الصوم خير ما يعين الفرد على التقوى، وذلك بين، لأننا نسعى في هذه الحياة ونكد ونجد ونجتهد ونلاقي المشاق والصعاب، ومطالب الإنسان متعددة، ولكن أقواها هي مطالب الغذاء لقمة العيش والتمتع بأطايب الحياة، ولها تأثير كبير على الإنسان، فالصوم بالدرجة الأولى هو قدرة في الإرادة وصرامة في الرقابة، تجعل الفرد لمدة زمنية حاكماً في غرائزه لا محكوماً بها، قائداً لذاته لا مقوداً لمطالبها، تمكن الفرد من مقود التسيير الذاتي، يؤمن للإنسان حرية الإرادة والعيش الهنيء. فالتقوى إذن قوة في النفس ومضاء في العزم وسمو بالقوة البشرية ولذا كان ركن الصوم الأول النية والقصد فلا يصح صوم رمضان إلا إذا نوى الصائم الصيام قبل طلوع الفجر، قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ". (أبو داود). ولأن الصوم الحق الذي شرعه الله تعالى عبادة وتقرباً لذاته، هو الصوم الذي يلتزم فيه المؤمن بالسلوك الصالح في صومه، وله شديد التعلق بتطهير الباطن، فإن الله تعالى عظم الله الأجر عليه، وجعله مما اختص تعالى بعلمه وأسنده لنفسه ولذاته وكرمه، قال صلى الله عليه وسلم: الصِّيَامُ جُنَّةٌ فلا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، (البخاري). فالصوم جنة، ومعنى جنة وقاية، أي حافظ ومانع للمؤمن الصائم يمنعه من إتباع شهواته، وقاية من الانحراف والهبوط إلى درك الرذيلة ليرقى بإنسانيته إلى أسمى درجاتها، فالصوم وقاية للصائم من لغو الحديث، ومن الوقوع في أعراض الناس، فالصائم الحق هو الذي يكون قلبه مستنيراً بنور الله شاعراً بأنه في عباد الله، مستحضراً للرقابة الإلهية فيما يقبل عليه ويتركه، فصيام جنة ووقاية وحفظ من كل هذه المفاسد. فالصائم ليس الذي يقبع كامل النهار في البيت أو يقضيه في النوم، ولكنه الذي يتعامل مع الناس وينتفع وينفع، ويعمل لغيره ويعمل غيره له، وهو في كل ذلك لا تصدر منه كلمة نابية ولا فحش في القول، وإن لقي في رحبة التعامل من يدافعه بالقوة ويبغي النيل من عرضه، فليقل له في اعتداد بصيامه وفي ثقة بربه مع خضوع له، إني صائم، أي لا يليق بي وأنا في عبادة ربي أن أنتهك حرماته، وأتطاول على خلقه، كما لا ينبغي لك أن تتهجم علي. ثم يتعرض الحديث للكرامة التي سيكرم الله بها الصائم الصالح، فإن رائحة فم الصائم لتنبعث مكرمة عند الله، أفضل من المسك الخالص، ثم إن الحسنة بعشر أمثالها، فالصوم إذا ما تقبله الله تعالى فإنه سيجزي عنه جزاء لا يعلم مقداره إلا هو، لذا قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، (البخاري).