انشغل فنان الخط العربي العراقي عوني النقاش بالحرف العربي بصرياً منذ سنواته الأولى التي لم تتعد الست، فأحس بحب الحرف يتملكه من خلال المشاهدة، وبدأ بحفظ القرآن الكريم، وتأخر فيه مقارنة بزملائه بسبب انشغاله بالتركيز على حروف خط النسخ في المصحف المخطوط بخط الخطاط محمد الأمين الرشدي، والتدقيق في كيفية كتابته، فكان السبب الرئيس لعشقه لحروف القرآن. مجدي عثمان (القاهرة) - بدأ فنان الخط العربي العراقي عوني النقاش مسار تعلمه الخط منذ عام 1980 معتمداً على كراسة الخطاط العراقي الشهير هاشم البغدادي، التي كانت الكراسة الوحيدة المشهورة لتعلم فن الخط في حينها، وكانت له طريقة خاصة في التعليم سميت بالمدرسة البغدادية نسبة إلى لقبه، وكانت أيضاً كراسة الخطاط التركي محمد عزت من أوائل الكراسات التي وقع عليها نظره، وكان عمره لا يتجاوز تسع سنوات، حيث كان عمه، الذي كان هاوياً للخط يمتلكها، وأصبح لعمه الدور الكبير في تشجيعه للمضي في طريق هذا الفن إلى الأمام وبقوة، ولطالما استوقفته لوحات الخطاط محمد أمين نيزان، الذي كان موسيقياً وعازفاً للناي. آثار الخطاطين ويقول النقاش، إن تعلمه الصحيح للقواعد كان في بداية التسعينيات، بعد أن وقعت عينه على آثار الخطاطين الأتراك أمثال محمد شوقي وسامي أفندي وعبدالعزيز الرفاعي وحامد الآمدي، فوجدها سلسة، وفيها جمالية وأكثر بساطة مما جذبه لتلك القواعد لرسم الحروف، من خلال الكراسات والمرقعات واللوحات التي لا تعد ولا تحصى لآثارهم، مؤكداً أن الاعتماد على الكراسة دون معلم طريقة صعبة جداً لتعلم الخط، فتحس بالإحباط حيناً، وبالحماس لمعرفة المزيد حيناً آخر، ولكن المطاولة وعشق الحرف هو الذي أدام العلاقة بينه وبين فن الخط ويوصي بالأخذ عن المعلم لاختزال الوقت. يعتبر النقاش أن لوحات جميع الخطاطين لا سيما العثمانيين، هي المسار الصحيح للخطاط لصقل حرفه على تلك الروحية الطيبة التي تصاحب اللوحة، ويفضل بشكل خاص كتابات الشيخ الأول حمد الله الأماسي ويعده معجزة عصره، ودليلاً على الطفرة النوعية في الكتابة، وطالما انبهر بكتاباته واختياره للنصوص الجاذبة في إنتاج اللوحة الخطية. رؤية اللوحات ويؤكد النقاش أن الخط فن راق له أنفاس وروحانية طاهرة، تظهر جلية في الكتابة، فالخطوط تختلف من خطاط لآخر لاختلاف الروحانيات، وهو ظاهر ومعلوم بين الخطاطين، ويستشعرها ذوو الاختصاص، ولا تخفى علينا عند رؤية اللوحات التي خطها المبدعون الأوائل، فتأسرنا أحياناً، وتبكينا عند ملاحظتها والتدقيق بها في أحيان أخرى، لأننا نرى الأنفاس الحقيقية مع سحبات القلم، وتموجات الخط، ولكننا حُرمنا منها في هذا العصر الذي لا يتوافق مع الصبر، فالكل يرغب الكتابة مثل سامي أفندي بسرعة البرق، علماً أن أساس الخط هو الصبر على التعلم، فالخطاط يحب أن يكون له تاريخ متدرج مع الخط ليصل إلى المستويات الراقية، وكل هذا لا يأتي إلا مع التمرين، والصبر عليه، فتباً للمنضدة الضوئية التي حرمتنا من تذوق الخطوط الجديدة التي لا نرى فيها حلاوة الحرف. ويوضح أن حروف الخط العربي منذ قرابة ستة قرون أو أكثر، قد استوفت قمة الجمال في كتابتها، ورغم ذلك من الممكن أن تكون هناك نهضة أخرى تضيف لتلك الجماليات، والكفيل بذلك هو الاهتمام المتزايد بهذا الفن، الذي يسميه بفن السلاطين. القلم والرسم ويدرس النقاش الخط عن طريق عرض كتاباته بشكل منتظم على الخطاط التركي فؤاد بشار، الذي يمده بملاحظات قيمة للرقي بخطه، موضحاً أنه من خلال الكتابة تظهر لنا الكثير من أسرار الحروف مثل «فركة» القلم والرسم والزاوية، وهي أمور لا تتم إلا من خلال أستاذ، وتبين له ذلك جلياً أثناء زيارته لتركيا وعرض خطوطه عليهم. ويقول إنه درس على الخطاط فؤاد الأرضرومي طيلة 15 عاماً، وأجازه شفهياً قبل سنتين، ويقوم الآن بكتابة لوحة الإجازة، والتي يحرص على ألا تكون تقليدية قدر الإمكان، مؤكداً الدور الكبير لأستاذه الأرضرومي في تطويره، ويعتز كثيراً لوصفه لروحية خطه بأنه يشبه خط المرحوم عارف البقال. تصاميم ويستعد النقاش حالياً لكتابة المصحف الشريف في حجم 50×70سم، الذي سبقه بكتابة عدد من الحليات، ويقول إنه عندما رأى الحلية وموضوعها وطريقة كتابتها لجميع الخطاطين الذين كانوا يتنافسون فيها، وجد أن الشيخ راقم والشيخ عبدالعزيز الرفاعي والخطاط التركي عبدالقادر قد غيروا من تصميمها وأضافوا عليها، مما دفعه لإعادة النظر والتفكير في تغيير شكل الحلية مرة أخرى، لما تمثله لدى المسلمين من صورة النبي الصادق محمد، صلى الله عليه وسلم، فكل مسلم يحب أن يرى النبي، وهذا الوصف يقرب صورته في مخيلة المسلم، وكأنه يرى النبي في هذا الوصف المبارك، فاهتم بتغيير تصميم شكل الحلية وإشراك الخطوط الأخرى، حتى صمم ما يقارب الـ 150 حلية مختلفة الأشكال والخطوط، ونالت إعجاب الكثير، موضحاً أنه وجد في هذا النوع من اللوحات حرية أكثر في استعمال الحروف وأنواع الخطوط والأحجام، ممـا زاد من اهتمامـه بالحليـة الشريفة. كما عمل جاهداً على إناطة أهمية كبيرة في وصف خُلق النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديثه الصحيحة، وأسماها بدل الحلية بـ «الشمائل المحمدية» على أمل أن يتجه بقية الخطاطين في نشر أخلاق المصطفى وسيرته وأحاديثه. بصمة في تاريخ الخط يجيد النقاش خطوط الثلث والنسخ والإجازة والديواني والديواني الجلي والرقعة، ويتمنى أن يترك بصمة في تاريخ الخط، ولو متواضعة، كي تكون صدقة جارية له، ويؤكد أنه ليس هناك خط مندثر، حيث حصل على ثلاث مكافآت من خلال المشاركة في مسابقة الخط في أرسيكا باستنبول في خط النسخ والإجازة والمحقق، فكل الخطوط لها أهميتها ولها اعتبارها وتُخط في اللوحات على الدوام، إلا أن خط الثلث وحده يعتبر هوية الخطاط، فالخطاط الذي لا يتقنه ينقصه نصف الخط بل أكثر.