تعانق مآذن 2785 مسجداً سماء إمارة أبوظبي، تغطي مختلف مناطق الإمارة، لتشكل لوحة إيمانية تكرس المبادئ السمحة للدين الإسلامي وتشع فكراً وسطياً يخدم المجتمع الإنساني ويظهر الوجه المشرق للدين الحنيف، إذ تتوزع بواقع 631 مسجداً في أبوظبي و1221 مسجداً في العين و933 مسجداً في المنطقة الغربية. ويعود تاريخ المساجد في أبوظبي إلى فترة طويلة، إلا أن التوثيق التاريخي لنشأة المساجد في الإمارة لم يبدأ إلا متأخراً، ومن هنا فإن العديد من المساجد وعلى الرغم من الشواهد الأثرية الدالة عليها لم توثق بالشكل المطلوب، ومن الثابت في مدينة العين وجود آثار للعديد من المساجد التي تعود إلى حقبات تاريخية متقدمة، ومنها المسجد العباسي والذي يعود للعصر العباسي ويقع في وسط مدينة العين، بالقرب من حرم الجامعة. كما يوجد في العين مسجد الجاهلي، والواقع إلى الجنوب الغربي من القلعة ويعود تاريخه إلى نهاية القرن التاسع عشر، وقد تمت إعادة ترميمه، وكذلك مسجد الشيخ أحمد بن هلال الظاهري والذي يعود تاريخه إلى وقت مبكر من القرن العشرين. ويعتبر المسجد المبني من الطين وتم ترميمه في قرية الخريس من أبرز مساجد العين، علاوة على مسجد المويجعي الواقع قرب قلعة المويجعي وهو مبني من الجبس والحجر، وتمت إعادة بنائه في التسعينيات ولكن التنقيبات الأثرية تدل على أن المسجد بني على مرحلتين تعود الأولى إلى عام 1909. ومن المساجد التاريخية في الإمارة، مسجد في جزيرة أبوظبي من المرجح إنشاؤه في عام 1760، وتعتبر مساجد جزيرة دلما الأكثر شهرة، نظراً لأعمال الترميم التي حافظت على مكوناتها حتى يومنا هذا، وتضم الجزيرة ثلاثة مساجد هي المريخي والدوسري والمهندي والتي يعود أقدمها إلى تاريخ 1931. وعلى امتداد السنوات، بقيت المساجد تلعب دوراً رئيسياً في حياة أبناء أبوظبي، وقد رسخ المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الدولة، هذا الأمر من خلال الاهتمام الكبير الذي أولاه للمساجد باعتبارها جزءاً أصيلاً من مكونات المجتمع، وقد وصف دورها، رحمه الله، بقاعدة الانطلاق حين قال “إن تعاليم ديننا الحنيف ومعرفة القرآن الكريم، هما قاعدة الانطلاق إلى العلوم الباقية، لأن القرآن الكريم يعطينا قواعد الكلام ووضوح المنطق ويضيء لنا طريق المستقبل”. صروح إسلامية وتتسع مساجد أبوظبي لنحو 800 ألف مصل، ويأتي جامع الشيخ زايد الكبير الذي تم افتتاحه في عام 2007 في مقدمتها، وبات صرحاً إسلامياً على صعيد المنطقة العربية، ومعلماً حضارياً يسهم في تعميق الثقافة الإسلامية وقيمها السمحة، وذلك برؤية من المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي أراد بناء المسجد ليكون مجمعاً دينياً وثقافياً مميزاً، ومنبراً لتعريف شعوب العالم بالدين الإسلامي الحنيف، وهذا ما يعززه التوافد الكبير للسياح من مختلف دول العالم لزيارة المسجد. ويعتبر جامع الشيخ زايد من المساجد الفريدة في العالم من الناحية المعمارية والإنشائية باختيار تصاميم نباتية تغطي واجهات المسجد كافة من الداخل والخارج، بالإضافة إلى أرضيات الصحن الخارجي، حيث إن هذا الاختيار يميز هذا المسجد ويسبغ عليه طرازاً فريداً لم يسبق أن استخدم من قبل في مثل هذه المباني، ويعد أكبر مسجد في العالم مساحة بعد الحرمين الشريفين، ويتسع لأكثر من 40 ألف مصل. وأراد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد من إنشاء الجامع إعادة الألق لدور المساجد بصفتها مراكز تعليمية وثقافية تقدم علومها لطلاب العلم كافة والباحثين عن المعلومة، ومن هنا جاء الاهتمام بمكتبة الجامع التي تضم مجموعة من الكتب النادرة النفيسة، بجانب ثلاثة آلاف عنوان تشمل مختلف المجالات، وبلغات عديدة تصل إلى اثنتي عشرة لغة، ويضاف إلى ذلك مركز جامع الشيخ زايد الذي تأسس في عام 2008 ليكون ملتقى رائداً لتعزيز التسامح والمحبة والتعايش بين الثقافات والحضارات، ويعمل على تحقيق رؤية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه- في ترقية الفهم المتبادل بين الثقافات. وإدراكاً لأهمية المساجد ودورها في تنشئة الأجيال وتماشياً مع التوجيهات السامية لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، ومتابعة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي، تعمل العديد من الجهات ذات العلاقة بالإشراف على المساجد وتطويرها، من حيث التصاميم المعمارية وجودة الخدمات في المرافق التابعة للمساجد. تطوير المساجد ولتوحيد الجهود وإيجاد جهة تعنى بتطوير مساجد الإمارة، تم في عام 2008 تشكيل لجنة تطوير المساجد لتقوم بمهمة الإشراف على مختلف جوانب إنشاء المساجد الجديدة وتطوير القائمة بما يحافظ على المكانة الدينية لها، وتتألف اللجنة من عدد من الجهات ذات العلاقة. وتعمل اللجنة على وضع استراتيجية كاملة لبناء المساجد الجديدة وتطوير المساجد الحالية عبر اختيار التصاميم الهندسية والأنماط المعمارية التي تجسد الطابع الديني لهذه المساجد والمرافق التابعة لها بالشكل الأمثل، وتعكس التطور والرقي الحضاري والعمراني لإمارة أبوظبي من خلال توفير أرقى الخدمات والمتطلبات لهذه المساجد. وقد قامت اللجنة بداية الشهر الحالي بإعداد لوائح تطوير المساجد والتي تضمنت دليل التخطيط الهادف إلى توفير معايير تخطيطية خاصة بكل نطاق عمراني، ومعايير التطوير الخاصة بالمساجد، ودليل التصميم المتضمن الاشتراطات والمعايير الخاصة بالتصاميم المعمارية، ودليل التشغيل الذي يشمل عمليات التشغيل والصيانة والتنظيف. وتهدف هذه اللوائح إلى تعزيز دور المساجد باعتبارها نواة للمجتمعات، وتشجيع الطراز المعماري المحلي، والإبداع والتنويع في التصميم، وتوفير بيئة مناسبة للمصلين، وضمان التوزيع الأمثل تخطيطياً لمواقع ومساحات المساجد، وبناء وتشغيل وصيانة المساجد وفقاً لأفضل المعايير الدولية. ولضمان النظافة الدائمة والصيانة المستمرة لبيوت الله، فقد تم تكليف شركة أبوظبي للخدمات العامة (مساندة) منذ عام 2009 بإدارة خدمات نظافة المساجد، بهدف تحسين مستوى الخدمة والارتقاء بمستواها لتبقى واحة إيمانية تقدم لمرتاديها السكينة والهدوء. الأئمة والمؤذنون ويقوم على خدمة مساجد أبوظبي عدد من الأئمة والمؤذنين والمشرفين المؤهلين وذوي الكفاءة، مهمتهم توفير الأجواء المناسبة للمصلين وإقامة الصلوات في مواعيدها، فضلاً عن دورهم في تقديم الإرشاد الديني للمصلين، وتضم العديد من المساجد مراكز لتحفيظ القرآن، منها 150 مركزاً دائماً موزعة على جميع مناطق إمارة أبوظبي، والعديد من المراكز التي تقام في العطل الصيفية وشهر رمضان والتي تشمل أغلب مساجد الإمارة، وذلك إيماناً من القائمين على الشؤون الدينية بأهمية تعليم القرآن ودوره في ترسيخ القيم والمبادئ السامية بين أفراد المجتمع. واستمراراً للجهود التي تبذلها الجهات المختصة في ترسيخ دور المساجد في نشر العلوم الشرعية، تستضيف مساجد الإمارة على مدار العام، خاصة في شهر رمضان المبارك، نخبة من أبرز العلماء والدعاة لإلقاء المحاضرات الدينية، حيث يتم توزيع المحاضرات على مختلف المساجد الكبرى بالإمارة لتغطي أكبر شريحة ممكنة من السكان.