تعتبر قبيلة الرواشد من القبائل البدوية الكثيرة الترحال بين أجزاء متباعدة من شبه الجزيرة العربية، بحثاً عن الماء والأعشاب، وبالنسبة لرواشد الإمارات فقد سكنوا إمارة أبوظبي وتحديداً منطقة أم غافة في مدينة العين، حيث وفدوا منذ أربعة قرون حسب روايات أجدادهم من منطقة ليوا، وانتشر أفراد القبيلة في مناطق صاع، والسبابة، والفلي، والواديين، وكانت حياتهم مثل حياة أقرانهم من القبائل الأخرى في المنطقة، تغلب عليها الصعوبة والمعاناة، غير أن قلة من الرواشد امتلكوا مزارع للنخيل والمواشي، وكانوا أفضل حالاً من غيرهم، ومن أبناء القبيلة علي بن خميس بن علي الراشدي، الذي يروي ذكرياته عن المنطقة، والمجتمع الإماراتي في الزمن القديم. في منزله بمنطقة أم غافة، كان اللقاء مع علي بن خميس بن علي الراشدي الذي ولد عام 1963، أي قبل قيام الاتحاد بسنوات قلائل، حيث سكن مع أهله في السيابه ثم منطقة ملاقط، والتي كانت عبارة عن سيح أو وادي من الصخور والأتربة، يقول الراشدي عن هذا الجزء من الوطن: «إننا على بعد خطوات مشياً على الأقدام من سلطنة عمان، التي تقع خلف المنفذ الحدودي في منطقة مزيد، وكنا ولا نزال نذهب بشكل يومي أو شبه أسبوعي لبيع أو جلب مواد غذائية، وكان هذا حال الأجداد، حيث لم تكن الموارد متاحة والمال شحيحاً، ولم تكن هناك عملة خاصة في زمن أجدادنا، حيث تم تداول بعض العملات مثل الفرنسية ثم الروبية الهندية والدينار البحريني وريال قطر ودبي، ومعظم الشراء كان بالتبادل، ولذلك كان أفراد القبيلة كثيري الترحال من أجل تبادل تلك السلع. الغافة العملاقة ويوضح الراشدي، أن منطقة أم غافة أخذت هذا الاسم، بسبب وجود غافة عملاقة يلتقي تحتها رجال القبيلة عدة مرات يومياً، حين كانت المساكن من خيام الشعر، ثم تطور الحال بعد ذلك، لأن رجال القبيلة الأولين عملوا منذ القدم على تكوين اسم للقبيلة بين القبائل الأخرى، ووضعوا نظاماً قريباً من النظام السياسي في وقتنا هذا، والقرار كان يتخذ بالتشاور ويجب أن يكون في مصلحة القبيلة، ولا يمكن لأحد أن ينكر دور الأجداد أو الآباء، الذين عملوا على رفعة القبيلة وتماسكها، ومنهم سعيد بن سيف الراشدي وبخيت بن راشد الراشدي، وكان لهم دور كبير عندما عمت النهضة الإمارات، في متابعة تسجيل أفراد القبيلة واستلام المساعدات أو ما نسميه «الشرهة» وكان لسالم بن ضاعن الراشدي معرف القبيلة فضل كبير في هذه الفترة المهمة. ويورد الراشدي أن أهم ما يميز أهل منطقة أم غافة وهم الرواشد، أن لهم سمات البدو، خاصة أن البادية تعد مثل الحصن لنا، وتعلمنا منها القناعة والصبر على العمل والعناء، وأن نتسلح بالشجاعة، حيث لا يترك الرجل سلاحه أبدا، ليس فقط من أجل الدفاع عن النفس، ولكنه سلاح لإنقاذ نفسه من وحوش قد تصادفه خلال ترحاله، ولأجل الصيد إن طال به المسير وشعر بالجوع، وحين كان الرجال يرغبون بالسفر فإنهم يقطعون مسافة قدرها أسبوع على المطايا، ومثلها عند العودة من أجل شراء السلع، وحين كان الأهالي يرغبون في شراء الأسماك، فإن ناقة خاصة يجهز عليها رجل واحد يذهب بها مسيرة يوم ذهاباً وإياباً، بحيث لا يتوقف إلا للشراء وكون السمك يفسد بسرعة، ولم يكن هناك ثلج أو ثلاجات تحفظه. ويتابع الراشدي: «نحن مثل باقي أفراد القبيلة الذين لهم أهل و»حلال» في أماكن أخرى، وكان جدي يمتلك نخيلاً في منطقة محضة بعد مدينة دبي، قبل الوصول إلى منطقة حتا ومصفوت، وكان قد اشترى تلك المزرعة بـ «ناقة»، حيث كان سعر الناقة بنفس قيمة سعر شراء بناية هذه الأيام، وكان جدي من أغنى رجال القبيلة، ولهذا حين كان الناس يذهبون في قديم الزمان لشراء التمور، كان يجلب كميات تكفي وتزيد». تربية الإبل ويذكر الراشدي أن رجال المنطقة كانوا يعملون في تربية الإبل، ولا بد أن يخرج الرجل وراء الإبل ثم يجلب عليها الماء، ولا أنسى أن المنطقة كانت مليئة بآبار المياه العذبة، وحين كنت صغيرا عمل والدي على أن ينمي في حب الإبل والمسؤولية عنها، وفي الوقت ذاته كان يمنحني جزءاً من الوقت للعب، حيث كنا نصنع كرة من خيوط الشعر ونلعب «التبة». وكان الناس لا يأكلون كثيراً، رغم أنهم يعلمون طوال النهار، وهم في حركة دائمة منذ آذان الفجر وحتى موعد النوم بعد صلاة العشاء، فكل شيء كان علينا أن ننجزه بأنفسنا وبدون مساعدة من آلة أو جهاز، وكل ما نملك مجموعة من الأدوات البدائية البسيطة، وكان الطعام في الغالب، التمر مع القهوة في الصباح الباكر، ثم وقت الضحى يجتمع الرجال على لبن وهو حليب البوش أو مخيض اللبن، وجزء من السمن المصنوع من لبن البقر، وكنا نأكل نباتات تنمو بشكل فطري مثل الحماض، والسيداف، والأرطا، والدغابيس واليعضيد، وفي الغالب كلها تميل للمرارة. ويقول، إنه لم يدخل المدرسة حتى عام 1971 وذلك لأن المدرسة كانت بعيدة، ووسيلة النقل كانت سيارة لاند قديمة جداً من مخلفات الجيش، وتأخذ مسيرة ساعة وتزيد، ولهذا لم ألتحق بها حتى سجلت في مدرسة أم غافة، ووجدت لنفسي فيها أصدقاء لا زلت أتواصل مع بعضهم مثل حميد بن سعيد النيادي، ومع أبناء عمي، وأبناء أخي، وأبناء بني كعب، والنعيم، وقد بقيت منتظما بدون غياب حتى الصف الخامس الابتدائي، إلى أن تركت الدراسة. وفي سنة 1980 التحقت بمدرسة أبوعبيدة العسكرية في سويحان، ومعي زميل ورفيق عمري عبدالله الكعبي، وكانت الحياة صعبة حيث نقضي أسبوعاً بعيداً عن الأهل وحياة المراعي التي اعتدنا عليها، حيث الأراضي المفتوحة والحرية ومراقبة النباتات والحيوانات، وكن حب الطبيعة سمة لدى كل من عاش طفولته في أحضانها، ثم تركت المدرسة العسكرية، ومن أجل الاستفادة من الوقت، سجلت نفسي في المركز المسائي في مدرسة أم غافة، وعملت موظفا في القوات المسلحة، وكنت من الذين ساهموا و تطوعوا في قوات تحرير الكويت. أجمل المناطق يغوص الراشدي في أعماق ذكرياته بشكل أعمق، ويقول: «منذ الطفولة وحتى كبرنا كنا نعتبر منطقتنا من أجمل المناطق مع أنها لم يكن بها إلا القليل من الغاف والسمر، ولكن التفاف الأهل وإقبالهم على التجمع بشكل يومي مع بقية أفراد القبيلة، من خلال المهنة أو التزاور كان أمر يجعل المنطقة وكأنها واحة، ولم نكن نعرف الكهرباء، وحين كان يخيم الليل كانت تصبح مظلمة، إلا أن القمر كان يمنح ليالي رمضان عند البدو في القرى والمناطق النائية طعم خاص، حيث كنا نحن نحيي رمضان بالمجالس الرمضانية قبل أن نعرف النهضة والتمدن، إيماناً منا بأن التواصل هو أهم ما نعتمد عليه في حياتنا. ويلفت الراشدي إلى أن الكثير من الرجال والشباب، كبروا على الاهتمام بالحلال من الإبل، لأنها تدر عليهم الكثير من الفوائد، وفي شهر رمضان عندما يكون الوقت باكراً في الصباح أو بعد صلاة العصر، يخرج الرجال لمتابعة حالة العزب للوقوف على حالة الحلال، سواء تلك التي تربى لأجل الإنجاب أو تلك التي تدر اللبن، وهناك الصنف الذي يربى لأجل المشاركة في المنافسات، ورغم أن الأجداد في الماضي لم يكونوا يعرفون السباقات الضخمة ذات الجوائز الكبيرة. وفي الزمن الحالي يخرج كبار السن من المنطقة، والأجيال الجديدة، جماعات أو فرادى في المركبات ذات الدفع الرباعي وسط الكثبان الرملية، حيث يطيب للأب أو الجد اصطحاب شباب الأسرة، ليعتادوا منذ الصغر على الاهتمام بالأصايل، وفي ذات الوقت يحظى الجميع بصحبة بعضهم في أجواء بدوية خالصة. على ظهور المطايا لا يزال الراشدي يتذكر رمضان قديما حين كان طفل، ويتذكر أنهم كانوا يسافرون لأيام على ظهور المطايا كي يشتري الجميع «الراشن» أو المواد الغذائية، ويخبرنا عن ذلك قائلاً، إن أهم المشتريات الأرز والسكر والقهوة والقمح، كما يشتري الرجال الأقمشة أو غير ذلك من البهارات، والعطور الزيتية الأساسية، ومن كان فقيراً أو محتاجاً فإن صلة القربى والجوار يكفيانه عن الحاجة، ولا يشعر أحد أنه محتاج، لأن الجار يعرف أحوال جيرانه، ويشاركهم ما لديه، والحمدلله في بداية السبعينات عم الخير على الجميع، وعاش الناس في نعمة خاصة، بعد قيام المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد، بجولة له في منتصف السبعينات، وأمر أن يتم توصيل مولدات كهربائية في منطقة السبابة، ثم إقامة الشعبيات في أم غافة، غير أن كل ذلك لم يغيرنا إلا للأفضل ولم يزدنا إلا تواضعاً وحباً للآخرين. تحصيل الأجر والثواب «إنه في كل عام يمضى رمضان سريعاً ونحاول اغتنامه في تحصيل أجر وثواب الصلوات وقراءة القرآن، ومن أجمل العادات المرتبطة بشهر رمضان الفرح باستقبال الشهر وترقب هلاله، وتهيئة المساجد والمصليات والتهنئة بحلوله ووصوله، والحرص على صلة الأرحام وتبادل الزيارات وكثرة المصلين والعابدين الذين يملأون المساجد، وغير ذلك مما اعتاده الناس في رمضان، وربما نرى صورا واضحة لمختلف العادات الرائعة التي لا يزال أهل المنطقة متمسكون بها، وهي إنه حتى اليوم لا تزال بيوتهم مفتوحة أمام الجميع في أي وقت». البيوت العامرة «من خلال البيوت العامرة باللقاءات الشبه يومية، بين أفراد الأسرة، وبين الأجيال المختلفة الأعمار، وبين الأنساب والأصهار، تبرز صور الترابط الاجتماعي و التواصل بين الأجيال المختلفة في الأسرة الواحدة، كون حب الأرض والمكان لم يكن ينمو إلا من خلال التجمع وتبادل الأحاديث، وتقديم النصيحة والحث على حب الوطن، حيث أصبحت تلك اللقاءات سواء في رمضان أو من خلال مجلس رمضاني، الموعد الذي ينتظره الناس بحب وشوق، فنحن ننشغل ولكن مواقيت الصلاة تنظم لنا حياتنا، وبعد الصلاة تجمعنا تلك المجالس، وتبقى بين كل البيوت مجالس لأكابر القوم، وهي مفتوحا للأبناء و الجيران، وليس لها موعد ينتظره أحد كي يذهب، ولكنها ترحب بالقادم في أي وقت، فيلتقي الجميع في ظل رحمة وتواصل رائع يمنحهم الشعور بالرضى».