لا يخشى أي شخص في القاهرة كغيرها من المدن المصرية أن ينطلق مدفع الإفطار وهو لا يزال في الشارع حيث سيجد من يدعوه للإفطار، بل ويلح عليه بلا مقابل فموائد الطعام المجانية التي عرفها المصريون منذ عشرات السنين باسم «موائد الرحمن» لا يخلو منها شارع أو ميدان طوال شهر رمضان. (القاهرة) - هذا العام تأثرت «موائد الرحمن» بالحالة السياسية والاقتصادية التي تمر بها مصر منذ قيام ثورة 25 يناير؛ اختفت موائد شهيرة تردد عليها الفقراء وعابرو السبيل، وتقلصت مساحة موائد أخرى، وقلت نوعية وكمية الوجبات التي تقدمها. بعيدا عن الأضواء من الناحية السياسية أدى سقوط النظام السابق وحل الحزب الوطني إلى اختفاء موائد كبيرة كان يتكفل بتمويلها قيادات شهيرة في هذا الحزب، وأبرزها مائدة بحي السيدة زينب كان يتكفل بها د. فتحي سرور رئيس البرلمان المنحل، ومائدة أخرى بميدان الجيزة لرجل الأعمال محمد أبو العينين، وثالثة بشارع جامعة الدول العربية لرجل الأعمال أحمد عز وأخرى بحي الزيتون للدكتور زكريا عزمي، وموائد أخرى كان يحرص على إقامتها أعضاء البرلمان المنحل كل في دائرته الانتخابية، وكذلك موائد فنانات شهيرات مثل فيفي عبده ودينا ولوسي ويسرا وإلهام شاهين والتي كانت بميدان سفنكس وشارع شهاب بالمهندسين. وهناك شوارع رئيسية بالقاهرة كرمسيس والجيش والقصر العيني وعباس العقاد إلى جانب شارعي الهرم وفيصل بالجيزة كانت تكتظ في رمضان الماضي بموائد الرحمن، ويعرف الناس من يتكفلون بتمويلها سواء من رجال الأعمال أو الطامحين لمكانة سياسية، إلا أن الحال تغيرت بتلك الشوارع في أول رمضان بعد الثورة فقلت أعداد الموائد، وتوارى القائمون على تمويلها بعيدا عن الأضواء طمعا في القرب من الله وفعل الخير سرا. كما اختفت أعداد كبيرة أخرى من الموائد التي كانت تقيمها هيئات وجمعيات أبرزها تلك التي كان يشرف عليها بنك ناصر الاجتماعي بعدما اتجه البنك وفقا لتعليمات وزارة التضامن الاجتماعي - الجهة التابع لها - إلى توزيع «شنطة» رمضان على الفقراء خلال الأيام الأولى من الشهر الفضيل، نظرا لكونها وسيلة عصرية مناسبة لإيصال الطعام لمستحقيه في بيوتهم والمتعففين من دون التعرض للإحراج المتمثل في الجلوس على طاولة على رصيف أحد الشوارع، إلى جانب أنها تحد من حالة الفوضى والارتباك المروري التي تسببها موائد الرحمن. في المقابل انتشرت في أنحاء متفرقة من القاهرة والمدن المصرية موائد إفطار أقامتها القوات المسلحة تتركز في المناطق الشعبية والقرى الفقيرة، وتتولى فنادق وأندية ودور القوات المسلحة إعداد وجبات الإفطار لرواد تلك الموائد الرمضانية. كما انتشرت بكثافة وللمرة الأولى موائد إفطار أخرى تكفلت بإقامتها التيارات الإسلامية كالإخوان المسلمين، ولكن كمية ونوعية الطعام المقدم على تلك الموائد لم تضاه الموائد التي كان يقيمها أعضاء الحزب الوطني المنحل، كذلك الحال بالنسبة للموائد التي يتكفل بها عامة الناس في الأحياء الشعبية. الخلو من الرياء يرجع متطوعون بالعمل في تلك الموائد تراجع كميات الطعام ونوعيته في رمضان هذا العام إلى الغلاء وارتفاع أسعار كثير من السلع. ويقول شوقي عبدالمتعال (49 سنة)، مشرف على إعداد الوجبات بإحدى موائد الرحمن بمنطقة التوفيقية بوسط القاهرة «الموائد هذا العام مختلفة عن الأعوام السابقة فهي وللمرة الأولى تخلو من الرياء والمصالح الشخصية، والتودد للناخبين والرغبة في تحسين السمعة كما كان يحدث من جانب أعضاء الحزب الوطني المنحل وبعض رجال الأعمال». ويؤكد أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وصل إلى نحو 50 بالمائة تقريبا لاسيما اللحوم والسكر والأرز والزيت والسمن التي تعتمد عليها موائد الرحمن بشكل أساسي، موضحا أن إعداد موائد الرحمن يمر بعدة مراحل تبدأ باختيار المكان المناسب في الأحياء الفقيرة، والحصول على موافقة الحي كي لا تتعارض إقامتها مع حركة المرور في الشارع، ثم تقدير احتياجات المائدة من السلع الغذائية وفقا للأعداد المتوقع قدومها للإفطار، وشراء وتخزين ما تتطلبه المائدة على مدار الشهر، ويتم ذلك وفقاً لمقدار المال الذي تم تخصيصه من المتكفلين بإقامتها. ويشرح «هناك من يتبرع بالمال، وهناك من يتبرع بالجهد كأن يتولى الطبخ أو تقديم الطعام على المائدة أو غسل الأواني وتنظيفها كل حسب مقدرته»، منوها إلى أن موائد الرحمن نموذج للعمل التطوعي وللتكافل الاجتماعي بين الناس فجميع من يشارك بها يبتغي وجه الله. ويوضح عبدالمتعال أنه ومن خلال حرصه على التطوع بالجهد في موائد الرحمن لنحو 12 عاما مضت، «اكتشف أنه ليس كل من يتردد على المائدة من الفقراء والمحتاجين، وهناك عابرو السبيل الذين تأخروا في العودة للمنازل لظروف المواصلات أو الارتباط بالعمل، وهناك أيضا السياح الأجانب ممن يجدون في الجلوس على تلك المائدة نوعا من الفلكلور المحبب إلى النفس، وفي كل الأحوال يتم تقديم الطعام لمن يجلس على موائد الرحمن». غياب البهرجة اللافت أيضاً في موائد الرحمن هذا العام انخفاض سعة البعض منها من حيث عدد المقاعد، وكذلك انخفاض معدلات الإقبال على الشوادر والفراشة ومصابيح الكهرباء اللازمة لإقامتها هذا العام بدعوى التوفير. ويقول جمال أبوالعلا، صاحب أحد محلات الفراشة، وعضو شعبة الفراشة بالغرفة التجارية بالقاهرة «قلت كثيرا نوعية الموائد التي كان يهتم القائمون عليها بالبهرجة ولفت الأنظار إلى فخامتها من خلال نوعية الفراشة المستخدمة وإعداد مصابيح الكهرباء المضاءة أو تعليق لافتات تشير إلى من يتكفل بإقامتها في صدر المائدة»، مؤكدا أن كل ذلك اختفى في رمضان الجاري واقتصرت إقامة الموائد على الحاجيات الضرورية لها. ويضيف أن أسعار تجهيز الموائد تختلف تبعا لحجم المساحة التي تغطيها الفراشة ومصابيح الكهرباء وعدد المقاعد فيها.. ويقول المتطوع بمائدة الرحمن جلال عبد المقصود «هذه المائدة يتولى تمويلها حوالي 15 شخصاً من الميسورين من أبناء الحي طمعا في رضا الله، وذلك بمعدل تمويل يومين لكل فرد على مدار أيام الشهر الكريم، ويتراوح ما يتم تقديمه في هذه المائدة ما بين اللحوم أو الأسماك إلى جانب صنف خضراوات وطبق أرز وسلطة وآخر للحلويات كنافة أو قطائف، إلى جانب مشروب التمر هندي أو العرقسوس وهي وجبة معتدلة بلا إسراف أو تبذير وتفي بالغرض منها وهو إطعام الصائمين». ويوضح عبدالمقصود أن تكلفة المائدة الواحدة تقدر بنحو 12 ألف جنيه يومياً، ويتم إطعام رواد المائدة منها وما يتبقى من الطعام يتم توزيعه في علب وأكياس على الأسر الفقيرة في منازلها، لاسيما وأن هناك من يجد حرجا في الخروج من منزله والجلوس على مائدة الرحمن، وهؤلاء يتم توصيل الوجبات جاهزة إليهم قبيل أذان المغرب بوقت كاف». ويؤكد أن ارتفاع الأسعار أثر بدرجة كبيرة على نوعية ما تقدمه موائد الرحمن من طعام ومقداره؛ ففي العام الماضي كانت المائدة تقدم صنفين من الخضار إضافة إلى قطعتين من اللحم وطبق أرز كبير الحجم أما الآن فاقتصر الأمر على صنف واحد وقطعة لحم واحدة. مصر تستضيف 20 ألف مائدة رحمن يذكر تقرير صادر عن مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء المصري أن تكلفة موائد الرحمن على مستوى المدن المصرية تبلغ نحو 516 مليون جنيه، وتشمل أكثر من 20 ألف مائدة، في حين أن عدد الذين يأتون إليها يقارب مليوني شخص يوميا على مدار الشهر الكريم، فيما يبلغ متوسط تكلفة الوجبة للفرد الواحد نحو 9 جنيهات يومياً. وأوضح التقرير أن 83 بالمائة من رواد موائد الرحمن من الفقراء ممن تقل رواتبهم عن 10 جنيهات في اليوم، ونسبة الـ17 بالمائة الباقية ممن تأخر بهم الوقت للعودة إلى منازلهم تارة لدواعي العمل وأخرى لظروف المواصلات. ولفت التقرير إلى أن 90 بالمائة ممن يترددون على الموائد أكدوا أنها ليست المرة الأولى التي يتناولون فيها إفطارهم على موائد الرحمن، وأنهم ينظرون لها كمظهر للتكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع الواحد.