من الطبيعي أن يتأثر الإنسان بمن حوله وبما حوله من أشخاص وأحداث وأشياء. والإنسان المتوازن يتأثر ويؤثر. وهذا يعني أن التقليد يمكن أن يكون طبيعياً، فالفرد الموجود داخل بيئة معينة سيتأثر بأفكارها وسلوكها وطريقة تفكيرها ولباسها وبما هو سائد فيها، وهذا يعد من طرق التكيف الاجتماعي الناجح، ونجد أن الأطفال أكثر تأثراً بمن حولهم وأكثر تقليداً للمحيطين بهم؛ لأنهم لا يملكون المعلومات والخبرات الكافية، ولم يبلغوا مرحلة النضج العقلي، وسنجد أنهم بمجرد ما يشبون ويستقلون بشخصياتهم يصبحون أقل تأثراً وتقليداً. يمكننا أن نقسم التقليد إلى قسمين: تقليد إيجابي ويمكن أن يشكل دافعاً للجد والتحصيل واكتساب المهارات والقدرات. فصاحبه يتحرر من تقليد القوالب الجامدة إلى تقليد الفعل المميز. وفي ذلك دفع إيجابي وطبيعي ومطلوب. والإنسان يسعى للأفضل والأحسن دائماً. ويدخل في هذا القسم، التقليد في الأحكام الشرعية وهذا خاص بالعامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، ويعجز عن معرفتها، ولا يمكنه فهم أدلتها، فيرجع إلى فتوى المجتهد الجامع للشرائط والعمل برأيه في جميع مسائل الأحكام الخمسة، وهي: الواجب والحرام والمستحب والمكروه والمباح. ثم تقليد سلبي: وهو تقليد مرضي، يكون فيه المقلد شديد التأثر بالآخرين، فيقلدهم في الملبس والشكل والهيئة وطريقة الكلام، وفي المسكن والمشتريات وغير ذلك دون أن يكون في ذلك مصلحة حقيقية أو نفع أو ملاءمة لشخصية الإنسان وظروفه الخاصة ومثل ذلك تقليد نجوم السينما أوالتلفزيون. حيث تبذل الفتاة أو الفتى جهداً كبيراً في التقليد من حيث المظاهر لتصبح شبيهة “بالبطلة أو البطل”، ودون الوصول إلى المضمون الإيجابي والمفيد لتلك الشخصية لأنها تفتقد ذلك أصلاً. تقاليع مثال ثانٍ على ذلك هو الموضات العجيبة في الملابس التي يتبعها شبابنا مثل اللباس غير المألوف، فترى بعض الشباب يلبسونها وهم لا يعرفون أن الأضرار الخفية لهذه الموضة، وقد حذر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: “لا تكُونُوا إمَّعةً تقولُونَ: إنْ أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا وإنْ ظلمُوا ظلمْنَا، ولكِنْ وطِّنُوا أنفسكم إن أحسنَ النَّاسُ أنْ تُحسِنُوا وإنْ أساءُوا فلا تظلِمُوا” رواه الترمذي وحسنه. فلابد أن يخرج المؤمن من طوق الإمعة إلى التميز بالشخصية، والتميز بطريقة التفكير الخلاقة فيكون بذلك مؤثراً إيجابياً في مجتمعه لا مجرد تابع لان الله تعالى ميزه بالعقل وبالوحي، فالمقلد الأعمى عطل عقله وأصبح تابعاً بلا برهان وتحضرني قصة القردة التي أحضرها مجموعة من العلماء وضعوا 5 منها في قفص واحد. وفي وسط القفص وضعوا سلم ووضعوا أعلاه بعض الموز، في كل مرة يتسلق أحد القردة لأخذ الموز يرش العلماء بقية القرود بالماء البارد وكان هذا يصيبهم بالخوف الشديد والانزعاج. بعد فترة بسيطة أصبح كلما تسلق احدهم لأخذ الموز، يقوم الباقون بمنعه وضربه حتى لا يُرشون بالماء البارد، بعد فترة من الزمن لم يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز بالرغم من كل الإغراءات خوفاً من الضرب. بعدها قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القردة الخمسة ويضعوا مكانه قرداً جديداً. فكان أول ما قام به القرد الجديد أنه صعد السلم ليأخذ الموز، لكن لم تسنح له الفرصة فقد قامت القردة من فورها بضربه وأجبرته على النزول، بعد عدة مرات من الضرب فهم القرد الجديد بأن عليه أن لا يصعد السلم مع أنه لا يدري ما السبب! قام العلماء أيضاً بتبديل قرد ثانٍ من المجموعة بقرد جديد، وحل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملائه بالضرب وهو لا يدري لماذا يضرب! وهكذا حتى تم تبديل جميع القردة الخمس الأوائل بقردة جديدة، حتى صار في القفص خمسة قردة لم يرش عليهم ماء بارد أبداً، ومع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلم بدون أن يعرفوا ما السبب، لو فرضاً.. سألنا القردة لماذا يضربون القرد الذي يصعد السلم؟ سيكون الجواب يقينا بلا ندري، ولكن وجدنا آباءنا وأجدادنا له ضاربين. الإمعة المقلد عادة أو “الإمعة” بالمصطلح النبوي إنسان عطل العقل الذي كرمه به الله تعالى، لا رأي له؛ فهو يتابع كل أحد على رأيه ولا يثبت على شيء، ضعيف العزم، كثير التردد، قلبه محضن للدخل والرِّيَب، تجدونه: يومًا يمانيًا إذا ما لاقى ذا يمن وإن يلاقي معدِّيًا فعدناني ولقد أشار ابن مسعود رضي الله عنه إلى مثل هذا الصنف في زمن حينما ظهرت الفتن، فقال: كنا في الجاهلية نعد الإمعة الذي يتبع الناس إلى طعام من غير أن يُدعَى، وإن الإمعة فيكم اليوم المُحقِمُ الناس دينه. أي الذي يقلد دينه لكل أحد، وقال أيضاً: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن وإن كفر كفر؛ فإنه لا أسوة في البشر. لابد للإنسان إذا أراد أن يخرج من دائرة التبعية والتقليد والإمعة من أن يبحث عن ذاته وأن يفهمها ويطورها ويغنيها بما يناسبها من خلال الجد والكفاح والطموح والتحصيل في كافة المجالات المفيدة والبناءة. د. رضية الوصيف صفات «الإمعة» «الإمعة» هو صاحب شخصية تشكو من النقص وعدم الثقة بذاتها، ولا يمكنها أن تحقق ذاتها وأن ترضى عنها من خلال أعمالها العادية وسلوكها واستقلاليتها وإنتاجيتها. ولهذا فهي تبحث عن سد النقص بالتقليد الأعمى. وهو شخصية قلقة وغير مستقرة وتبحث عن ذاتها من خلال الآخرين فقط. كما أنها شخصية عاجزة عن سبر أغوار نفسها لتكتشف مواقع القوة والضعف بل تهرب إلى التفكير السطحي والإطراء من الآخرين.