قالها للصحفي بالفم المليان وبشيء من الغضب: ''أنا أستطيع الآن، وفي هذه اللحظة أن أبيع البقدونس بسعر 100 درهم للكيلوجرام وأتحدى أن يقدر أي شخص منعي من ذلك··'' وأنا أقول: ''نعم''، هو يستطيع ذلك، بل يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك ما دام هو ومن هم على شاكلته، يتحكمون في أقواتنا وأرزاقنا ويتصرفون فيما نأكل ونشرب، وما دامت الجهات الرسمية قد تركت ''الخيط والمخيط'' لهذه الأشكال لتعبث بالأسواق وتعيث فيها فسادا·· فهو هامور من هوامير سوق الخضار والفواكه، يتحكم في حركة أي برّاد يصل إلى أبوظبي عن طريق البر، يعرف من أين تحركت البرّادات، وأي طريق سلكت، ومن الذي يقودها، وأين ستتوقف، وما الذي بداخلها، الكمية والنوع·· وله الحق في وضع أية تسعيرة على المواد الغذائية، ضاربا عرض الحائط بكل القيم والأخلاقيات الإنسانية، وبكل قوانين ومبادئ الاقتصاد الحر· القانون في جيبه، والذين يصرخون من المسؤولين سواء في وزارة الاقتصاد أو البلديات أو غرف التجارة أو الجمعيات التعاونية بأنهم قادرون على كبح جماح المحتكرين، هم أيضا في جيبه، لأنه يعلم أنه الآمر الناهي في سوق الخضار والفواكه، وأن من سواه لا يقدر على إيقافه عن الاحتكار والتحكم·· هو أخطبوط مخيف، ووحش مرعب، وذئب مفترس، وثعبان من نوع ''الأناكوندا'' التي تبلع الأخضر واليابس·· يمشي الخيلاء لأنه يشعر بأنه فوق الجميع وفوق أي قرار أو تعليمات أو لجنة من وزارة الاقتصاد أو حتى فوق القانون ذاته، فيعبث بالأسعار كيفما يشاء·· هو الوحيد الذي له الحق في تحميل البرّادات بالخضار والفواكه من بلاد الشام، وهو الوحيد يتحكم في تنزيل البضاعة منها، وهو الوحيد الذي يتحكم في توزيع الخضار والفواكه على تجار السوق الصغار، وهو الوحيد الذي يحدد سعر الصندوق والكيلو والحبة ويا ويل من يتجاوز السعر الذي يحدده·· أخطبوط السوق قادر على قطع خطوط التموين عنا، وقادر على حرماننا من الفواكه والخضراوات·· كيف لا وهو الذي باع كيلو البقدونس مع بداية رمضان بأربعين درهما؟·· كيف لا وهو الذي رفع سعر صندوق الطماطم والبطاط 300% دون أن يردعه أحد؟·· كيف لا وهو الذي أخفى البضائع في برّاداته في السوق لأكثر من أسبوعين لكي يقطع دابر من يجرؤ على تزويد السوق بأي نوع من الخضار والفواكه دون علمه؟·· عندما يترك مصير مجتمع بأكمله بين يدي تاجر واحد أو مورد واحد، يتحول هذا الشخص إلى مارد جبار، وإلى اخطبوط يلف أذرعته حول أعناقنا ليخنق من يقف في طريقه·· هذا هو الاحتكار، وهذا هدم لأهم مبادئ اقتصاد السوق لمن لا يعرف ما الذي تعنيه سياسة السوق المفتوحة··