أحمد السعداوي

حققت دولة الإمارات خلال العقود المنصرمة إنجازات لافتة على الصعيد الثقافي توازي ما بلغته الدولة من درجة كبيرة من التقدم في غير ذي مجال من مجالات الحياة المختلفة، وقد انتشرت معالم النهضة الثقافية في أرجاء الدولة تنبئ للغادي والرائح بملامح المشهد الثقافي الإماراتي المعاصر وتأثيراته الممتدة إلى أرجاء المنطقة والعالم. فهناك لوفر أبوظبي بما يضمه من مقتنيات فنية ولقىً أثرية ممثلة لحضارات العالم قديمه وحديثه، والمؤسسات الثقافية ومعارض الكتب التي تقام في إمارات الدولة، وكذا منارة السعديات بما تضمه على أرضها من فعاليات ومعارض فنية ممتدة على مدار العام، أما المجمع الثقافي بأبوظبي بوصفه منصة للإبداع والفن والثقافة في العاصمة الإماراتية فيحتل هو الآخر مركزاً متقدماً بين مراكز الإبداع والتنوير في العالم بفضل الدعم اللامحدود لكل ما يتعلق بالثقافة والفنون منذ إعلان قيام الدولة في الثاني من ديسمبر 1971 وحتى أيامنا هذه، واستشرافاً لآفاق مستقبل واعد يؤكد نصاعة المشهد الثقافي الإماراتي وقدرته على إحداث التنوير والتثقيف على الصعيدين المحلي والعالمي، بفضل زخم الإنجازات الثقافية والرؤية البعيدة التي ترمي إلى استدامة المنجزات الحالية وتغذية المشاريع الثقافية القادمة. هذا ما أكده عدد من القيادات الثقافية في الدولة خلال حديثهم إلى «الاتحاد».

محمد خليفة المبارك: أنجزنا مشاريع ثقافية كبرى في أبوظبي
قال معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي: مع اقتراب احتفالنا باليوبيل الذهبي لقيام اتحاد إماراتنا، نعتز هذا العام بما أنجزناه على مدى 48 عاماً من عمر الاتحاد المبارك، فقد حققت دولة الإمارات إنجازات رائدة تعكس الرؤية الطموحة للقيادة الرشيدة في المنافسة عالمياً للوصول إلى المركز الأول، بجانب العمل على تطوير المجتمع وترسيخ منظومة الرفاه والرخاء، حيث يواصل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» خطى باني مجد اتحادنا ومؤسس نهضتنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» في تمكين الاتحاد وتعزيز ما تم تحقيقه في الماضي من مكتسبات لنصل اليوم لمرحلة التميّز والنموذج العالمي. وأشار معاليه إلى أن اليوم الوطني يتزامن هذا العام مع إطلاقنا مؤخراً الاستراتيجية الثقافية الخمسية لإمارة أبوظبي، والتي تم وضعها بناءً على النمو الملحوظ في المشهد الثقافي والذي يتميز بالدينامية والتنوع، وبالتالي غزارة الإنتاج الثقافي على مختلف أشكاله، مع زيادة الوعي والاهتمام والتفاعل مع مخرجات المشهد الثقافي من قبل الجمهور العام. من خلال استراتيجية أبوظبي الثقافية نواصل العمل على دعم الركائز الأساسية والبنية التحتية للقطاع الثقافي في الإمارة، وذلك بالشراكة مع مختلف اللاعبين والمؤثرين في القطاع الثقافي من مؤسسات حكومية وخاصة وأفراد، إلى جانب أكثر من 20 شراكة للأبحاث الاستراتيجية مع أكاديميات وجامعات مرموقة، لوضع سياسات للقطاع الثقافي متعدد التخصصات، بما في ذلك التراث غير المادي، ومقتنيات السجل الثقافي الوطني، والبيئة التاريخية، وصالات العرض، واستيراد وتصدير الممتلكات الثقافية، والمتاحف الخاصة، وسياسات الملكية الفكرية.
كما أوضح المبارك «أنه في السنوات الماضية تمكنا من إنجاز مشاريع ثقافية كبرى في أبوظبي، فقد أثبت متحف اللوفر أبوظبي، أول متحف عالمي يتم افتتاحه في المنطقة العربية وأول المتاحف العالمية في منطقة السعديات الثقافية، أهمية مشروع من هذا النوع للمنطقة، فقد تجاوز عدد زوار المتحف 2 مليون زائر في عامين فقط، وحالياً نواصل إكمال بقية المتاحف العالمية وفي مقدمتها متحف زايد الوطني، المتحف الوطني لدولة الإمارات والذي سيكون صرحاً متميزاً على الصعيد المحلي والعالمي. بينما تشهد منطقة الحصن بعد إعادة ترميم معالمها الحضارية تفاعلاً مجتمعياً منقطع النظير وسط البرامج والفعاليات الفنية والمهرجانات التي تنظم بشكل منتظم».

سيف سعيد غباش: ندعم المشهد الثقافي المحلي بمكونات عالمية
أكد سيف سعيد غباش، وكيل دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، أن أبوظبي تمكنت خلال هذا العام من استقطاب العديد من الفعاليات الفنية والترفيهية والأعمال عالمية المستوى، وذلك ضمن رؤية طموحة لتعزيز مكانة أبوظبي كعاصمة لثقافات العالم وفنونه، ومما لا شك فيه أن اختيار الشركات العالمية الكبرى لأبوظبي لإقامة فعالياتهم يشكل إضافة على المشهد الثقافي في الإمارة، والتي تشهد تطويراً منظما لبناها التحتية ضمن استراتيجية ممنهجة.
وأضاف أن دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، تعمل على تحقيق خمسة أهداف رئيسة ضمن الاستراتيجية الثقافية، وتتمثل في، حماية تراث أبوظبي الثقافي واستدامته، وتعزيز الوعي بالتراث الثقافي والفنون وزيادة مشاركة المجتمع المحلي والزوار في أنشطتها، وتحفيز الإبداع باعتباره محركاً للتعليم والتغيير الاجتماعي، وبناء وتمكين الكوادر البشرية الوطنية في قطاع الثقافة في أبوظبي، وأخيراً، المساهمة في النمو والتنويع الاقتصادي.
ويندرج تحت هذه الأهداف الخمسة مشاريع ضخمة وآليات ستسهم في إضفاء المزيد من التنوع على المشهد الثقافي، بما في ذلك تمكين الأفراد من المساهمة والتفاعل مع المكونات الثقافية المتاحة، وفي نفس الوقت تقديم مبادرات خاصة تثرى المنظومة الثقافية العامة.
وتابع، من جهتنا نعمل على دعم المشهد الثقافي المحلى بمكونات عالمية وربطه بالمستحدثات الثقافية على المستوى الدولي، وذلك عبر الدبلوماسية الثقافية التي تخلق تأثيراً إيجابياً بعيد المدى على مختلف الأطراف، مع القدرة على بناء روابط عميقة بين الأمم والثقافات، مع توفير برامج لرفع الوعي الثقافي والذائقة الفنية ودعم المواهب.
وقال: «نحن نحتفل باليوم الوطني الـ48 لدولة الإمارات، نحتفي بمنجز ثقافي حضاري متكامل لشعب الإمارات، حيث أثمرت رؤية القيادة الرشيدة في الاستثمار برأس المال البشري عن نهضة ثقافية ترافقت مع النمو العمراني، فأصبحت دولة الإمارات مركز استقطاب اقتصادي واستثماري عالمي. ومع خطة التنويع الاقتصادي في الإمارة، نتطلع في المرحلة القادمة إلى تحقيق العديد من الخطوات الحاسمة والمهمة، والتي سنواصل من خلالها عملنا في التنمية الثقافية واستدامتها وتعزيز جهودنا في رصد وقياس التأثير الاجتماعي والاقتصادي لسياساتنا ومبادراتنا الثقافية».

بلال البدور: الآباء المؤسسون انحازوا إلى التعليم والثقافة
يقول بلال البدور، رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم: منذ أن قامت دولة الإمارات انحازت للثقافة، واعتبرتها العنصر الرئيس في بناء المجتمع؛ ذلك أن الآباء المؤسسين كانوا من المهتمين بالثقافة العامة، وحفظهم للتاريخ وأشعار العرب جعلهم يهتمون بالثقافة، ولذلك بدأوا بنشر التعليم الذي هو أساس البناء الثقافي، واعتماد البعثات التعليمية للخارج كما هو معروف. إن أي مشروع نهضوي لا بد أن يعتمد على معارف متنوعة لهذا ذهب أبناء الإمارات شرقاً وغرباً ليتعرفوا على الفكر الجديد والمعالم الحضارية المختلفة، ثم عادوا ليصبوا نتائج ذلك في التجربة الاتحادية. كذلك السماح باستضافة المفكرين والأدباء من خلال المواسم الثقافية التي نظمت، وكانت تلك المواسم فرصة لتلاقح الأفكار. وبدأت الدولة تضع أسس المشروع الثقافي من خلال تعزيز البنية التحية، وإطلاق المبادرات والبرامج المتنوعة. وليس بغريب أن نرى بعد هذا العمر المديد أن هناك متحفاً مثل متحف اللوفر أبوظبي ودار أوبرا في دبي والنافذة المتجددة من خلال معرض الكتاب، وكذلك المهرجانات الثقافية أوالفنية المتعددة والمتنوعة في السينما والمسرح والشعر. مما جعل للإمارات صورة ثقافية واضحة تضاهي المدن العالمية في عطائها الثقافي.

إبراهيم سعيد الظاهري: الثقافة عنصر فاعل في استراتيجية الإمارات
في حديثه عن تطور المشهد الثقافي في الإمارات منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971، أكد إبراهيم سعيد الظاهري، المدير العام السابق لدائرة الثقافة والإعلام في عجمان، أنه لا يغيب على ذي عقل ما تتمتع به الثقافة من أهمية في عالم متغير ومضطرب يمور بالأحداث والصراعات والأفكار، فقد أضحت الثقافة لاعباً مهماً، ومؤثراً، في القضايا السياسية والاقتصادية، بحكم كونها الأداة الناعمة، القادرة على ممارسة دور أساسي في حل وتخفيف حدة الصراعات الدائرة في العالم، من هنا نرى حرص القيادة السياسية في الإمارات، على إيلاء مشروعات هذا القطاع مكانة معتبرة في استراتيجيتها وخططها. ولذلك أولت القيادة الرشيدة، هذا القطاع الاهتمام الذي يستحقه، ونالت الثقافة حظها المعتبر كغيرها من القطاعات، حيث ضمت أول تشكيلة وزارية في الإمارات حقيبة للثقافة والإعلام، وشهدت الحركة الثقافية، انطلاقة قوية ودعما مميزا، شملت مختلف فروعها ومكوناتها، (مسرح، دراما، معارض، شعر، قصة، رواية، فنون وتشكيل، أفلام سينمائية، ندوات ولقاءات فكرية، وإصدارات.. إلخ).
وذكر الظاهري أن المشهد الثقافي في الإمارات، يتميز بتعدد للمؤسسات الراعية له، بين الحاضن الراعي، والممثل الرسمي له أي الجهة الاتحادية وهي الوزارة، والهيئات والدوائر المحلية، بدءا من المجمع الثقافي في أبوظبي ودائرتي الثقافة والإعلام في دبي والشارقة، ثم اكتمال العقد بإنشاء دائرة الثقافة في أبوظبي، وبقية الإمارات، مما ساهم في تطور الحراك الثقافي، وتعدد أنشطته وفعالياته.
ثم إن هناك جهات «ثقافية»خاصة لعبت دورا حيويا ونشطا، ومكملا لدور الوزارة، والدوائر، والجهات الحكومية، في إثراء المشهد الثقافي، وأعني بها مؤسسات كمؤسسة العويس الثقافية، وندوة الثقافة في دبي، ومركز جمعة الماجد الثقافي.
وأكد أن الفعل الثقافي الذي تبنته الجهات والمؤسسات، بين الاتحادي، والمحلي، والخاص، وارتباط هذا الفعل بأبعاد ومزايا عديدة، أضفت عليه تشويقا ورسوخا وتحسنا، قل أن توجد في بيئات أخرى، من خلال تواصل هذا الفعل مع الحراك العروبي والعالمي، وهو ما ساعد في تطور واتساع دائرة المشهد الثقافي، وذلك من خلال استقطاب الإمارات لكفاءات من دول عدة، استفاد منها المبدع الإماراتي، إضافة إلى البيئة الخصبة الممتدة عبر مراحل مختلفة قبل وبعد قيام الاتحاد، والتي امتازت بخصائص تكمل كل واحدة منها الأخرى، ومنحت المشهد الثقافي بعدا تنافسيا وتشاركا محمودا وإيجابيا، بين المنتمين لهذا المجال من أدباء وباحثين».
وأضاف الظاهري، مؤشر تنظيم «المعارض» كواحد من تلك الجوانب الثقافية، التي تبنتها الإستراتيجية الثقافية للإمارات، يوضح لنا مدى التطور النوعي، الذي شهدته مسألة تنظيم «المعارض» في الإمارات من خلال معرضي «أبوظبي الدولي للكتاب» و«الشارقة الدولي للكتاب»، ومما سبق يتضح لنا، مدى الرعاية والاهتمام، الذي أولته القيادة السياسية الرشيدة للقطاع الثقافي، منذ قيام دولة الإمارات، ومازالت توليه، إيمانا منها، بأهمية الفكر والإبداع باعتباره المؤشر الرئيس الذي يقاس به تقدم الأمم وريادتها، وهو السبيل الأبرز لمواجهة تحديات عصر التكنولوجيا والمعرفة.