المسلمون فتحوا خيبر وحصونها في حماية المقاتلين الشجعان
القاهرة (الاتحاد) - التنبؤ بفتح خيبر لم يكن بالأمر الميسور القريب النوال، فإن حصونها منيعة، وفيها عشرة آلاف من المقاتلين الشجعان، أي ما يساوي سبع مرات عدد المسلمين القادمين لفتحها، وبعد أن نقض اليهود العهد مع المسلمين في معركة الخندق وعاقبهم رسول الله في غزوة بني قريظة وتم طردهم خارج المدينة، اتجه أغلبهم إلى خيبر التي أصبحت المكان الرئيسي لانطلاق المكائد على المسلمين وإقامة الأحلاف العسكرية مع أعداء الإسلام.
مع أن علاقة يهود خيبر بالرسول لم تكن مباشرة كالقبائل اليهودية الأخرى، إلا أنهم لم يكفوا عن محاولتهم بالكيد للدولة الإسلامية، ومن أخطر المحاولات مؤامرة جمع القبائل العربية مثل قريش وغطفان لحرب المسلمين، فيما عرف بغزوة الأحزاب، وبذلوا المال واتفقوا مع قبائل غطفان على أن يدفعوا لهم نصف ثمار خيبر حتى يدفعوهم دفعاً لاستئصال المسلمين.
التخابر مع المنافقين
ورغم فشل الأحزاب في غزو المدينة، فإن يهود خيبر لم يكفوا عن محاولاتهم المضنية لإيذاء المسلمين، وقاموا بالتخابر مع المنافقين في المدينة حتى يدبروا مؤامرات كيدية، وهذا التاريخ الطويل من الكيد والمؤامرات كان يحتاج إلى وقفة من المسلمين، ولكن هذا لم يكن متيسراً في ذلك الوقت، لأن الرسول كان يخشى أن تباغت قريش المدينة، وحصون خيبر شديدة الحصانة والقوة، وأعداد اليهود كبيرة.
وتغيرت الأوضاع، وأمن الرسول جانب قريش، ووضعت الحرب بينهما مدة عشر سنوات، ووصلته الأخبار بأن يهود خيبر بدؤوا يكونون جبهة مناوئة للإسلام بالتعاون مع الأعراب.
وكانت خيبر مستعمرة يهودية تتضمن قلاعاً حصينة وقاعدة حربية لليهود، تجمع فيها كثير من يهود قينقاع وبني النضير الذين أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت آخر معقل من معاقل اليهود في جزيرة العرب، يضمرون الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين.
غزو خيبر
وفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من صلح الحديبية، وأراد أن يوقف طغيان اليهود، فاستنفر المسلمين لغزو خيبر في محرم من السنة السابعة، وجهز جيشا عدته ألف وستمائة مجاهد، فبعد الحديبية، روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما رجعنا من الحديبية فلما أتينا خيبر فأبصروا خميس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “يعني جيشه” أدبروا هاربين إلى الحصن، فقال الرسول: “خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين”، قال أنس فهزمهم الله.
قال أبو القاسم الأصبهاني، وفي هذا الحديث من دلالة النبوة أنه كان كما قال، خربت خيبر بعد نزوله صلى الله عليه وسلم بساحتهم.
قال ابن إسحاق خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر، انصرف من الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: ”وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه” يعني خيبر، وقال آخرون هو فتح مكة.
الراية
ونقل البيهقي عن سهل بن سعد أن رسول الله قال يوم خيبر: “لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله”، قال فبات الناس يسألون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها فقال صلى الله عليه وسلم: “أين علي بن أبي طالب”، فقالوا يشتكي عينيه، قال: “فأرسلوا إليه” فأتى به فبصق رسول الله في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي رضي الله عنه يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: “أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم”.
وكما أخبر النبي عن فتح خيبر فإنه تحدث عن جلاء اليهود منها، وقد وقع ذلك زمن خلافة عمر رضي الله عنه، فقد اعتدى بعض أهل خيبر على عبدالله بن عمر، فقام عمر خطيباً، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: “نقركم ما أقركم الله”، وإن عبدالله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً.
وقال ابن حجر، أشار صلى الله عليه وسلم إلى إخراجهم من خيبر، وكان ذلك من إخباره بالمغيبات قبل وقوعها.