث عن معنى لوجودها، فهي في صراع دائم بين رغبتها في إثبات ذاتها كممثلة خاصة بعد أن بدأ يلمع نجم الممثلة المنافسة لها ليز تايلور، ومن ناحية أخرى كانت تريد أيضا أن تظهر للجميع أنها امرأة ذكية وعميقة وليست فتاة جميلة وسطحية وخاوية فكريا مثلما كانت تصورها وسائل الإعلام. كانت مارلين ـ كما يتجلى في يومياتها ـ تريد أن تكون دائما مرغوبا فيها من الرجال، كما كانت في حاجة أيضا إلى أن تثير إعجاب النساء وغيرتهن. هي يوميات تعكس “الكسر” الذي كان ينخر وجدان المرأة والممثلة وهو الكسر الذي كاد أن يؤدي بها إلى الجنون. لقد ظهرت مارلين مونرو في بعض الصور وهي تطالع “الإلياذة” وأثار ذلك تهكم الناس منها ولم يصدّق أحد أن مارلين مونرو امرأة يمكن آن تطالع هذا الكتاب، فهي في نظر الجميع امرأة جميلة فقط وهذا ما كان يحز في نفسها ويؤلمها، وقد انكب النقاد على تحليل هذه اليوميات ورأوا فيها مرآة لطفولة مارلين التعيسة مع أمّ عنيفة لم تكن تحبها والتي أصيبت في آخر حياتها بالجنون. تزوجت مارلين ولكنها لم تكن سعيدة لشعورها الباطني بأنه مكتوب عليها بأن تتعذب وتشقى وتتألم رغم نجاحها السينمائي وشهرتها. لقد أجمع كل من طالع هذا الكتاب أن أجمل امرأة في العالم، كما يتم وصفها، هي امرأة ذكية، فقد جرى الاعتقاد بأن النساء الفاتنات عموما غير ذكيات وجاء هذا الكتاب ليكذب هذه المقولة، والغريب انه ـ وحتى بعد نهاية مطالعة هذا الكتاب ـ فإن مارلين مونرو تبقى امرأة لغزا. وروت هيلين كاريير دانكوس الباحثة في شؤون الاتحاد السوفييتي السابق انها استمعت بنفسها الى أندريه غروميكو، الوزير الشهير للشؤون الخارجية السوفياتية، يقول: “لو شاهد كارل ماركس مارلين مونرو لتزوج... الرأسمالية”