محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)

يشكّل تاريخ 18 ديسمبر من كل عام لحظة فارقة في حياة الناطقين بلغة الضاد الذين يزيد عددهم على 422 مليون نسمة حول العالم، فقد كرّسته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوماً عالمياً للاحتفاء باللغة العربية، وأقرت بموجبه إدخال العربية - أقدم اللغات السّامية - ضمن اللغات الرّسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة، ويرمي اليوم العالمي للغة العربية إلى إبراز الإسهام المعرفي والفكري والعلمي لهذه اللغة وأعلامها، في مختلف مناحي المعرفة البشرية عبر التّاريخ، فالحضارة العربية الإسلامية لها إسهامات مشهودة في مختلف مناحي العلوم والمعرفة والآداب والفنون والعمارة، ويعود إليها الفضل الأكبر في النّهضة الأوروبية، أما أهمية هذه المناسبة فلا تتأتى من كونها اعترافاً واحتراماً للغة الضاد فقط، وإنما لتوقظ فينا ذلك الحنين إلى لغتنا يوم أن كانت لسان حال أبنائها، وذلك الهاجس حول ما تواجهه من حروب وهجمات فكرية ممنهجة من جانب رعاة عولمة الثقافة، بقصد تهميشها وإزاحتها عن دورها الحقيقي في المواجهة وتأكيد الهوية والذات والشخصية العربية الإسلامية.
إزاء هذه القضية وما يتصل بها من إشكاليات، يأتي اهتمام القيادة الحكيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ووعيها بأن اللغة العربية حائط صدّ أمام التأثيرات الثقافية الطارئة على المجتمع، ومن ذلك ما أكّده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في مناسبات عدّة: «اللغة العربية هي قلب الهوية الوطنية ودرعها، وروح الأمة، وعنصر أصالتها، ووعاء فكرها وتراثها».
وقد شكّلت رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، جوهر المبادرات والجهود الحثيثة التي تبذلها الإمارات منذ فترة طويلة للحفاظ على اللغة العربية، وجعلها في المكانة التي تليق بها بين اللغات القادرة على التطور ومواكبة موجات التحديث العالمية، ويبرز ذلك في عديد المظاهر والمبادرات والمشاريع الثقافية، على نحو المبادرة التي قامت بها الدولة قبل سنوات بإطلاق «برنامج المحافظة على اللغة العربية»، فقد توّج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» تلك المبادرة بتقديم جائزة باسمه للمجتمعات التي تحافظ على تراثها اللغوي من الاندثار أو التهميش، حيث تتعرض العديد من اللغات الضعيفة اليوم إلى التآكل والإهمال، مثل الاسكتلندية القديمة ولغة هايدا في كندا وسؤامي في السويد وكاندوسوم في ماليزيا وشار دار في الهند، وغيرها من اللغات التي تتضمن معاني ومفاهيم ثرية وإنسانية عميقة.
وعلى هذا النّهج أخذت كافة المؤسسات ذات الصلة، مهمة قيادة الجهود والمبادرات المخلصة، من أجل المحافظة على اللغة والهوية العربية والنهوض الحقيقي بها على مختلف المستويات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، وتكريس مكانتها في المجتمع الإماراتي، وعلى النطاق العالمي.

ميثاق
يمثل مشروع «ميثاق اللغة العربية» الذي أعلن في أبريل عام 2012، من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي «رعاه الله»، نقلة نوعية ونقطة انطلاق رئيسة للجهود الإماراتية في صون وحماية اللغة العربية، وتعزيز مكانتها ودورها في حياة المجتمع، وجاء ليكون مرجعاً لجميع السياسات والقوانين المتعلقة بحماية اللغة العربية، وتعزيز استخدامها في الحياة العامة، ومن أهم مخرجاته إنشاء «المجلس الاستشاري للغة العربية» الذي أوكلت إليه مهمة رعاية ودعم الجهود الرّامية لتطبيق مبادئ وتوصيات «ميثاق اللغة العربية»، وتحت مظلته رصدت مظاهر نوعية في مجالات إحياء اللغة العربية كلغة للعلم والمعرفة والبحث العلمي، وتنظيم المسابقات المدرسية في مجالات الكتابة والقراءة والشعر والخط العربي، إلى تأسيس معهد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وصولاً إلى استضافة الإمارات لمؤتمر اللغة العربية الدولي سنوياً لمناقشة مئات الأبحاث العلمية في مجال اللغة العربية، ثم إطلاق «جائزة محمد بن راشد للغة العربية» عام 2014، والتي تهدف إلى تشجيع الإسهامات الاستثنائية في اللغة العربية، وتكريم روادها، وإبراز التجارب الناجحة والمتميزة في نشرها وتعليمها، كما تعد الجائزة مسباراً عظيماً ينطلق إلى فضاء اللغة العربية، لينجز ما يشغل الفكر العربي في كل بقاع الأرض، فضلاً عن إطلاق معجم محمد بن راشد للغة العربية المعاصرة، بما يشكله من أهمية كبيرة للطلبة والدارسين والمدرسين والباحثين، إلى مبادرة «تحدي القراءة العربي»، وهو أكبر مشروع لتشجيع القراءة لدى الطلاب في الوطن العربي، ولا تفوتنا الإشارة إلى مؤتمر دبي للترجمة السنوي الذي تنظمه مؤسسة الإمارات للآداب، بالشراكة مع المجلس التنفيذي لإمارة دبي.

تقرير حالة اللغة ومستقبلها
جاء «تقرير حالة ومستقبل اللغة العربية» الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ليكون أساساً ودراسةً موسعة لمقاربة تحديات اللغة العربية بطريقة علمية، ولعل نتائج تقرير اللغة العربية الذي ضم أكثر من 12 خبيراً من مختلف دول العالم، كان أبرز المبادرات التي ركزت عليها الدولة، إذ تم رصد تحديات لغة الضاد حول العالم، لاسيما أن التقرير جاء ضمن منظومة متكاملة من المبادرات الهادفة إلى تعزيز مكانة اللغة العربية في الدولة، وتحقيق رؤية الإمارات 2021 التي تهدف إلى جعلها مركزاً للامتياز، باعتبارها «الضاد» أداة رئيسة لتعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.

«لغتي» تواكب العصر
في السياق، جاءت مبادرة «لغتي» برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لتعليم اللغة العربية في مدارس الشارقة، استكمالاً لمبادرة دعم التعليم باللغة العربية بوسائل ذكية يستفيد منها طلبة الإمارة. وتأتي الهوية الجديدة للمبادرة في إطار رؤية صاحب السموّ حاكم الشارقة، لأهمية الدور الاستراتيجي للغة العربية في ترسيخ منظومة تعليم متطور تؤهل الطالب لمواكبة العصر والتفاعل مع تحدياته العلمية والتقنية، وتكرس اعتزازه بهويته العربية التي تمثل العمود الفقري الذي تستند إليه دولة الإمارات في إعداد مخرجات تعليمية نوعية، كما تحرص مبادرة «بالعربي» السنوية على الاحتفاء باللغة العربية في يومها العالمي عن طريق التشجيع على استخدام اللغة العربية فقط في جميع وسائل التواصل الاجتماعي، وتركز المبادرة التي تشكل اليوم مشروعاً ثقافياً نوعياً على تقديم فعاليات متنوعة تغطي معظم قنوات الإعلام الرقمي، وتنشر الوعي بجماليات اللغة وكنوزها. كما تم الإعلان في «مجلس محمد بن راشد للسياسات» عن مبادرة إلكترونية لتعزيز المحتوى العربي على الإنترنت؛ بهدف تطوير الأدوات والبرامج التي ستعمل على تعزيز المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية. هذا بالإضافة إلى تدشين منصة «مدرسة» الأكبر عربياً للتعليم الإلكتروني.

جيل عاشق للعربية
تمثل جمعية حماية اللغة العربية في الشارقة - تأسست عام 1998 - حلقة الاتصال بين جميع المؤسسات والهيئات وملتقى الأفراد، وتقدم مجموعة من الخدمات بهدف حماية اللغة العربية، مثل تبنيها مسابقة «المخزون اللغوي»، وهي مخصصة لحفظ الشعر وموجهة إلى طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية، كما أطلقت كذلك برنامج «لسان الفطرة» بعنوان (أحب لغتي العربية)، وهو عبارة عن كتاب موجه لطلاب رياض الأطفال لربطهم بلغتهم الأم منذ الصغر، علاوة على تنظيم الندوات والمؤتمرات الخاصة باللغة العربية، ودعم الأنشطة التي تعزز الهوية الوطنية، وصولاً إلى تعليم مهارات اللغة والأدب من شعر ونثر وكتابة أدبية وصحفية وخطابة للناطقين بالعربية.
ويلعب «مجمع اللغة العربية» بالشارقة، دوراً مهماً في الحفاظ على سلامة اللغة العربية، وجعلها مواكبة لمتطلبات العلوم والآداب والفنون الإسلامية، ملائمة لمدركات الحياة الإنسانية المتجددة، وتشجيع التعريب والتأليف والترجمة والنشر، وعمل الدراسات العلمية للهجات العربية قديمها وحديثها، والنهوض باللغة العربية لتكون دائماً ضمن اللغات الأساسية على مستوى العالم، إلى جهود المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج بالشارقة، وإصداراته الفكرية القيمة والتي تتناول تطوير مناهج وطرق تعليم وتعلم اللغة العربية، مروراً بعام 2018، الذي أعلنته الإمارات عاماً للقراءة، وعززت فيه حضور اللغة العربية على المستويين الرسمي والشعبي، وتضمن نحو 1700 مبادرة وفعالية على مستوى الدولة.

تدريس «العربية»
كما تهتم مختلف الجامعات الإماراتية بتعليم اللغة العربية وآدابها، وإنشاء أقسام وبرامج ومشاريع خاصة بذلك للناطقين بها والناطقين بغيرها على حد سواء، ويأتي في مقدمتها، وحدة برامج اللغة العربية واختبارات العين للكفاءة التابعة لمركز التعليم المستمر في جامعة الإمارات العربية المتحدة، ومعهد اللغة العربية التابع لجامعة زايد، وقسم اللغة العربية بجامعة الشارقة، ويحيلنا ذلك إلى عام 2007، وظهور مشروع كلمة للترجمة إلى النور كمبادرة وطنية طموحة من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ بهدف إحياء حركة الترجمة وزيادة معدلات القراءة باللغة العربية على المستويين المحلي والإقليمي، والمشروع من المبادرات التي نقلت اللغة العربية إلى آفاق عالمية، ومن أهدافه إلى جانب الترجمة، التشجيع على القراءة باللغة العربية، وتنمية حركة البحث العلمي في العالم العربي.
وفي السياق، لا ننسى المبادرة النوعية لقسم اللغة العربية وآدابها، في جامعة الإمارات العربية المتحدة، ومركز الإمارات لأبحاث السعادة، بتأسيس المنتدى السنوي لقسم اللغة العربية في نسخته الأولى، بعنوان «اللغة العربية وآفاق التشارك المجتمعي» لغايات تسليط الضوء على الدور العظيم للغة العربية في المجالات المختلفة، والحفاظ على كينونتها وسط التحديات الممنهجة التي تستهدفها.
واليوم ونحن نحتفل مع دول العالم بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، نسجل اعتزازنا وتمجيدنا لجهود ودور الإمارات البارز في حماية اللغة العربية، وتعزيز مكانتها عالمياً، والتي تشكل نموذجاً عربياً أصيلاً على صعيد تطوير لغة الضاد، ليس في الداخل فقط، بل في العالم. ما يجعل من الإمارات وجهة عالمية لخدمة «لغة الضاد».

التعليم رهان القيادة
يتجسد حرص الدولة على تطوير التعليم، لإعداد أجيال قادرة على التعاطي مع تحديات المستقبل في أقوال خالدة أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، منها: «رهان دولة الإمارات العربية المتحدة سيكون في السنوات المقبلة الاستثمار في التعليم، لأنه القاعدة الصلبة للانطلاق في مرحلة ما بعد النفط».. وقال سموه أيضاً: «مهنة التعليم ارتبطت بالمنزلة الرفيعة والمكانة الاستثنائية في نفوسنا، واستمدت أهميتها ومكانتها وقوتها من رسالتها النبيلة التي اتخذت من القيم التربوية والمبادئ السامية والعلم والمعرفة منهجية تؤطر لها، وتجعل من المعلم شريكاً أساسياً في تنمية العقول، وتهذيب الأخلاق، وبناء وتنمية المجتمعات».. وسموه صاحب مقولة «التعليم أولاً».. ومقولة: «إن دور المدرسة التربوي يتعاظم في هذه المرحلة أكثر من أية مرحلة سابقة، ونحن واثقون بأن المعلمين والمعلمات على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وهم على وعي كامل بالدور المحوري للتربية والتعليم في تعزيز النهضة التنموية الإماراتية الرائدة، والعمل على رفع مكانة اللغة العربية».

هيئة أبوظبي للغة العربية
أصدر المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، في الثالث من يوليو 2019 قراراً بالموافقة على إنشاء هيئة أبوظبي للغة العربية، تتبع دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي.
وتختص «الهيئة»، بوضع الخطط الاستراتيجية للنهوض بواقع اللغة العربية، وإصدار الدراسات العلمية، التي تضمن مواكبة اللغة العربية لمتطلبات العصر، بما يسهم في إثراء المحتوى، وتعزيز حضورها كلغة للعلم والمعرفة. كما ستكون «الهيئة» مركزاً بحثياً لدعم متحدثي اللغة العربية؛ بهدف تحفيز الحراك الثقافي الذي تشهده أبوظبي، وترسيخ دورها في المشهد الثقافي الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى دعم حركة الترجمة من وإلى اللغة العربية، وإصدار ونشر الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.