سلطان الحجار، تامر عبدالحميد (أبوظبي)
التنمّر.. آفة تصيب جدران المجتمع بالتصدع.. ظاهرة عالمية عدوانيّة غير مرغوب فيها، تنطوي على مُمارسة السلوك العنيف من قبل فردٍ أو مجموعة أفراد نحو غيرهم، وتنتشر هذه الظاهرة بشكلٍ أكبر بين طلّاب المدارس والجامعات وأماكن العمل وغيرها.. ومع تقييم وضع هذه الظاهرة يتبيّن أن سلوكيّاتها تتّصف بالتّكرار، بمعنى أنها قد تحدث أكثر من مرة، كما أنها تعبّر عن افتراض وجود اختلال في ميزان القوى والسّلطة بين الأشخاص، حيث إن الأفراد الذين يمارسون التنمّر يلجؤون إلى استخدام القوّة البدنيّة للوصول إلى مبتغاهم من الأفراد الآخرين، وفي كلتا الحالتين، سواءً أكان الفرد من المتنمرين أو يتعرّض للتنمّر، فإنه معرّض لمشاكل نفسيّة خطيرة ودائمة.
يُعد التنمر أحد أشكال الإيذاء الموجه نحو فرد أو مجموعة أشخاص، يكونون أضعف في الغالب جسدياً، وهو من الأفعال المتكررة على مر الزمن، والتي تنطوي على خلل قد يكون حقيقياً أو متصوراً في ميزان القوى بالنسبة للشخص ذي القوة الأكبر، أو بالنسبة لمجموعة تهاجم مجموعة أخرى أقل منها في القوة، ويمكن أن يكون التنمر عن طريق التحرش الفعلي والمباشر أو الاعتداء البدني، أو غيرها من أساليب الإكراه الأكثر دهاء مثل التلاعب بالمشاعر، أو الخوض في الأعراض، أو السخرية المتعمدة تجاه شخص بعينه، أو الترويع أو التهديد والتقليل من شأن الآخرين.
وغالباً ما يشار إلى ضحية التنمر على أنه هدف للتحرش اللفظي أو الجسدي أو النفسي أو الجنسي، وفي بعض الأحيان، يختار المتنمرون أشخاصاً أصغر من حجمهم، لإلحاق الأذى اللفظي أو الجسدي بهم، وهناك أسباب كثيرة أحدها أن المتنمرين أنفسهم كانوا ضحية للتنمر من قبل، مثل الطفل الذي يساء إليه في المنزل، أو المتنمر البالغ الذي تعرض للإساءة من جانب زملائه مثلاً، وقد بدأت العديد من البرامج تكافح ظاهرة التنمر في المدارس باستخدام المتحدثين المتخصصين والترويجيين، لمواجهة التنمر بأنواعه. ويمكن أن يحدث التنمر في أي مكان يتفاعل فيه البشر مع بعضهم البعض، ويشمل ذلك المدارس والمساجد والكنائس وأماكن العمل والمنازل والأحياء، كما يمكن أن يوجد التنمر بين الفئات والطبقات الاجتماعية المتفاوتة، وحتى بين البلدان، الأمر الذي دفع الإمارات إلى محاربة هذه الظاهرة بكل السبل، عبر سن القوانين التي تجرم التنمر وتعاقب مرتكبيه، حيث إن المادة (21) من قانون العقوبات الاتحادي رقم (5) لسنة 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، تنصّ على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن 150 ألف درهم، ولا تتجاوز 500 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استخدم شبكة معلوماتية، أو نظام معلومات إلكترونياً، أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، في الاعتداء على خصوصية شخص في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، بطرق منها التقاط صور الغير أو إعداد صور إلكترونية أو نقلها أو كشفها أو نسخها أو الاحتفاظ بها، ونشر أخبار أو صور إلكترونية أو صور فوتوغرافية أو مشاهد أو تعليقات أو بيانات أو معلومات، ولو كانت صحيحة وحقيقية.
ويعاقب أيضاً بالحبس، وفقاً لهذه المادة، مدة لا تقل عن سنة واحدة، وغرامة لا تقل عن 250 ألف درهم، ولا تتجاوز 500 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استخدم نظام معلومات إلكترونياً، أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، لإجراء أي تعديل أو معالجة على تسجيل أو صورة أو مشهد، بقصد التشهير أو الإساءة إلى شخص آخر، أو الاعتداء على خصوصيته أو انتهاكه.
تشير بعض الأبحاث العلمية، إلى أن المتنمرين البالغين تكون لهم صفات استبدادية، جنباً إلى جنب مع حاجة قوية للسيطرة أو الهيمنة، وقيل أيضا إن وجهات نظر المرؤوسين يمكن أن تكون عاملاً خطراً عليهم بشكل خاص، فالمتنمرون عادة ما يكونون متكبرين ونرجسيين، ومع ذلك، يمكن أيضا أن يستخدم التنمر كأداة لإخفاء العار أو القلق أو لتعزيز احترام الذات، عن طريق إهانة الآخرين، حيث يشعر المسيء نفسه بالسلطة والغرور وتضخم الذات.
كما حدد الباحثون عوامل أخرى، مثل الاكتئاب واضطراب الشخصية وسرعة الغضب واستخدام القوة، والإدمان على السلوكيات العدوانية، وسوء فهم أفعال الآخرين على أنها معادية، والقلق على صورة الذات، والانخراط في أعمال الهوس أو العنف.
سلوك أم ظاهرة؟
وتحدثت المستشارة عالية الكعبي رئيس نيابة الأسرة والطفل بدائرة القضاء في أبوظبي، خلال فعاليات «الملتقى الإعلامي الـ58» تحت عنوان» التنمر في المدارس.. سلوك أم ظاهرة؟»، الذي نظمته الدائرة مؤخراً، عن 4 أسباب للتنمر تشمل الإدمان على السلوكيات العدوانية واضطراب الشخصية ونقص تقدير الذات والاكتئاب والأمراض النفسية والاعتياد على الألعاب الإلكترونية العنيفة، مشيرة إلى وجود شكلين للتنمر الأول تنمر جسدي ويشمل الاعتداء على الشخص سواء بالضرب أو سرقة مقتنياته أو إتلاف ما يملك، ويشكل جريمة الاعتداء على سلامة الجسم على حسب جسامة الفعل فتزداد العقوبة بزيادة جسامة الاعتداء وجريمة السرقة وجريمة الإتلاف، والنوع الثاني التنمر اللفظي وهو التلفظ بألفاظ مهينة للشخص أو مناداته بأسماء سيئة والسخرية منه أو تهديده ويشكل جريمتي السب والتهديد المجرمتين في قانون العقوبات الاتحادي وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
وحددت الكعبي 9 علامات تكشف تعرض الشخص للتنمر تشتمل على انسحاب الصغير بشكل متكرر من الأنشطة المفضلة لديه، وابتعاده عن أصدقائه أو أي تجمعات، وإهمال واجباته المدرسية أو أي أغراض متعلقة بالمدرسة، وسعي الطفل المعرض للتنمر إلى الهروب من الواقع، وإصابته بحالة من العصبية والغضب، ومعاناته من القلق الدائم والخوف، وتمتعه بحالة مزاجية متقلبة، وإخفاء أدوات لحماية نفسه في المدرسة مثل السكاكين والأدوات الحادة.
وأوضحت الكعبي أن علاج التنمر يتضمن عدة محاور منها العلاج الأسري، حيث تعتبر الأسرة البيئة الأولى التي تؤثر في سلوك الطفل، ولكي يكون التدخل الأسري فعالاً، لابد من التروي وعدم العجلة في الحكم على سلوك الصغير، ووصفه بالمتنمر قبل أن تتضح الرؤية وتتم دراسة المشكلة من جميع الجوانب وفي حالة ثبوت تنمر الطفل يجب مناقشته بهدوء وتعقل واستفساره حول الأسباب التي تجعله يسلك هذا المنحى، وتوضيح مدى خطورة هذا السلوك، كما يجب على الآباء عدم اختلاق الأعذار للطفل والتبرير لأفعاله وبخاصة أمام المعلمين والزملاء.
ولفتت إلى أن المحور الثاني خاص بالعلاج المدرسي من خلال التعامل الأمثل مع التنمر المدرسي عبر تطوير برنامج مدرسي واسع، بحيث يكون هدف هذا البرنامج هو تغيير ثقافة المدرسة وتأكيد الاحترام المتبادل والقضاء على التنمر ومنع ظهوره.
وقالت الكعبي: «لكي يكون البرنامج العلاجي ناجعاً، لابد أن يشمل توعية المعلمين والأهالي والطلبة بماهية سلوك التنمر وخطورته، وتشديد المراقبة واليقظة التربوية للرصد المبكر لحالات التنمر، ووضع برامج علاجية للمتنمرين بالشراكة مع المختصين في علم النفس، وتنظيم أنشطة موازية تهتم بتنمية الثقة بالنفس وتأكيد احترام الذات، مؤكدة أن التنمر في مدارس الإمارات سلوك فردي وليس ظاهرة، حيث إنه ناتج عن الفعل ورد الفعل، مشيرة إلى أنه كلما حصل الطفل على الدفء والأمان في العائلة كان بعيداً عن اللجوء إلى التنمر.
مرض العصر
ويقول د. إيهاب خليفة، رئيس وحدة متابعة التطورات التكنولوجية، بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي، إن التنمر يعتبر أحد أبرز أمراض العصر التي قد يقوم بها كلاً من الصغار والكبار على حد سواء، ورغم تصاعد الاهتمام بالتنمر مؤخراً، إلا أنه ظاهرة قديمة وجدت مع بداية خليقة الإنسان، واستمرت وانتشرت في كافة المجتمعات على حد سواء، المتقدمة الغنية، والنامية الفقيرة، ولا يقتصر التنمر على المعاملات البشرية فقط، بل نجده في تعامل الدول مع بعضها البعض، فنجد تنمر الدول المتقدمة بالدول الفقيرة، حيث تستغل مواردها الطبيعية والاقتصادية بأبخس الأثمان، وتتنمر عليها أيضاً في مواقفها السياسية، حتى أصبح أحد مظاهر العلاقات الدولية.
وعادة ما يحدث التنمر ضد الآخر بسبب ثقافة التعصب وعدم احترام رأي الآخر وخصوصيته وثقافته، فيحدث التنمر بسبب الدين أو العرق أو اللون أو اللغة أو الشكل، أو قد يحدث للرغبة في الشعور بالتفوق والقوة وإشباع رغبة الغرور بداخل الشخص الذي يقوم بالتنمر.
وفي تقرير صادر من اليونسكو عام 2019 بعنوان «إنهاء العنف والتنمر داخل المدرسة» (ending school violence and bullying)، أشار إلى أن واحداً من كل ثلاثة أطفال داخل المدرسة تعرض للتنمر على الأقل مرة واحدة، وهو ما دفع الدول والمنظمات الدولية لتنظيم حملات إعلامية وتوعوية للتحذير من مخاطر التنمر وتوعية أولياء الأمور بالعواقب المترتبة على ذلك، وقد أتت كثير من هذه الحملات ثمارها، حيث أشار تقرير اليونسكو أيضاً إلى انخفاض نسب التنمر في حوالي 71 دولة حول العالم في الفترة من 2002 حتى 2017، لكن من ناحية أخرى زادت نسب التنمر عبر الإنترنت، ففي تقرير صادر من اليونيسيف عام 2017 أشار إلى أن 70% من الأطفال تعرضوا للتحرش عبر الإنترنت في ماليزيا، كما زادت نسبة التنمر عبر الإنترنت في أوروبا من 10% عام 2010 إلى 12% عام 2014.
وهناك خمسة أشكال رئيسة للتنمر، أبرزها هو التنمر المادي (Physical Bullying)، وهو الشكل المباشر للتنمر، والذي يتضمن الاعتداء المباشر، حيث يقوم شخص باستعراض قوته ضد غيره لكي يبدو أنه الأفضل والأقوى بين أصدقائه، وقد حظي هذا الشكل من التنمر باهتمام كبير لكنه في الوقت ذاته سهل التحديد والتعريف مقارنة بأنواع التنمر الأخرى.
ومن أشكال التنمر أيضاً التنمر اللفظي (Verbal Bullying)، وهو الذي يتضمن توجيه ألفاظ وعبارات وإساءات شفهية إلى الطرف الآخر، وهو شكل يواجه صعوبات في إثباته أو التعرف عليه.
وهناك شكل ثالث للتنمر وهو التنمر العاطفي (Emotional Bullying)، حيث يعمد أحد الطرفين إلى استغلال مشاعر الطرف الآخر بصورة غير أخلاقية لتحقيق أهداف شخصية، غير مراع لصدق مشاعر هذا الطرف أو لحالته النفسية، مما قد يتسبب في صدمة له تحتاج إلى وقت للتعافي وإعادة الثقة في الآخرين.
وهناك شكل رابع وهو التنمر الجنسي (Sexual Bullying)، سواء كان ذلك تنمراً لفظياً أو مادياً، حيث يتضمن توجيه عبارات أو أفعال جنسية غير لائقة للطرف الآخر، سواءً كان ألفاظاً أو إيحاءات أو أفعالاً غير لائقة، وينتج عنه اضطرابات نفسية متعددة للضحية.
أما الشكل الخامس من التنمر فهو التنمر السيبراني (Cyber bullying)، أو التنمر عبر الإنترنت، وهو يشمل أيضاً كافة مظاهر التنمر السابقة، ويعد من الأشكال الأكثر انتشاراً في الفترة الأخيرة بسبب الاستخدام المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي وتشابك العلاقات البشرية بصورة أكثر تعمقاً من ذي قبل، فنجد تنمراً مادياً من خلال إساءة استخدام الصورة الشخصية للطرف الآخر والتشهير به، أو حتى سرقة البيانات الشخصية وبطاقات الائتمان وغيرها من أشكال الجرائم السيبرانية، ومنها أيضاً التنمر اللفظي ضد الغير من خلال توجيه إساءات لفظية عبر التغريدات والتعليقات أو حتى (#الهاشتاغات) التي تسيء للغير، منها التنمر العاطفي من خلال التلاعب بمشاعر الطرف الآخر عبر الإنترنت ومواعدة أكثر من طرف في نفس التوقيت، أو التنمر الجنسي عبر إرسال الصور والفيديوهات الجنسية التي تسيء لمشاعر الطرف الآخر.
تخويف وترويع
من جانبها، تقول اختصاصية التربية وفاء حمدان، إن «التنمر يعتبر شكلاً من أشكال العنف الموجه من شخص أو مجموعة أشخاص إلى زميل لهم في العمل على سبيل المثال»، مشيرةً إلى أن التنمر يحدث عن طريق الاعتداء البدني أو اللفظي أو التحرش، وغيرها من الأساليب العنيفة، وهذه الظاهرة تنتج عن التخويف والترويع الذي مُورس على الضحية بأشكاله المتعددة.
وأكدت أن التربويين والاختصاصيين الاجتماعيين يتفقون على أن الأشخاص الذين يتعرضون للتخويف هم أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب، موضحة أن التنمر عبارة عن سلوك عدواني متكرر، ومضايقات يرتكبها المسيء الذي يمتلك قوة بدنية أو اجتماعية وهيمنة أكثر من الضحية، فيقوم باستغلاله في إشباع ميوله وتحقيق هدفه.
ولفتت حمدان إلى أن التنمر يظهر في ثلاثة أنواع: لغوي، وجسدي، وعاطفي، وينقسم إلى فئتين، التنمر المباشر والتنمر غير المباشر، ويتمثل في الابتزاز والتلاعب بالآخر من خلال التهديد والسخرية، مشيرةً إلى أنه يجب عدم الاستهانة أو الاستخفاف بالتنمر غير المباشر، لأنه يسبب الانعزال الاجتماعي للضحية، وقد يسبب له مستقبلاً أمراضاً نفسية متمثلة في الاكتئاب، وهذه الظاهرة تستهدف أهم فئات المجتمع، من الصغار وأصحاب الهمم.
اكتئاب
وحسب خبراء في مجال الطب النفسي، فإن «التنمر» يعد من أكثر الجرائم التي قد تؤدي إلى الانتحار في العالم، خاصة وإنه يسلط الضوء على ما يحال الإنسان أن يهرب منه طول حياته سواء لونه أو دينه أو عرقه أو جنسه، فيما أشار الدكتور هشام ماجد الطبيب النفسي في مستشفى العباسية للأمراض النفسية، إلى أن التنمر يؤدي إلى وصمة نفسية واجتماعية قد تؤدي إلى الانتحار في النهاية أو على الأقل الانعزال عن المجتمع، ومن ثم يجب محاربة هذه الظاهرة والقضاء عليها عبر حملات شعبوية ورسمية مستمرة.
وأضاف ماجد أن التنمر يؤدي إلى إصابة الشخص بالاكتئاب ما يجعله خطراً على نفسه وأكثر اندفاعاً من ذي قبل، وبالتالي زيادة فرص انتحاره، مشدداً على ضرورة علاج الطرفين في حال وقوع هذه الحوادث سواء المتنمر أو الذي وقع عليه التنمر، فالمتنمر هو شخص مريض نفسي بذاته، وجاء هذا من عدة عوامل بدأت من الأسرة التي لم تقم بدورها على الوجه الأكمل في التربية وصولاً إلى الدراسة التي نمت بداخله عوامل الأنانية وعدم الاهتمام بشعور الآخرين، ما جعله في النهاية يتسبب في أذى نفسي لأشخاص لم يقدموا على أي فعل يتسبب في الضرر له وبالتالي فهو الأحق بالعلاج النفسي.
«حمايتي»
أما وزارة الداخلية في دولة الإمارات، فتستقبل بلاغات التنمّر في مدارس الدولة، عبر الخط الساخن (116111)، إلى جانب تطبيقها الذكي «حمايتي»، مشيرة إلى أنها تعاملت خلال الأعوام السابقة مع حالات تنمّر متعددة واتخذت بحقها إجراءات علاجية ووقائية سريعة، من خلال التوعية والتثقيف والتواصل مع الأهالي، ما منع تكرارها. ونبّهت الوزارة إلى وجود نوعين من التنمّر، الأول يحدث في العالم الواقعي، عندما يعتدي شخص على زملائه في محيطه، والثاني هو التنمر الإلكتروني، عندما يقع تهديد أو اعتداء من خلال الإنترنت، لافتة إلى أن «التنمّر مشكلة عالمية».
ومن أسبابه الإهمال والتفكك الأسري وغياب التنشئة الاجتماعية السليمة، فضلاً عن استخدام العنف من قبل الوالدين على أطفالهم، والذي قد يؤدي إلى ممارسة العنف ضد زملائهم، وكذا رغبة الشخص بالظهور بشخصية الفرد القوي والمسيطر بين الأفراد المحيطين به.
بناء ثقافة اجتماعية
يرى أحمد عبد العزيز النجار، دكتور علم نفسي اجتماعي في جامعة الإمارات، أن التنمر ظاهرة اجتماعية طبيعية، إذ أن السلوك الإنساني ثلاثة، الأول التعامل باحترام وبالمثل وهو السلوك المطلوب تحقيقه، والأخر العدوانية والتحكم وهو ما يسمي بالتنمر، والأخير الضعف والإذلال وهو المتنمر أو ما يتعرض للتنمر، وقال: الحياة الاجتماعية بصفة عامة تجد فيها المعتدي والمعتدى عليه، المتنمر والمتنمر عليه، القوة والضعف، والتطور والتخلف، فهذه هي الديناميكية الاجتماعية المتعارف عليها، ولكن مع انتشار ظاهرة التنمر، يجب أن ندعو الآخرين إلى ملاحظة أن السلوك الإنساني الطبيعي هو سلوك تعاوني بين القوي والضعيف، فمساعدة القوي للضعيف يساهم في مسألة تبادل المصالح. وأوضح النجار أن التنمر بأشكاله المتعددة متواجد وحاضر في حياتنا الاجتماعية بشكل عام، سواء بين الأصدقاء أو في العلاقة الزوجية أو في مجال العمل، وعلى هذا الأساس فإن مسألة التنمر تعود في النهاية على أسلوب تفكير الشخص وإدراكه وحسه الإنساني، ومن ناحية أخرى ترجع إلى القيم والعادات التي تربى عليها الإنسان، لذلك يجب تعزيز مفهوم القيم والتعامل الإنساني والحضاري لتكون النتيجة أفضل في تخفيف ظاهرة التنمر. وبين النجار أن التنمر ظاهرة لا يمكن محاربتها، وقال: يجب على المجتمعات أن تسعى إلى تقوية الأطراف الأكثر ضعفاً، وتكسبها الخبرات والمهارات وتطوير الذات، ووضع أسس وقوانين ونظام العدالة، وبناء ثقافة اجتماعية لا تحبذ السلوك العدواني، حتى نصل في النهاية إلى نتيجة تحقق البناء الاجتماعي السليم.
التنمر والانتحار
تقول موناي أومور الحاصلة على الدكتوراه في مركز مكافحة التنمر، كلية ترينيتي في دبلن، إن هناك هيكلاً نامياً من الأبحاث توضح أن الأفراد، سواء كانوا أطفالاً أو بالغين، والذين يتعرضون باستمرار للسلوك التعسفي، يكونوا معرضين لخطر الأمراض المتعلقة بالضغط النفسي، والتي من الممكن في بعض الأحيان أن تؤدي إلى الانتحار، حيث يعاني ضحايا التنمر من مشاكل عاطفية وسلوكية على المدى الطويل، وقد يسبب التنمر الشعور بالوحدة، والاكتئاب والقلق وتدني تقدير الذات، وزيادة التعرض للمرض.
وهناك رابط قوي بين التنمر والانتحار، حيث أدى التنمر إلى العديد من حالات الانتحار، وتقدر هذه الحالات ما بين 15 و25 طفلاً ينتحرون سنوياً في بريطانيا وحدها، لأنهم يتعرضون للمضايقات.
وأشارت د. موناي، قائلة: إذا لم يتم التصدي للسلوك العدواني في الطفولة، فهناك خطر أن يصبح سلوكاً اعتيادياً، فهناك أدلة بحثية، تشير إلى أن التنمر خلال مرحلة الطفولة تضع الأطفال في خطر السلوك الإجرامي والعنف المنزلي في مرحلة البلوغ.
وليس من الضروري أن ينطوي التنمر على الإجرام أو العنف الجسدي، فعلى سبيل المثال، غالباً ما يعمل التنمر من خلال الإيذاء النفسي أو الإساءة اللفظية، وفي كثير من الأحيان يمكن ربط التنمر بعصابات الشوارع، خاصة في المدارس.
مبادرة «لا أقبل»
نفذت وزارة تنمية المجتمع بدولة الإمارات، مجموعة من الورش التوعوية والتثقيفية خلال الأسبوع الوطني الثاني للوقاية من التنمر في البيئة المدرسية، والذي أقيم برعاية كريمة من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، وبالتعاون بين وزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى للأمومة والطفولة، والذي انطلق خلال الفترة من 18 إلى 22 نوفمبر 2019 بمشاركة أكثر من 25 جهة محلية واتحادية، تزامناً مع اليوم العالمي للطفل، وسعياً إلى تزويد طلبة المدارس وأصحاب الهمم والمعلمين وأولياء الأمور بالمهارات اللازمة لمواجهة التنمر، حيث يستهدف الطلاب والطالبات من مختلف المراحل العمرية والدراسية على مستوى الدولة.
وقد استهدفت الوزارة من المشاركة دعم جهود التوعية والتثقيف في إطار تحقيق التنشئة السوية وترسيخ استقرار الأسرة والمجتمع، والعمل على تحصين الأجيال، وتعزيز الثقة بالنفس، وتحفيز العلاقات الإيجابية لدى الطلبة داخل أسوار المدارس، والأطفال والمراهقين في الأحياء السكنية وعلى مستوى الأسرة والمجتمع، وفق رؤية تنموية توعوية تشاركية تستهدف مختلف الفئات، لا سيما من هم في سن الحداثة والمراهقين وأصحاب الهمم، باعتبارهم ذوو أولوية مستدامة في التوعية والتثقيف في إطار المسؤولية الوطنية لتنشئة أجيال المستقبل نحو أهداف تنموية تحقق رؤية القيادة الرشيدة والتطلعات الطموحة.
كما اهتمت برامج الوزارة التثقيفية التوعوية بطلبة المدارس من الأطفال والناشئة واليافعين، والأسرة التربوية، من خلال فعاليات وأنشطة تعزز الصداقة الإيجابية والصحبة الصالحة، وتنبه إلى مخاطر وسلوكيات مرفوضة، وتعرّف بالقوانين والأعراف المجتمعية، والتي تُشرك فيها أيضاً أولياء الأمور فيما يتعلق بواقع أبنائهم وظروف حياتهم وشؤونهم اليومية، كما نفذت الوزارة بالتعاون مع هيئة تنظيم الاتصالات أنشطة تفاعلية توعوية من خلال مبادرة «لا أقبل»، تهدف إلى التوعية حول التنمر الإلكتروني.
حرمان عاطفي
أما الدكتور جمال فريد أستاذ الطب النفسي بأحد مستشفيات القاهرة، فأشار إلى أن المتنمر يعاني حرماناً عاطفياً يأتي غالباً من الأسرة التي تتكون من أب عنيف وأم سلبية، ومن ثم يحاول الطفل أن يجد نفسه في الاستقواء على الأضعف منه بالتنمر، وهو الأمر الحادث في أغلب قضايا التنمر، وبالتالي فإن العلاج لهذه الحالة يجب أن يكون علاجًا شاملاً سواء للأسرة أو الطفل بالتنسيق مع المؤسسات المختصة مثل المدرسة دور العبادة والأطباء وغيرهم، خاصة وأن هذا الأمر ستجده متكرراً من نفس الشخص في أغلب الأماكن التي يذهب إليها.
بينما الواقع عليه التنمر حالته أصعب، خاصة أن الأمر سيؤدي إلى أمراض عضوية مثل التقلبات في المعدة واضطرابات القلب وغيرها من الأعراض الجسمانية والتي قد تكون أخطر من الأعراض النفسية مثل الاكتئاب والعزلة وغيرها.
إصلاح نفسي
فيما أكد عدنان عيسى عباس، نائب المدير العام لمدارس النهضة الوطنية في الإمارات، أن التنمر ليس ظاهرة حديثة، لكن في الآونة الأخيرة زاد انتشاره وسلط الضوء عليه من قبل الإعلام بشكل كبير، بعد ظهور السوشيال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي، وأخذت أشكالاً متعددة، منوهاً أنه بعد انتشار العديد من الفيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول التنمر الذي يتعرض له البعض، تم الحد من هذه الظاهرة ومعالجتها من خلال التعاون مع المؤسسات الاجتماعية لتجاوز هذه المسألة. وأضاف: أشكال التنمر تعددت في الفترة الأخيرة من تنمر لفظي إلكتروني عبر السوشيال ميديا من ألفاظ وكلام جارح، وتنمر النقص والفروقات الاجتماعية والتنمر الجسدي، وزادت هذه الظاهرة بشكل كبير في المدارس حتى ولدت الكراهية في المجتمع، وهنا أتى دور المؤسسات في الإمارات لتنفيذ دورات ومحاضرات حول كيفية التعامل مع المتنمر ومن تعرض للتنمر فكل منهما يحتاج إلى إصلاح نفسي.
وأوضح عدنان أنه رغم عدم وجود قوانين أو سن عقوبة للمتنمر، إلا أننا لا يجب أن نهرب من هذه الظاهرة إنما أن نتعاون بشكل مميز مع المؤسسات الاجتماعية، من خلال التنويه عن الآثار السلبية للتنمر والدعوة لأخذ محاضرات عن التنمر وكيفية مجابهة من يتعرض للتنمر، خصوصاً أن المتنمر والمتنمر عليه ضحايا، إلى جانب الدعم والتوجيه والإرشاد والنصح، مشدداً على ضرورة تعزيز ثقافة الإصلاح النفسي والسلوكي عند أولياء الأمور والأهالي لتعليم أولادهم، خصوصاً أنهم لديهم العامل الأكبر في التأسيس على المبادئ والقيم.
سخرية واستهزاء
يشارك نجوم الفن في حلقات على «يوتيوب» ضمن برنامج طبي بعنوان «سمايل ماسترز»، لتقديم المساعدات الطبية في مجال الأسنان للحالات الإنسانية الصعبة، والبرنامج فكرة وتقديم طبيب الأسنان مجد ناجي الذي من المقرر يبث حلقاته قريباً، حيث يسخر إمكانات عيادته التي افتتح مؤخراً فرعاً لها في أبوظبي، لعلاج بعض الحالات التي تعاني عيوباً ظاهرة في الأسنان بالمجان، ويصعب عليها توفير كلفة العلاج، خاصة أن بعضهم قد تعرض للتنمر من المحيطين به، نتيجة مظهر أسنانه البشع أثناء ابتسامته، الأمر الذي دفعه لمساعدة هؤلاء المرضى لإنقاذهم من المتنمرين والمتربصين بهم الذين يسخرون أو يستهزئون بهم، تجاه أمر لا ذنب لهم فيه، ومن بينهم حنين (سوريا)، ومحمد (المغرب)، وغيرهما.
ويتكون البرنامج من 15 حلقة، كل منها لا تتعدى مدة حلقته 10 دقائق، ويتم التصوير في كل من أبوظبي ودبي في عيادتيه الخاصتين، ويتم استضافة أحد نجوم الفن في كل حلقة، لتقديم الدعم للحالة الإنسانية التي تقدمت للعلاج.
وأوضح ناجي أن البرنامج يختص بتقديم المساعدات العلاجية الخيرية في مجال الأسنان، موجهاً شكره إلى نجوم الفن والإعلام الذين شاركوه في رسم البسمة على وجوه بعض الحالات الإنسانية التي تعاني أزمات نفسية تتعلق بصحة الفم والأسنان.
ولفت ناجي إلى أنه ارتأى أن يبدأ تصوير حلقات البرنامج من العاصمة أبوظبي، لاسيما أنه تم تجهيز هذا الفرع بأحدث وأدق التجهيزات وتم انتداب فريق من أفضل الأطباء المتخصصين في مجال الأسنان، لتقديم المساعدات والعلاجات الطبية على أعلى مستوى، وفضلاً عن تقديمه البرنامج التوعوي والخيري «سمايل ماسترز»، أكد ناجي أنه وبمناسبة «عام الخير» اتفق مع هيئة الهلال الأحمر في الإمارات على دعم الحالات الإنسانية.
ويقول ناجي، إن هناك تقنيات في عالم طب الأسنان توفر الجهد والوقت والتعب بالنسبة للطبيب والمريض، من أبرزها تقنية الـ «ثري أن» والتي يستطيع المريض من خلالها الحصول على أسنان صحية وابتسامة مميزة من ناحية اللون ومن ناحية الشكل ومن دون حفر أو تخدير أو ألم، والتي يستطع من خلالها معالجة المريض خلال جلستين فقط.
ويرى ناجي أن برنامجه يهدف إلى نشر التوعية الطبية في مجال الأسنان، ويسهم في دعم السياحة العلاجية في كل من أبوظبي ودبي، خصوصاً أنه يقدم المساعدات الطبية للمرضى من داخل الدولة وخارجها.
فنانون: لا.. للتنمر
وبعبارة لا.. للتنمر، شدد الفنان عمرو يوسف على ضرورة الوقوف ضد التنمر، خصوصاً أنه سلوك عدواني يعرض الآخر للإيذاء لدرجة الانتحار، وقال: في بعض الأحيان يكون من الصعب أن يفهم طفل متنمر مدى قسوة وصعوبة التنمر على نفسية الآخرين، لذلك فإن جزءاً كبيراً من اللوم يقع على أهل المتنمر الذين من المفترض أن يعاقبوه أشد عقاب، ويعززوا بداخله صفات التسامح والإنسانية، لكن للأسف بعض الأهالي تسعد بأولادها المتنمرين، معتبرين أن ذلك الأمر قوة شخصية، لكنهم لا يدركون مدى الإساءة التي يتعرض لها البعض بسببهم.
وتابع: التنمر مشكلة كبيرة تؤدي لمشكلات نفسية من الممكن أن تظل بداخل الشخص، وتؤثر بشكل سلبي على سلوكياته في محيط عمله وعائلته وحياته بشكل عام.
وكان عمرو يوسف قد أطلق مؤخراً عبر حساباته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي هاشتاق «لا_للتنمر» وكتب: «أرجوكم أن تفهموا أن التنمر مثل السرقة والخيانة.. فلا للتنمر»، ونال الهاشتاق ردود أفعال من قبل الوسط الفني والإعلامي.
أما المخرج عمرو سلامة فيقول: إذا كنت تتعرض للتنمر تجنب السير وحيداً، وتحرك مع أصدقائك في الطرق التي يمكن أن يتعرض لك فيها المتنمرون، خلال ذهابك إلى المدرسة أو النادي أو المنزل، وكن بجانب أصدقائك إذا تعرض أحدهم للتنمر فلا تتركه وحده في مواجهة المتنمرين ودافع عنه وادعمه نفسياً.
ويروي سلامة أنه لا يزال يتذكر التنمر الذي تعرض له في الصغر، رغم مرور 17 عاماً على هذه الواقعة، وأيضا يتذكر أصدقائه الذين ساعدوه على مواجهة المتنمرين، ومازال يعتبرهم أبطالاً لأنهم دافعوا عنه.
كما تعرض الفنان آسر ياسين لتعليقات ساخرة وجارحة بسبب صورته مع زوجته، حيث وصفها البعض عبر مواقع التواصل بأنها ليست على قدر كبير من الجمال، ولكنه لم يصمت على هذا التنمر ورد بنشر صورة أخرى لزوجته وعلق عليها، قائلا: «أراها أجمل امرأة في العالم، ويكفي وجودها بجانبي، وبما تفعله من أجلي في حياتنا».
وأوضحت الفنانة المصرية حلا شيحة، أنها تحت دائرة التنمر طوال مشوارها الفني، بداية من فترة حجابها عام 2005، وخوضها تجربة سينمائية بالحجاب وحتى خلع الحجاب مؤخراً والقيام ببطولة مسلسل «زلزال» أمام الممثل محمد رمضان، ولذلك ظلت تعاني لفترة طويلة من هذا التنمر لعدم تقبل الجمهور بذلك الوقت فكرة الحجاب وتقديم أعمال فنية آنذاك، حتى اتخذت القرار بالاعتزال والبعد عن الحياة الفنية لفترة طويلة، مؤكدة أنها عندما أعلنت عودتها إلى الساحة الفنية العام الماضي، تعرضت للتنمر المبالغ فيه وربط الجمهور قرار عودتها الفنية بخلع الحجاب، مضيفة أن الجمهور له الحق في انتقاد الفنان لأعماله الفنية وليس علاقته بربه.
وتحدث الفنان أحمد فلوكس عن «التنمر الإلكتروني»، الذي أصبح ظاهرة غريبة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أنه أحد الفنانين الذي تعرض له مؤخراً، بعد حالة الانتقاد الشديدة التي تعرض لها بعد ظهوره أثناء تكريمه في فيلمه الأخير «الممر»، وجاءت التعليقات وردود الأفعال من البعض عبر السوشيال ميديا سلبية إلى حد كبير، وهو ما أغضبه وأزعجه كثيراً، وقال: رغم أن التنمر يسبب ضرراً كبيراً أحيانا تجاه بعض الأشخاص الذين يتعرضون له، ولكن بعض الأشخاص الذين تعرضوا له منذ الصغر أصبحوا نجوماً وأبطالاً يحتذى بهم، لذلك فإن الثقة بالنفس تجعل من الشخص الذي يتعرض للتنمر قوياً ويقف أمام الجميع، ويحاول إظهار قدراته وإرادته حتى يصل إلى ما يريد.
وأوضحت الفنانة شيماء سيف أن أسوأ شيء في الحياة هو أن تعيب على شخص ما بعيب في جسده أو ما شابه، ويعد التنمر القائم على المظهر أحد أكثر جوانب الإساءات السلوكية، فالمتنمر للأسف لا يعلم أنه في لحظة ما من الممكن أن يتعرض لإصابة أو مرض ما يجعله يقف في خانة التعرض للتنمر، لذلك فإن الإساءة اللفظية والكلام الجارح وفرد العضلات على الضعيف في مختلف المجالات، يجب أن يسن له قوانين وعقوبات ضد التنمر، كاشفة أنها في بداية حياتها تعرضت للتنمر بسبب وزنها الزائد، ما أدخلها في حالة نفسية سيئة لفترة قبل أن تقرر التصالح مع ذاتها، مؤكدة أن تقبلها لمظهرها جعلها تثق في نفسها أكبر ولا تكترث للانتقادات والكلام الجارح الذي يطالها، بل أصرت على الوصول لهدفها كما هي.
فنانون عالميون
كشف بعض الفنانين العالميين أنهم تعرضوا في صغرهم للتنمر، من بينهم الممثلة الأميركية إيفا مينديز، حيث تعرضت في مرحلة من حياتها لظاهرة التنمر المؤذي، نتيجة لحبها للدراسة وتفوقها، حيث كانت طالبة مثالية، وكانت تنجز كل فروضها المدرسية بشكل سريع بل وتساعد والدتها في أعمال المنزل، وكل هذه الإيجابيات في تصرفاتها جعلت الآخرين ينظرون إليها بعين الحسد والغيرة والحقد، بالإضافة إلى مظهرها الخارجي الذي زاد من تفاقم المشكلة، حيث كان الزملاء في المدرسة يضايقونها بسبب نحافتها الشديدة وأسنانها الكبيرة التي لا تتناسب مع حجم وجهها الصغير، وتقول إن هذه المضايقات استمرت طوال فترة الثانوية، وهذه المرحلة الصعبة تركت لديها بعض الآثار السلبية على حياتها الحالية، إذ أنها لا تزال تعاني من مشكلة التوتر المبالغ فيه في بعض الأحيان، بالرغم من تعافيها من مشكلة التنمر السابقة التي مرت بها.
الأمر نفسه بالنسبة للممثل العالمي توم كروز، الذي أوضح أنه سبق وأن تعرض في مرحلة الطفولة للتنمر وكان أحد ضحاياه، حيث كانت عائلته تنتقل بين الولايات المتحدة بسبب ظروف عمل والده، ما جعله ينتقل بشكل دائم من مدرسة إلى أخرى دون أن ينجح في بناء علاقات اجتماعية أو صداقة مع زملائه، بالإضافة إلى أنه كان ضعيف البنية والجسد، ما عرضه للإيذاء والضرب الجسدي المتكرر من زملائه، مؤكداً أنه كان يعاني من الأوجاع والشعور بالغثيان، وانتقل إلى مدرسة جديدة خوفاً من التعرض للضرب، إلا أن هذه الرحلة لم تستمر طويلاً، حيث تخطاها بأن وضع لنفسه قراراً بأن يتصدى للتنمر ويجهز نفسه لمواجهة المتنمرين حتى تخلص من هذه المشكلة بشكل سريع.
أما الممثل الهندي إبهيشيك باتشان ابن الممثل الشهير أميتاب باتشان، فأوضح أنه تعرض في مرحلة من عمره لمشكلة التنمر خصوصاً أنه كان يعاني من مشكلة التلعثم وصعوبة القراءة، التي جعلته محط سخرية من قبل الأصدقاء وكل الأشخاص المحيطين به وحتى من الأقرباء، وخلال هذه المرحلة كان يعاني من العصبية الشديدة والتوتر الدائم، لكنه وبعد فترة قرر أن يجتهد على نفسه وأن يتجاهل كل التعليقات السلبية الموجهة له من قبل الآخرين، واجتهد إلى أن يصل بحلمه الكبير إلى النجاح والشهرة والعالمية.
صحوة إنسانية
أكد الممثل هاني رمزي أن التنمر سلوك قاسٍ وعنيف يتبعه البعض تجاه الآخر، وقال: اليوم كلنا نحارب التنمر ونحاول أن نحافظ وننمي عامل الإنسانية الذي يسكن بداخل كل شخص منّا، فالتنمر يؤذي المشاعر والإحساس، وفي الحقيقية فهو يصدر من أناس ضعفاء النفوس بقصد أو بغير قصد، لكنه في كل الأحوال، فإن التنمر يؤذي الآخر ويؤدي إلى نتائج سلبية.
وتابع رمزي: كل إنسان لديه نقطة ضعف أو عيب، لأن هذه طبيعة الحياة، والإنسان في لحظات الضعف يحتاج إلى الدعم النفسي، فكل شخص من الممكن أن يتعرض لمرض ما أو يضطر لإجراء عملية طبية تغير من شكله، إلى جانب اختلاف الفكر والأجناس والانتماءات والأشكال، فبدل من أن نتخذ التنمر للإساءة والإيذاء، يجب أن تكون هناك صحوة إنسانية من الجميع ضد التنمر. وأوضح رمزي أن هناك نوعين من التنمر، بقصد ومن دون قصد، ويرى أن التنمر الذي يصدر من الشخص تجاه الآخر بقصد، مخالف تماماً ويجب أن يجرمه القانون بأشد العقوبة، أما التنمر الذي يكون من غير قصد، فيجب على الشخص هنا مراجعة نفسه قبل التفوه بأي كلمه قد تضر أو تؤذي الشخص الآخر، وتؤثر على ثقته بنفسه ونفسيته سلباً.
وأشار هاني إلى أن ظاهرة التنمر منتشرة بشكل أكبر في المدارس، وهنا يأتي دور الأهالي في تعليم أولادهم البعد عن أساليب العنف كافة والكراهية ضد الآخر، وغرز الحس الإنساني، وتعزيز إدراكهم بعدم التنمر على الآخر، سواء كان طويلاً أو قصيراً أو سميناً أو نحيفاً أو داكن البشرة، خصوصاً أننا كلنا مختلفون.
وتحدث هاني عن وجود التنمر في المجال الفني، وقال: هناك العديد من الفنانين الذين تعرضوا للتنمر وأُصيبوا بحالة نفسية سيئة واكتئاب شديد، وضرب مثالاً على فنانة اضطرت لإجراء عمليات تجميل مثل البوتكس والفيلر، وبسبب ضعف العصب لديها أصيبت باعوجاج في فكها، ففُتح عليها سيل من التنمر والكلمات المهينة، وفنان آخر تعرض لمرض البهاق فجأة، وسخر منه الكثيرون، إلا أنه ظهر على الإعلام والجمهور وأعلن إصابته بهذا المرض، وأنه يفكر في اعتزال الفن بسبب ذلك، وهنا تعاطف معه الكثيرون، ووقفوا إلى جانبه في منحته حتى تراجع عن هذا القرار، وآخر أصيب بمرض في جهاز النطق لديه، فتعرض لسخرية شديدة نتيجة اضطراب مخارج ألفاظه في عمله الفني، وهنا يجب أن أنصح المتنمر أنه في أي وقت من الممكن أن يصاب بمرض أو علة تأتيه فجأة وينقلب السحر على الساحر، لذلك يجب أن نراجع أنفسنا وضميرنا ونعلم أولادنا بأن كل واحد يجب أن يراعي مشاعر الآخر بغض النظر عن فكره أو ديانته أو جنسيته.
«ودان» حلمي
انتشرت في الآونة الأخيرة ما يعرف بظاهرة «التنمر»، وعن ذلك تقول الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيس مجلس أمناء مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق الإنسان، إنه ليس هناك في القانون المصري عقوبة للتنمر لأن ليس هناك جريمة بالقانون يطلق عليها «تنمر»، وإنما هو وصف للتمييز السلبي ضد البعض.
وقد تم تنظيم حملة لوقف التنمر بتمويل من منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة وبشراكة مع وزارة التربية والتعليم، وشارك بها مشاهير وفنانون من بينهم النجم أحمد حلمي الذي اعترف بتعرضه للتنمر اللفظي في الصغر، مثل «دمك تقيل.. ودانك (مطرطأة)، وغير ذلك»، وعن ذلك يقول حلمي: لا تشعر المتنمرين بأنهم نالوا منك، ونجحوا في التأثير عليك وفرضوا سطوتهم عليك، يجب ألا تحاول الهروب منهم، فذلك يزيد من رغبتهم في التنمر ضدك، لذا واجه الموقف بشجاعة، فإذا نظر المتنمر في عينيك بحدة لا تهرب منه، بل أُنظر إليه وقف طويلاً، وبذلك ترسل له رسالة قوية مفادها: «لا تعبث معي»، ولا تجعل ما يرددونه عن شكلك ومظهرك يؤثر عليك، وثق دوماً أنك جميل في كل حالاتك.
وأضاف حلمي أن تعرضه للتنمر في صغره، جعله يشعر وقتها بالضيق والحزن بسبب الكلمات التي لا يعرف هدفها، ولكنه لم يتركها تزعزع ثقته بنفسه، وبعد فترة من تفكيره في الأمر، وجد أن كل هذه الكلمات التي يتعرض لها ليست صحيحة، الأمر الوحيد الصحيح أن أذنيه كبيرة، ولكنه أخبر ذاته بأن الأمر خارج عن إرادته، من هنا تحدى ذاته، وقام بتحويل كل الكلمات التي تعرض لها إلى طاقة وقوة وصلابة، وأثبت لذاته أن هذه الكلمات ليست في محلها، ليصبح من أشهر فناني الكوميديا في الوطن العربي.
ذات البشرة السمراء
بريانكا تشوبرا إحدى أشهر الممثلات في بوليوود، كشفت أنها وقعت ضحية لظاهرة التنمر في مرحلة الطفولة والدراسة، والسبب الرئيس لهذا التنمر بشرتها السمراء، حيث كانوا يطلقون عليها لقب «الفتاة البُنية»، وعندما كانت لا تكترث للأمر، كانت تتعرض لتنمر أكبر من خلال التشاجر معها، لكن ثقتها بنفسها دفعتها أن تتحمل كل هذه الصعاب، وأن تثبت مكانتها وسط الجميع.