نوف الموسى (دبي)

يُحسب للمخرج الشاب إبراهيم القحومي في مسرحيته «صدأ» التي عرضت مساء أول من أمس، ضمن مهرجان دبي لمسرح الشباب 2018، الاجتهاد الضمني في «البحث» المسرحي، بالتعاون مع الكاتب الواعد أحمد عبد الله راشد، بعد سنوات طوال من المطالبات المستمرة من قبل القائمين على الحراك المسرحي الإماراتي، بأن يذهب الشباب إلى فضاءات الاستشفاف الخاص بهم، بعيداً عن الأفكار المعلبة، وقريباً أكثر إلى «خلق» ما يودون اكتشافه عن أنفسهم، وهذا تحديداً ما حدث في مسرحية «صدأ»، مواجهة تامة مع الصخرة التي قسمت ظهر سكة الحديد، شريان التواصل بين العوالم المختلفة، وأحدثت جُرحاً مدوياً، يقدس الصخرة، ولا شيء غير الصخرة، متناسياً أنها السبب في توقف امتداد الحياة في المكان المعزول ـ الصدأ ـ ليبدأ الصراع عند منطقة السؤال الفعلية: كيف نزيل الصخرة من على قلب الـ «صدأ»؟!
شخصية «مهند»، رجل الأعمال، القادم ليثير غبار الصدأ من المكان، وينعش ما بقي من أثره، تهتز في تصادم قاس مع خوف شخصية «أبو أمنية» الذي نصب لنفسه مكاناً بالقرب من الصخرة التي حولت آمال الوصال إلى اختلاف محتم، فالمثير هنا ليس الصخرة فقط، بل عندما يتحول من يقدسها إلى شيء يشبهها، وتصبح جزءاً منه، فيقاوم بكل ما فيه ليحتفظ بها، فبمجرد أن تزول، فإن جزءاً من أبو أمنية سيموت، ربما لذلك أقدم على ضرب «مهند» على رأسه ضربة كادت تودي بحياته. ويجدر القول إن «الالتزام والانضباط» الذي أبداه الممثلان: أيمن الخديم وعبد الله علي الخديم، على مستوى حضور الشخصيات وثباتها على المسرح، مؤشر نوعي على الجدية والدقة التي قرأ فيها المخرج إبراهيم القحومي المشهد المسرحي عبر التدريب المركز والمتزن، وجميعها مجهودات يجب الالتفاف حولها وتقديرها.
«الاستفزاز»، الذي أحدثه العرض، خلق مناقشات جدلية، وهنا يكمن جمال المسرح وقوته، في أنه يقدم لك الجميع في لحظة استنفار للبحث عن إجابة السؤال الذي يطرحه العرض بصوت عالٍ وحيّ، وقتها تجلت رؤى للمسرحي محمد العامري الذي تساءل: من أسقط الصخرة؟ مؤكداً أن بنية تكوين العرض، بالمقارنة مع المرحلة العمرية للشباب، وكيفية تفكيكهم للنص، تضعنا أمام تحول بديع، فيما يخص البحث والالتزام، خاصة أن هناك حالات مدروسة جداً، لا تكشف عن استعجال، بل عن تمهل ساهم في أن يستولي الممثلون على الخشبة، الأمر الذي يكشف نجاح رهان مهرجان دبي لمسرح الشباب على آلية اختيار النصوص. واتفق المسرحي أحمد الجسمي والمسرحي عبد الله صالح، على أن تجربة الكتابة المسرحية للكاتب أحمد عبد الله، هي نتاج واع لما يمكن أن تفعله ورش التجارب المسرحية في الإمارات.
في الوجه المقابل، اعتبر المسرحي حسن رجب، أن الإضاءة ذات دلالة رمزية ساحرة، ولا يمكن حشو العرض بكل هذا الضوء، الشبيه بـ «الاستعراض»، من غير طائل، متحفظاً على اللهجة العامية (المجانية)، الدخيلة على الفصحى التي حطَّت من جدية الطرح، داعياً القحومي بأن يذهب إلى البساطة.