الجبال العُمانية لوحات طبيعية ساحرة من أعماق التاريخ
تتنوع البيئة المعيشية للإنسان العماني بين الجبل والسهل والمزارع في ضفاف السواحل، وسعت حكومة سلطنة عمان لتهيئة كل الظروف التي يستطيع من خلالها الإنسان العماني أن يندمج مع الحياة التي حوله لاسيما التطور الحديث، وتغلب على البيئة العمانية مشاهد التضاريس الجبلية التي تجعل من مهمة وصول التنمية أمراً في غاية الصعوبة ولكن التحديات واختراق الصعاب هي أهم ماتقوم به الآلة الحديثة التي تساعد القائمين على التنمية في إيصالها للمواطن العماني.
تقول خبيرة الجيولوجيا والجغرافيا العمانية صفية علي : منذ سنوات قليلة كان الوصول إلى القرى الجبلية شاقا وعسيرا، أما اليوم فإن الطرق التي شقت على جانبي الجبال تتدرج في الارتفاع حتى تبلغ أعالي هذه القرى، حيث يستطيع المتجول بسيارته اليوم أن يستمتع بالمناظر الموجودة على الممرات الجبلية حيث الأخاديد والجروف شديدة الانحدار.
المروحية والدواب
وتضيف صفية علي: تتوزع القرى بين هذه المنحدرات الجبلية، وقد كان الوصول إليها يقتصر سابقا على الطائرة المروحية أو بواسطة الدواب أو مشيا على الأقدام، حتى سارت عجلة التنمية والتطور في عمان بصورة سريعة من بداية النهضة الحديثة شأنها في ذلك شأن بقية دول العالم، وقد ساهم هذا التطور الاجتماعي والمادي بدرجات متفاوتة في تغيير نسق العادات وطرق ممارستها ولكن حياة سكان الجبال في عمان تقوم على تقاليد وممارسات ضاربة في القدم في تاريخ عمان.
وتبقى هذه البيئة الجبلية محتفظة بجمالها وخصائصها مع سمات التغير والتنمية الشاملة والتقدم والتحديث التي تشهدها عمان في جميع مناطق السلطنة.
وتؤكد: جبال سلطنة عمان التي تشكل سلاسل جبلية صعبة ذات تاريخ جيولوجي طويل وما طرأ عليه من تغيير واختلاف على مدى العصور، اكتسبت طابعا خاصا بها حيث تمتد سلسلة جبال الحجر من أقصى شمال عمان حيث قمم جبال مسندم حتى رأس الحد بطول 700 كيلومتر، يتوسطها الجزء الرئيسي من الجبل الأخضر الذي يبلغ ارتفاع أعلى قمة فيه أكثر من 3 آلاف متر.
أشجار الخوخ والمشمش
وتشير: من القرى التي تقع بين الجبال والمشهورة هي قرية “وكان”، وتحتضنها سلسلة جبال الحجر الشرقي بسلطنة عمان وبارتفاع 1500 متر فوق سطح البحر، وتعد قرية جبلية حيث الأجواء الحارة صيفا ولكنها بأجواء دول البحر الأبيض المتوسط حيث تكون الأجواء معتدلة في الصيف وباردة في الشتاء، وتشتهر هذه القرية بزراعة بعض الفواكه التي يصعب زراعتها في مناخ دول الخليج كالمشمش والخوخ والرمان والعنب، وتبعد عن مسقط العامرة ما يقارب الـ 160كم وتحتاج لسيارة دفع رباعي لبلوغ القرية بسبب وعورة الطريق وشدة ارتفاعه.
والطريق إلى القرية يمتاز بالمناظر الجبلية الرائعة والتي يفضل تصويرها أوقات الشتاء بسبب صفاء الجو وعدم وجود الغبار الذي يحد من مجال الرؤية في هذه الفترة من السنة، وبعد الشتاء الشديد البرودة على سفح الجبل تنمو زهور أشجار الخوخ والمشمش فتشكل بذلك منظرا فريدا يدهش كل زائر، وتذكرك بأشجار الكرز اليابانية التي تكون مزهرة باللون الوردي، فالمشمش يكون زهره أبيض اللون وتفوح منه رائحة كالعسل، والخوخ تكون أزهاره وردية اللون وتكون ممتعة للبصر وتعطي إحساسا جميلا بالمكان . وما يميز هذا المكان كونه كواحة في تلك الأرض الجبلية القاسية. وهنالك ممرات جبلية عديدة تربط هذه القرية بالقرى الجبلية الأخرى، وهنالك ممر جبلي يعرفه أهل المنطقة بحيث يمكنك الوصول عن طريقه إلى الجبل الأخضر في المناطق الداخلية للسلطنة “ثلاث إلى أربع ساعات من المشي المتواصل وهو ممر معروف لدى هواة المشي الجبلي أيضاً”.
الحجر الغربي
وتضيف صفية علي خبيرة الجغرافيا والجيولوجيا: في محافظة مسندم ترتفع الجبال إلى 1800 متر فوق سطح البحر، وتكثر الأزقة البحرية التي تكتنفها الصخور والمداخل الملتوية، ويشبه العمانيون هذه السلسلة من الجبال بالعمود الفقري للإنسان، فيسمون المنطقة التي تقع على بحر عمان بالباطنة، والمنطقة التي تقع إلى الغرب من المرتفعات بالظاهرة، وهناك عدة وديان تقطع هذه السلسلة من الجبال أكبرها وادي سمائل الذي يصل بين مدينة مسقط على الساحل وبين ولايتي ازكي ونزوى في الداخل، لهذا يطلق العمانيون على المنطقة التي تقع فيها سلسلة الجبال إلى الغرب من ذلك الوادي منطقة الحجر الغربي، وفيها تقع منطقة الجبل الأخضر وولايات الرستاق ونخل والعوابي وغيرها.
«جبل شمس»
أما هلال الزيدي من قسم السياحة بكلية عمان للسياحة فيقول: المنطقة التي تقع فيها سلسلة الجبال إلى الشرق من وادي سمائل تسمى منطقة الحجر الشرقي، وفيها تقع ولايتا سمائل وبدبد وغيرهما. وأعلى منطقة في جبال الحجر هي “جبل شمس” في المنطقة الداخلية إذ يبلغ ارتفاعه 3 آلاف متر فوق سطح البحر، هذه الجبال رغم قساوتها تنبض بالحياة فعلى سفوحها هذه اعتمد السكان على الزراعة والرعي ونحتوا الجبال وأقاموا بيوتا من الحجارة وبالعزم والإبداع أقام السكان هنا لأنفسهم حياة خاصة في أكناف الجبال و تأقلموا مع هذه البيئة القاسية، فمن الارتفاعات الشاهقة للجبال تبدو القرى الجبلية بروعتها وهي تتدلى في الأسفل، ضاربة في القدم وقد اعتاد سكانها على الصبر و الجلد.
و يضيف هلال الزيدي: “إن ملامح الوجوه الجبلية المعبرة المشحونة بالحياة تتحدث عن الخبرات الإنسانية المتوارثة في جبال عمان، ومن واقع هذه المجتمعات، يمكن قياس مدى تأقلم سكان الجبال مع البيئة الطبيعية وتسخير مصادر هذه البيئة لصالحهم والتعايش معها.
واليوم يمكننا مشاهدة آثار حضارة تمتد لخمسة آلاف سنة في جبال عمان ومن الواضح أنها كانت حضارة نشطة بسبب تجارة النحاس المستخرجة من الجبال المحيطة.
ويضيف: كما تظهر براعة سكان الجبال القدامى في البناء والعمارة واضحة جلية في أبراج المدافن الدائرية التي شيدوها فوق وعلى حواف الجبال منذ الألف الثالثة قبل الميلاد.
ويدل أسلوب بناء هذه الأبراج على تقنية عالية تتمثل في انتظام رص الصخور حيث هذبت الصخور يدويا ونحتت باستخدام الأزاميل، ووفرت طريقة رص وتشابك الحجارة قوة كافية لتثبيت المبنى بأكمله. وبين هذه الجبال و الجروف الصخرية تبدو الحياة قاسية الملامح حادة المزاج إلا أن إرادة وتصميم سكان الجبال، وعلى أجيال متعاقبة، أدت إلى استغلال التربة الصالحة للزراعة على المنحدرات وإيجاد مجتمع زراعي مستقر يؤمن لسكانه الشروط الضرورية للحياة على هذه السفوح الجبلية.
ويوضح هلال الزيدي: تتجلى هذه الإرادة و المهارة في القرى والمزارع المنتشرة في أعالي الجبال والتي تنبض بالحياة وتجود رغم محدوديتها بزراعة الفواكه والخضار في لوحة بديعة من جمال الخضرة التي ينطقها اللون البني للجبال المحيطة.
وتمتد المزارع في القرى الجبلية لتغطي كل شبر صالح للزراعة و لا يزال السكان يحرصون على زراعتها بالمحاصيل الموسمية ومما يزيد من جمال القرى الجبلية الحركة اليومية لسكان الجبال وهم يباشرون أعمالهم بين الحقول الزراعية، فمن تقاسيم وجوههم تظهر عزيمتهم التي سخروها للحفاظ على هذه الأرض ومن همم نشاطهم نعايش اليوم أحد أجمل المدرجات التي خلدوها.
حصاد القمح
ويقول راشد أحمد من وزارة الزراعة: تعد زراعة وحصاد القمح من المواسم المرتبطة بالكثير من العادات المتوارثة التي يمكن مشاهدتها اليوم في القرى الجبلية، واعتدال درجة الحرارة وتوفر المياه من الخصائص التي ساعدت على تنوع المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة في المساحات القليلة المنتشرة بين الجبال، حيث يجتمع منظر الأصيل مع انحدار الشمس إلى مغربها ليرسم أبدع منظر يمكن مشاهدته في أعالي الجبال.
ويقول خبير الآثار محمد علي من جامعة السلطان قابوس: مع إشراقة الفجر في أفق الجبال يبدأ يوم جديد حتى إذا برزت الشمس من خدرها ومسحت جبين الطبيعة بأشعتها الذهبية دبت الحياة في الجبال، واليوم أصبح منظر مشاهدة الأطفال و هم ذاهبون إلى المدرسة في الجبال بكل شوق و براءة مألوفا، بعد أن فتحت الحكومة المدارس في هذه التجمعات السكانية من خلال سياسة نشر التعليم بين أبناء سكان الجبال بما يتلاءم مع واقع البيئة والمجتمع.
مراكز لمحو الأمية
ويضيف محمد: مع التعليم النظامي في الجبال تم افتتاح مراكز لمحو الأمية وتعليم الكبار، لمن فاتتهم فرصة التعليم خاصة النساء، حتى تشارك المرأة كأم و زوجة وربة بيت في مجتمعها المحلي و تتزود بالمعارف الضرورية و الخبرات المهنية. أما الأمطار فلها أهميتها البالغة لحياة سكان الجبال لأنها تسهم في تحسين نوعية حياة السكان، وتوفير مساحات من المراعي الطبيعية والشجيرات الرعوية النادرة لقطعان الماشية، ومن المألوف هنا أن يخرج الرعاة للرعي حتى ينتصف النهار وبعضهم يستمر حتى الغروب. هنا أي صوت يصدر عن قطعان الماشية تتلقفه الجبال ليتردد صداه عاليا في رحلة صعبة إلى منحدرات خطيرة بحثا عن العشب. وبعد أن شقت الحكومة الكثير من الطرق في القرى الجبلية أصبح الوصول إليها سهلا إلا أن الوسائل التقليدية في التنقل بين المنحدرات الشديدة لا تزال تعتمد على الدواب لإيصال المؤن إلى الأماكن التي يتعذر الوصول إليها بالسيارات.
عسل النحل وعبقرية العمارة
في القرى الجبلية “نحالون” يتمتعون بمهارة فائقة في رعاية خلايا النحل فقد عرفوا سلوك النحل و أساليب تربيته واستئناسه، ويعيش في جبال عمان نوعان من أنواع النحل الأربع الموجودة في العالم. حيث تطورت عبر القرون مهارات كبيرة لدى سكان الجبال في تربية نحل العسل.
فالسكان هنا يربون خلايا النحل في جذوع النخيل المجوفة التي تُسد بواباتها بألواح صخرية دائرية مستخدمين مزيجا من الرماد والطين لسد الفتحات، عدا فجوة في الأسفل تترك لدخول النحل وخروجه من الخلية، ويتم جمع العسل مرتين في السنة بعد إزهار أشجار السدر في بداية الشتاء وإزهار أشجار السمر في الصيف. وتنمو في البيئة الجبلية العديد من الأشجار والنباتات الطبيعية، حيث تكيفت هذه الشجار مع البيئة القاسية في الجبال عبر آلاف السنين، وأصبح بإمكانها أن تقاوم الجفاف وتمثل جزءًا من الأنظمة الحياتية الطبيعية التي مكنت الإنسان أن يعيش هنا لما توفره من الغذاء للحيوانات واستخدام أخشابها كوقود وفي بناء المنازل.
وأشجار الجبل تنمو في المناطق المرتفعة منها أشجار الزيتون البري الذي يعرف محليا بالعتم وهي أشجار دائمة الخضرة متوسطة الحجم ترعى الماعز على أوراقها وأغصانها الصغيرة . ويظهر التداخل والتناسق الجمالي في توزع و بناء المنازل الحجرية المطلة على منظر المدرجات الزراعية، مدى دقة وهندسة التصميم المعماري والجمع بينها. فالعمارة في هذه القرى تظهر بجلاء الأساليب والوسائل التي اتبعها سكان الجبال في الاستفادة من المصادر التي أتاحتها لهم البيئة الطبيعية من صخور الجبال وأخشاب الأشجار في البناء وتوظيف مهاراتهم و خيالهم الخصب في أشكال معمارية تتناغم مع بيئتهم الطبيعية. وأصبحت هذه العمارة بمثابة الذاكرة الحية لأسلوب العمارة في الجبال العمانية قبل أن تؤثر عليها المتغيرات العصرية الجديدة. لتبقى هذه الأبنية المعمارية بجدرانها السميكة المصنوعة من الحجارة والطين وتصبح عازلة لقيظ الصيف وبرد الشتاء، وكلها أنماط معمارية تمتاز بالبساطة الساحرة الضاربة في أعماق التاريخ والانسجام المتفرد مع البيئة.
المصدر: مسقط