دينا مصطفى (أبوظبي)
ربما تكون مدينة الفاتيكان صغيرة جداً، لكنها من أكثر البلدان تأثيراً من حيث الدين، فهي المركز الروحي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ومقر البابا، والكرسي الرسولي فيها يشير إلى السلطة العامة، والسلطة القضائية، والسيادة المخولة إلى البابا ومستشاريه لتوجيه الكنائس الرومانية الكاثوليكية في جميع أنحاء العالم.
ويحتفظ الكرسي الرسولي بعلاقات دبلوماسية رسمية مع 174 دولة، وحافظت 68 من هذه البلدان على بعثات دبلوماسية مقيمة دائمة، معتمدة على الكرسي الرسولي، وحافظ الكرسي الرسولي على 106 بعثات دبلوماسية دائمة لدول قومية حول العالم.
وتعتبر الفاتيكان مقاطعة في روما، وتقع على الضفة الغربية لنهر التيبر، يحيطها جدران تعود إلى القرون الوسطى وعصر النهضة، إلا في الجنوب الشرقي من ميدان القديس بطرس لمدينة الفاتيكان ستة مداخل، لا يسمح للعامة إلا باستخدام ثلاثة منها، وهي: مدخل ساحة البيازا، ومدخل قوس الجرس في واجهة كاتدرائية القديس بطرس، ومدخل متاحف، ومعارض الفاتيكان في الجدار الشمالي.
من أشهر بنيان هذه الدولة، بناء كاتدرائية القديس بطرس، الذي بني في القرن الرابع، وأعيد بناؤه في القرن الـ 16، وينتصب فوق قبر القديس بطرس، ويعتبر ثاني أكبر مبنى ديني في العالم المسيحي.
وتبلغ مساحة دولة الفاتيكان 0.44 كيلومتر مربع، ويبلغ ارتفاع جدرانها 3.2 كيلومتر، وبحسب دراسة أجريت عام 2017 يعيش 1000 شخص في الفاتيكان بينهم المتعلقون بالكنيسة، وضباط، وخدم الكنيسة، والكهنة، والراهبات، والحراس، بالإضافة إلى نحو 3000 عامل تابع للكنيسة يقيمون خارج أسوار الفاتيكان.
ولا يوجد ما يعرف بالجنسية الفاتيكانية، ولكن يتم منح حقوق المواطنة فيها لغير الإيطاليين، مثل أعضاء الحرس البابوي السويسري «الحرس الخاص بالبابا» الذين يحرسون بوابات المدينة، ويستطيع الكرسي الرسولي «الكرسي الباباوي» منح جوازات سفر لأغراض دبلوماسية، إلا أن هذه الجوازات لا تمنح صاحب الجواز الحق في الدخول، أو الإقامة، أو المواطنة، ويتحدث مواطنو دولة الفاتيكان اللغة الإيطالية، ويتحدث الحرس البابوي السويسري اللغة الألمانية، ولغات أخرى، أما الأعمال الرسمية للكرسي الرسولي، فتوثق باللاتينية سلطة الفاتيكان.
مركز العالم المسيحي الكاثوليكي
لدولة الفاتيكان أهمية خاصة، حيث تُعتبر مركز العالم المسيحي الكاثوليكي الروحاني، ومن هنا فإن عدد أتباعها يصل إلى قرابة المليار ومئة وخمسين ألف نسمة تقريباً، بالإضافة إلى ذلك فإن أهمية الفاتيكان تنبع من المتاحف والأرشيف التي تحتوي عليها؛ حيث تتضمن هذه المعالم الفاتيكانية على العديد من القطع الأثرية المهمة بالنسبة للإنسانية كلها.
الاستقلال
على الرغم من وجود الفاتيكان منذ القدم، إلا أنها لم تنل استقلالها الرسمي إلا في عام 1929، حيث تم توقيع عدة معاهدات بين كل من الحكومة الفاشية في ذلك الوقت وبين الكاردينال بيترو كاسباري، والذي ناب عن البابا بيوس الحادي عشر في توقيع تلك المعاهدات، وعرفت الاتفاقية التي تم فيها منح الفاتيكان الاستقلال الرسميّ باسم اتفاقية لاتران؛ كونها عُقدت في قصر لاتران.
حدائق الفاتيكان
تقع حدائق الفاتيكان إلى الجهة الشمالية الغربية من كاتدرائية القديس بطرس، ومن القصر الرسولي، وتمتد إلى الداخل من الأسوار التي بناها بولس الثالث لغايات حفظ المدينة، وحمايتها وتحصينها من أي اعتداء خارجي.
كاتدرائية القديس بطرس
وضع البابا يوليوس الثاني حجر الأساس لبناء الكاتدرائية بالشكل الحالي في17 أبريل 1509 بعد هدم الكنيسة السابقة المقامة فوق ضريح القديس بطرس والمسماة الكنيسة القسطنطينية تيمنًا بالإمبراطور قسطنطين الذي قام بتشييدها في القرن الثالث، حيث عهد الكرسي الرسولي أول الأمر إلى المهندس براماتني وضع مخططات الكاتدرائية الجديدة، غير أن وفاته عام 1514 حالت من دون متابعته العمل، فشكلت لجنة من ثلاثة مهندسين هم: رافائيل وسانفالو والراهب غيوكوندو دافيرونا لوضع مخططات جديدة كليًا للبناء، واتفق المهندسون على أن تبنى الكاتدرائية بشكل صليب ضخم، غير أن وفاة رافائيل عام1520 والاضطرابات السياسية التي بلغت ذروتها إبان نهب روما عام 1536 حالت من دون مباشرة العمل على الأرض بشكل مباشر، وتم البدء بتجهيز الأساس للبناء عام 1538، والانتهاء منه أواخر عام 1539.
واستغرقت الدراسات الهندسية لطريقة بناء القبة الضخمة زمنًا طويلاً، قبل أن يتم الاتفاق بين مختلف المهندسين على طريقة ملائمة لبناء القبة، ليبدأ العمل على تنفيذ التصاميم في 15 يوليو 1588 وانتهت بشكل كامل في 14 مايو 1590.
رواق الكاتدرائية وواجهتها الداخلية تمت مباشرة العمل ببنائهما في سبتمبر 1605، وانتهى العمل بشكل كامل في 22 نوفمبر 1614، أما الواجهة والدرج المؤدي إليها فقام ببنائهما المهندس كارلو ماديرنو بين عامي1607 و1614، الطابق الأرضي من الواجهة الخارجية للكنيسة تزينه أعمدة كورنثية وهو بكامله مصنوع من الرخام الأبيض، وقبالة الباب الرئيس هناك تمثالان للقديس بطرس وبولس، أما الطابق العلوي، فيسمى «طابق البركات»، وهو يحوي على شرفة يطل منها البابا للمرة الأولى لدى انتخابه، وهذا أصل التسمية وللكاتدرائية خمسة أبواب، لكل منها استعمال مختلف.
وافتتحت الكاتدرائية رسميًا في 18 نوفمبر عام 1626، وتبلغ مساحتها الإجمالية 15160 متراً مربعاً، أي نحو نصف مساحة الفاتيكان، وطول الكاتدرائية 186 متراً، وعرضها 211.5 متر ويبلغ ارتفاع القبة 133.5 متر، وتتسع لنحو أربعين ألف شخص.
يتعهد خدمة الكاتدرائية جمعية عمالية تأسست في القرن السادس عشر يربو عدد أعضائها على السبعين، وغالبًا ما يتوارثون مهنتهم ويدعون بالبطرسيين.
دولة باباوية في القرن الخامس للميلاد اتّخذ الباباوات الفاتيكان مكاناً للعيش بالقرب من كنيسة الفاتيكان الأولى، وفي القرن السّادس عشر للميلاد تم إنشاء العديد من المنازل المُخصّصة لسكن الباباوات، وكانت تتبع أراضي الفاتيكان للسّلطات الإيطالية، ومع مرور الوقت تمكن الباباوات من امتلاك العديد من الأراضي التابعة للفاتيكان، والتي شملت المباني والمُمتلكات الموجودة ضمنها، وظهرت في تلك الفترة الأفكار الأولى لإنشاء دولة بابويّة على أراضي الفاتيكان.