أبوظبي (الاتحاد) - دعا مشاركون في فعاليات المجالس الرمضانية التي ينظمها مكتب ثقافة احترام القانون بوزارة الداخلية، إلى خلق علاقة إيجابية بين الفرد والقانون، بحيث يقتنع من تلقاء نفسه بأن هذه القوانين التي تطبق عليه من قبل السلطة العليا لم تأت من فراغ؛ ولم توضع عبثاً، بل لغاية محددة وهدف معين جوهره حماية الأفراد وتحقيق العدل والمساواة في المجتمع. واعتبروا أن العادات والتقاليد تعد جزءاً مكملاً للقواعد القانونية، بحيث تعملان معاً على بناء النظام القانوني للدولة، منوهين بمسائل كثيرة لم يتحدث عنها القانون، لكنها تركت للتقاليد لتحكم فيها، فيما كان هناك الكثير من العادات التي قننت وأخذت شكل القاعدة القانونية التي يترتب على مخالفتها جزاء قانونياً، خصوصاً تلك العادات التي تتعلق بمصلحة المجتمع عامة. وأكدوا أهمية احترام منظومة القوانين، مشيرين إلى أن جهل معظم الأفراد بأحكام القانون قد يكون سبباً في عدم تمكنهم من احترامه. واختتمت مساء أمس الأول فعاليات المجالس الرمضانية التي ينظمها مكتب ثقافة احترام القانون بوزارة الداخلية على مستوى الدولة، حيث ناقش المجلس الأخير موضوع “دور المؤسسات الثقافية والتراثية في دعم ثقافة احترام القانون”. واشتمل الموضوع الرئيسي على 4 محاور، هي: ثقافة احترام القانون وأهميتها من الجانب الاجتماعي والديني والقانوني، فيما تناول المحور الثاني دور العادات والتقاليد في غرس ثقافة احترام القانون، وتناول المحور الثالث ثقافة التعايش في المجتمع الإماراتي، وركز الرابع على بعض الإضاءات القانونية. استضافات واستضاف خلف الحبتور المجلس الرمضاني الرابع في دبي، أداره الإعلامي الدكتور خليفة السويدي، كما استضاف عبدالله حامد الريامي المجلس القانوني الرمضاني في “الشارقة”، وأدار الحوار في المجلس الإعلامي محمد السويجي. وتحدث الدكتور إبراهيم المحرزي حول أهمية تكثيف الحملات اإعلامية في المجتمع، وأكد الواعظ صالح عبدالكريم أن القوانين التي وضعتها الدولة تنظم العلاقات الاجتماعية بأرقى معايير التسامح، وقال الدكتور عبدالله السويجي إن المجتمع الإماراتي مثال للتلاحم والترابط مع القيادة الرشيدة. كما استضاف سالم بن أحمد النعيمي المجلس الرمضاني في عجمان، وأدار الحوار في المجلس الدكتور علي سنجل، بمشاركة نسائية. واستضاف سيف حميد الغفلي المجلس الرمضاني في أم القيوين، وأدار الحوار في المجلس الإعلامي هيثم الحمادي. كما استضاف محمد بن عبدالله فارس، وكيل وزارة التربية والتعليم السابق المجلس الرمضاني في رأس الخيمة؛ وأدار الحوار في المجلس الإعلامي علي الشامسي، بحضور الدكتور نجيب الشامسي، المستشار الاقتصادي بالأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي الذي تحدث عن مسيرة الشيخ زايد. وتحدث عبدالله الشرهان عضو سابق بالمجلس الوطني عن مفهوم المبادرة الوطنية والابتعاد عن العنصرية، فيما أكد الواعظ الديني الشيخ عبدالله من أوقاف رأس الخيمة، دور الدين في حفظ العادات والتقاليد. محاور المجلس وتناول المحور الأول للمجلس ثقافة احترام القانون، ماهيته وأهميته من الجانب الاجتماعي والديني والقانوني، وعرّفه بأنه خلق ثقافة اجتماعية لدى جميع أفراد المجتمع بمختلف أعمارهم وفئاتهم وشرائحهم، بأهمية وضرورة احترام القوانين المكتوبة (التشريعات) وغير المكتوبة (الأعراف والقيم والعادات الإيجابية)، لما لهذه القوانين من دور أساسي ومهم في حمايتهم وحماية حقوقهم وأرواحهم وتأمين سلامتهم وحفظ حرياتهم، بحيث تتولد لدى الأفراد قناعة راسخة باحترام القانون من منطلق المبدأ الثابت القائم على الاقتناع؛ وليس من منطلق الخوف من العقوبة والجزاء القانوني. وأوضح أن مخالفة القوانين قد تشكل جريمة في بعض الأحيان، مثل جريمة القتل والسرقة، ويترتب عليها عقوبة حددها القانون، أما مخالفة العادات والتقاليد فلا تعدّ جريمة قانونية؛ بل مخالفة اجتماعية عقوبتها الاستنكار والازدراء من قبل المجتمع، إلا إذا كان هذا الخروج يمس الآداب العامة للمجتمع، وهنا يترك الأمر للقاضي لتحديد مدى مخالفة السلوك للعرف السائد ليعتبر السلوك مجرماً، وبالتالي يستحق العقوبة، وذلك حتى لا تنتهك الحريات الشخصية باسم القانون، كما لا تنتهك الأعراف والقوانين باسم الحرية الشخصية. اجتماعياً ومن الجانب الاجتماعي، أوضح أن الإنسان بطبعه اجتماعي لا يستطيع العيش أو تلبية متطلباته الحياتية لوحده؛ ما يستدعي العيش في مجتمع أو وسط جماعات، والعيش في مجتمع يستدعي قيام علاقات اجتماعية بين الأفراد، سواء أكانت علاقات اقتصادية أم اجتماعية أم أسرية، كما أن قيام هذه العلاقات يستدعي وجود رابط ينظمها ويحددها. ومن هنا نشأت فكرة الحقوق والالتزامات، فكل فرد في المجتمع له حقوق معينة كحقه في الحياة أو المساواة أو العمل أو الإبداع، وعليه التزامات باحترام حقوق الآخرين المماثلة لحقوقه؛ ويمارس كل ذلك في إطار محدد من الحرية، بحيث يحفظ حقوق وحريات الجميع دون تعدٍ أو تجاوز، حفظ هذه الحقوق استدعى وجود قانون يطبق على الجميع، يحفظ لكل شخص حقه ويمنعه من التعدي على حقوق الآخرين، وحتى نضمن تنفيذ هذا القانون الذي يحفظ الحقوق والحريات للجميع، كان لا بد من سلطة تنفذه على الجميع دون تفرقة وهي سلطة الدولة، وحتى تضمن الدولة حسن تطبيق القوانين على الجميع، كان لابد لها من فرض إلزامية القواعد القانونية التي تطبقها، ومن هنا ترتبت العقوبة والجزاء على كل من يخالف القانون؛ الذي وجد أصلاً لحماية الحقوق والحريات لكل فرد وليس لفرد واحد أو جماعة معينة، وعليه فإن الجزاء القانوني لم يوجد من أجل معاقبة الأفراد وقمعهم، بل وجد من أجل حفظ حقوق الأفراد. دينياً أما من الجانب الديني، فقد بيّن أن الأحكام في الشريعة الإسلامية تأتي من مصدرين هما القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن تشريع القوانين يضمن الخير للشعوب والناس؛ فالإسلام يدعو الحكام إلى وضع القوانين التي تنظم الحياة والمعاملات، بما يتوافق مع شكل العصر الذي تعيش فيه الأمم على أن تتفق هذه القوانين مع مصادر التشريع، القرآن والسنة، ما يؤدي لضبط إيقاع الحياة وتوفير الأمن والأمان للمجتمعات ويقودها للتطور؛ ومن الضروري احترام منظومة القوانين طالما أنها تهدف إلى حماية الحقوق والالتزام بالقوانين والأعراف في المجتمعات التي تدور في إطار حماية الدين والوطن والنفس والعرض والمال وحماية العقل، وتحمي الإنسان من نفسه في حالات الجرائم الأخلاقية، ولا بد من طاعة أولي الأمر والحكام الذين وضعوا القوانين التي من شأنها تحقيق التقدم والازدهار وحماية الحقوق وتحديد الواجبات بما ينص عليه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. قانونياً ومن الجانب القانوني، فقد تم التأكيد على ضرورة الثقافة القانونية، لكي لا يكون جهل معظم الأفراد بأحكام القانون سبباً في عدم تمكنهم من احترامه، حيث إن هناك قاعدة قانونية مستقرة في الفقه القانوني تقول: “لا عذر بالجهل بالقانون”، وهي تعني ما يلي: عندما يصدر القانون ومن ثم نشره في الصحيفة الرسمية يصبح نافذاً على كل شخص داخل حدود الدولة، ولا يجوز لأي شخص أن يحتج أو يتعذر بعدم معرفته بأحكام القانون، حيث ستطبق عليه العقوبة في حال مخالفته لأي حكم، لذا يجب خلق علاقة إيجابية بين الفرد والقانون بحيث يقتنع الفرد من تلقاء نفسه بأن هذه القوانين التي تطبق عليه من قبل السلطة العليا لم تأت من فراغ؛ ولم توضع عبثاً، بل وضعت لغاية محددة وهدف معين جوهره حماية الأفراد وتحقيق العدل والمساواة في المجتمع. كما تعني أن عملية وضع القوانين لا تتم اعتباطاً بل توضع وفق منهج علمي وإحصائيات مدروسة تسعى لتحقيق صالح الفرد والصالح العام، وأن هذه القوانين وإن حدت من حريته بنسبة معينة، فإنها تحقق له فائدة وحماية بنسبة أكبر؛ ومن ثم يقتنع بأن مصلحته ومصلحة كل من حوله تكمنان في احترام القانون وفي الدعوة إلى احترام القوانين. المحور الثاني وتناول المحور الثاني، دور العادات والتقاليد في غرس ثقافة احترام القانون (القانون والتقاليد.. علاقة تعارض أم تكامل)، حيث تعتبر العادات والتقاليد جزءاً مكملاً للقواعد القانونية المكتوبة، بحيث يعملان معاً على بناء النظام القانوني للدولة. ولفت هذا المحور إلى مسائل كثيرة لم يتحدث عنها القانون، لكنها تركت للتقاليد لتحكم فيها، كما أن هناك كثيراً من العادات قننت وأخذت شكل القاعدة القانونية التي يترتب على مخالفتها جزاء قانونياً، خصوصاً تلك العادات التي تتعلق بمصلحة المجتمع عامة. وضرب مثالاً بالكذب الذي لا يشكل جريمة قانونية إلا إذا تعلق بمصلحة عامة، فيما يشكل جريمة تسمى “شهادة الزور”، أمام القضاء. وتشكل العادات مصدراً مهماً من مصادر بناء الهوية الوطنية، وبما أن القانون يحفظ المجتمعات فإنه يحفظ هويتها بحفظ تقاليدها، لكن بما أن القانون يعمل على تطوير المجتمعات ومواجهة تحديات التغيير المستمر في المجتمعات؛ ففي كثير من الأحيان تصبح بعض العادات سلبية وقد تعارض القوانين الحديثة التي تعمل على تنمية المجتمع، فيصبح هنا من الأولى تطبيق القانون في مواجهة التقليد والعادة السلبية كالانتماء القبلي أو الواسطة أو رفض الأشخاص للانصياع للقوانين بحجة نفوذهم، فالتقاليد التي يجب أن نحافظ عليها هي التقاليد الإيجابية مثل احترام الآخرين واحترام الوالدين، وحب الأطفال والشهامة والكرم. أما إذا كان الفعل يشكل خروجاً على النظام العام والآداب فإنه يشكل جريمة، وتقدير مسألة الآداب العامة، لأنه مصطلح واسع، هو أمر متروك للقاضي يقدره حسب الظروف والملابسات، فمثلاً لا يجوز لشخص الخروج عارٍ إلى الشارع أو لبس ملابس فاضحة أو الرقص في الشوارع أو القيام بحركات منافية للآداب فهذا يشكل جريمة، ويشكل بعض الآباء قدوة سلبية لأبنائهم في اتباع العادات والتقاليد التي تشكل انتهاكاً للقانون، فهو يتفاخر أمام أبنائه بعدم التزامه بقوانين السير أو عدم انصياعه لأوامر رجال الشرطة، ويقول هذا من عاداتنا، ما يرسل رسالة بالغة السلبية للطفل في أن العادات والتقاليد فوق القانون. المحور الثالث تناول المحور الثالث ثقافة التعايش في المجتمع الإماراتي، حيث أشار إلى أن الإمارات أصبحت رمزاً عالمياً للاستقرار والتعايش المشترك، وقد أصبح ذلك عاملاً جاذباً لكل الجنسيات والثقافات من العالم للعيش في الدولة، حيث تزيد على 200 جنسية تنتمي إلى ثقافات وقوميات وديانات ولغات مختلفة. وقد أصبح هذا العامل مصدر قوة مميزة للمجتمع الإماراتي الذي أخذ صبغة المجتمع المتجانس ثقافياً، يخلق مناخاً تشترك فيه الثقافات المختلفة بحوار مثمر يعود بالنفع على الجميع، ويساعد على إقامة حس مجتمعي تكافلي بين أبنائه. وعليه فقد كفل القانون الحريات وضمن للثقافات الأخرى حرية التعبير عن معتقداتها ومضامين ثقافتها بكل أشكالها وممارسة شعائرها الدينية، وفي المقابل فرض عليها التزامات تتمثل في احترام القوانين والأعراف كافة الراسخة في الدولة، ليكون الجميع تحت مظلة القانون، يتمتعون بحقوقهم وحرياتهم وينفذون التزاماتهم دون أي إشكالات أو عراقيل.