عبير زيتون (دبي)

معرفة بالمستقبل، والتنبؤ بتحولاته خاصة مع الألفية الثالثة، تعتبر اليوم ضرورة ملحة من ضرورات التقدم، والتطوّر، والنهوض، التي لا يمكن الاستغناء عنها، فما تشهده البشرية اليوم من متغيرات كبرى متسارعة، تحتم على المجتمعات المعاصرة، وضع دراسات المستقبل في منزلة متقدمة عن سائر علوم المعرفة الإنسانية، كي نذهب إلى المستقبل بأدواته، قبل أن يأتي إلينا بشروطه.
شكلت هذه القناعة المعرفية نقطة انطلاق الباحث الإماراتي سليمان الكعبي المتخصص بالدراسات الاستشرافية المستقبلية، مؤسس والرئيس التنفيذي لمؤسسة استشراف المستقبل في أبوظبي، وهي مؤسسة عربية تتصدى بالشرح العلمي، والترتيب المنهجي، لمفاهيم وأدوات استشراف المستقبل، ناهيك عن تفرده بإنشاء أول موقع إلكتروني، يشرح لجيل الشباب مفهوم استشراف المستقبل، وتقنياته، بلغة ميسرة.

شغف
ويوضح الكعبي دوافع هذا الشغف الفردي باستشراف المستقبل لـ «الاتحاد» بالقول: إن حبي للاطلاع والمعرفة والقراءة، كان الدافع وراء تعمقي في البحث عن كل جديد، وخلال قراءاتي، أثار اهتمامي موضوع استشراف المستقبل، وبدأت بالتعمق فيه، وبأهميته العلمية لمواجهة التحديات، ووضع السيناريوهات المحتملة المبنية على وقائع ومعطيات وتقنيات محددة حول العديد من الموضوعات، وبالتالي وضع الخطط لمواجهة هذه التحديات. مؤكدا: أن استشراف المستقبل ليس تنجيماً وإنما علم يصوِّب بوصلة القادم.
وعن تعريفه لمفردة المستقبل، ومفهوم استشرافه يقول الكعبي: المستقبل هو الزمن الذي يأتي بعد الحاضر «ومنه المستقبل القريب، والمتوسط وبعيد المدى»، أما استشراف المستقبل «فهو اجتهاد علمي منظم لمعرفة ما قد يحدث في المستقبل البعيد، وتحديد التحديات المستقبلية، وكيفية التغلب عليها، واقتناص الفرص الإيجابية من خلال استخدام أدوات وتقنيات متعددة علمية وبحثية».

موسوعة
تجمع موسوعة (استشراف المستقبل) الصادرة عام 2016 بين جِدَّة البحث، والبساطة، وهي مقسمة إلى فصلين: الأول؛ يتضمن 386 مصطلحا علميا، يعالج بالشرح المبسط، أبرز المصطلحات المتداولة في دراسات الاستشراف الاستراتيجي للمستقبل، مدعومةً ببعض الأشكال، والمخططات التوضيحية التي تقرب المعنى أكثر لذهن القارئ، بينما يسلط الفصل الثاني (عالم المستقبل) الضوء على آفاق المستقبل البعيد، ليعطينا لمحة موجزة عمًّا سيكون عليه المستقبل، وحول دوافع تأليفه الموسوعي هذا أكد سليمان الكعبي: من أبرز التحديات الماثلة أمامنا في سبيل الترويج للبحوث والدراسات الاستشرافية في الوطن العربي، مسألة افتقادنا لمعجم يجمع أهم المصطلحات الخاصة بالاستشراف، مع تعاظم الحاجة إلى وجود مثل هكذا موسوعة في سبيل إثراء المكتبة العربية بعلوم الاستشراف، والترويج لثقافتها في الوطن العربي، وبث الشغف لدى القراء تجاه ميدان الاستشراف المستقبلي ومفاهيمه المختلفة، أملًا في توطين مناهج استشراف المستقبل في البيئة الثقافية والعلمية العربية في المرحلة القريبة القادمة، بما يعزز توجيه تفكير طلاب المدارس نحو التفكير الإيجابي، والسعادة تجاه المستقبل.

سيناريوهات
ويرى الكعبي ضرورة توسعة رقعة الثقافة المستقبلية في المناهج الدراسية، والجامعية، لأنها باتت ضرورة علمية ملحة تسلح الشعوب بالمعرفة التي هي المفتاح الوحيد للمستقبل، وأساس التقدم، ويتابع الكعبي: لا يمكن استشراف المستقبل إلا بالمعرفة السليمة، والاستفادة من دروس الماضي وفهم الحاضر، وهو ما يعطي المستشرف معلومات ومؤشرات تمكنه من توقع القادم، فعلم الاستشراف دراسة تعتمد على الدراية بالماضي، وتحليل الحاضر من أجل رسم سيناريوهات القادم.
وعن وجهة نظره لما وصلت إليه الإمارات اليوم في مجال دراسات المستقبل واستشرافه أكد الكعبي: الإمارات اليوم هي حاضنة، ووجهة عالمية لهذه العلوم، وقبلة للمستقبليين من شتى بقاع المعمورة، وهذا ليس كلامي، وإنما كلام الكثير من علماء استشراف المستقبل على مستوى العالم. مؤكدا أن الإمارات اليوم، مضرب مَثلٍ في استشرافها للمستقبل، ومعرفة تحدياته. واستخدامها المبكر لهذه العلوم ساهم بشكل كبير في حماية الإمارات، ومجتمعها من الكثير من الأزمات والإخفاقات العالمية، وتحقيق الرفاه والحياة الكريمة لأبنائها.