الارتجال الموسيقي (Improvisation Music)، أداء تلقائي وفقاً لخيال العازف أو المغني لعبارات لحنية مرتجلة، أو إجراء ارتجالات على لحن معروف دون إعداد مسبق، ويوازي الارتجال ويناظره (التقاسيم) في موسيقانا العربية. ويعود أصل الكلمة للاتينية (Improvisus) والتي تعني ما هو غير متوقع، وفي العربية ارتجل الكلام يعني تكلم به من غير تحضير وتهيئة. رعد خلف يعتمد الارتجال الموسيقي (الآلي والغنائي) على نسب الاطلاع والمعرفة العلمية الموسيقية والمخزون السمعي في الذاكرة، لأن كل تلك الأمور تكون أساساً متيناً لبناء هذا النسيج الموسيقي في الخيال أثناء الأداء، وهناك من يرتجل دون علوم أو دراية أو دراسة، فهو يقوم بذلك بالفطرة وخاصة فيما يتعلق بموسيقى الشعوب والموسيقى الفلكلورية. ويعتبر الارتجال أحد أهم أشكال الحرية الموسيقية في التعاطي مع الأفكار والأبعاد ورسم الصور بعيداً عن القوالب وأساسات التداول الموسيقي، وتلك الحرية الموسيقية تبني أوجهاً عملاقة مع الجمهور، وحواراً لا ينتهي فيما بينهم، ويتعمد المؤدي الموسيقي في الارتجال جذب أذن المشاهد المستمع إلى حيث يريد من تفاصيل الأبعاد الدرامية. واعتبر الارتجال (الآلي) مادة لتقديم فهم العمق الفني، بالإضافة لتقديم أوسع أشكال التقنيات التي يملكها على آلته، أما الارتجال في (الغناء) فغالباً ما يكون للتطريب، لإيجاد زخارف لونية وصوتية أبعد مما تقدمه الأغنية بحد ذاتها، ولإيصال المستمع لنشوة النغم العالي الطربي. تقاليد كانت الموسيقى في العهود القديمة مرتجلة في غالب الأحيان، وكان الشعراء الجوالون (Troubadours) الأوروبيون في العصر الوسيط (من القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن الثالث عشر) يجوبون البلاد غناءً وعزفاً على آلاتهم الموسيقية ارتجالاً، ومن ثم حفظ هذه التقاليد أيضاً في الموسيقى الكنسية لحقبة طويلة وأصبحت تقليداً مميزاً لها. وكان كبار الموسيقيين في القرنين السادس والسابع عشر يرتجلون ألحانهم الموسيقية عزفاً على (الأورغن والكلافيسان). وهناك ارتجالات قام بها مؤلفون موسيقيون في لحظة ما، أصبحت لاحقاً قطعاً موسيقية مدونة حتى أن البعض منها قد سمي بالارتجالات. وهناك أيضاً في الموسيقى العالمية الغربية ارتجال يدعى (كادانس) ويعني (قفلة) (Cadenza) وهو مقطع موسيقي تتضمنه إحدى حركات الكونشرتو (Concerto) أو الأغنية في الأوبرا أو غيرهما، ويرتجله المغني أو العازف ليبرز مهارته في الأداء، ومع بداية القرن الثامن عشر تم تحديد شكل (الكادانس) من قبل المؤلفين الموسيقيين كي يصبح هذا الارتجال مدروساً ومدوناً ضمن مخطوطة العمل، وغالباً ما كان بعض المؤلفين الموسيقيين يستعينون بالعازفين أو المغنين الإفراديين لبناء هذا الارتجال المدروس كي يقدموه بأفضل الصيغ. إثراء لقد لعب الارتجال دوراً مهما خلال القرون الماضية لما له من دور عظيم في إثراء المؤلفات الموسيقية وتنمية الخيال لدى المؤلف والفنان المؤدي، وقد مر الارتجال بمراحل متنوعة خلال العصور المختلفة إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن، وكما تحدثنا سابقاً فإن الصلة بين العلوم الموسيقية من النظريات إلى تدريب السمع أثرت وبشكل مباشر على مادة الارتجال. ففي عصرنا الحالي أخذ الارتجال مكانته العلمية في الكثير من المعاهد والجامعات وأصبحت مادة دراسية علمية. وعلى سبيل المثال، ففي عالم موسيقا (الجاز Jazz)، يعتبر الارتجال أحد أهم أركان تلك الدراسة، وبالأساس فهو يستند إلى علوم هذا النمط الموسيقي في بناء اللحن وترتيب الأكوردات المرافقة له والنظم الإيقاعية وعلمية التنقل بين المقامات، ولكن هناك شرطية أساسية لهذا الموضوع، أو بالأحرى الارتجال بشكل عام، فامتلاك الموهبة بالفطرة والسمع العالي الموسيقي أساس ضروري لتقديم مادة الارتجال. موضوع مهم آخر هو الارتجال الجماعي والذي نسمعه في موسيقا الجاز بالذات، فهي معرفة مسبقة للخط اللحني أو الهارموني للمادة المرتجلة، ثم بناء هذا الارتجال في البروفات أو الحفلات بشكل تلقائي، وهذا أيضاً يتطلب من مجموعة هؤلاء العازفين موهبة سمعية عالية للاختلاط بالمجموعة وأداء الخطوط الارتجالية. تقاسيم كذلك الموسيقا العربية التي اعتمدت مبدأ الارتجال منذ القدم والذي هو من أصول الموسيقا الشعبية بالأساس، حتى أن الكثير من المغنين كانوا يرتجلون الشعر مع الموسيقا أثناء الغناء مما جعل السقف الفني لهذا الأداء عالياً جداً ولدراية المؤدي باللغة واللغة الموسيقية بشكل متقن ومدروس. ونرى ذلك يتجلى خاصة في الإنشاد الديني (الفردي) وبالأخص الصوفي منه، وبالطبع فقد انحسر هذا النمط الفني في الأداء وأصبح من النوادر في بلداننا العربية، ولكن ما بقي من عالم الارتجال هو قراءة (القرآن الكريم) والذي ما زال إلى يومنا هذا يعتمد على مادة الارتجال الموسيقي، وبالطبع لا يستطيع الشيخ القارئ أن يؤدي التلاوة في (القرآن الكريم) دون دراية ومعرفة موسيقية في علم المقامات العربية وأصل النغمات وترابط الجمل اللحنية وعلوم التجويد، وكل ذلك يصب في حسن الأداء وانتقاء النغمات والمقامات للآية المعينة بغية نقل الإحساس الكلامي وأبعاده وتفسيراته. ويظل الارتجال الموسيقي لقراءة (القرآن الكريم) أحد أصعب أشكال الارتجال الموسيقي في العالم. لقد أصبح للارتجال الموسيقي مسابقاته الدولية، وفي منطقتنا أيضاً (الغناء والأداء الآلي)، وفي أوروبا هناك مهرجانات لموسيقا الجاز تعني فقط بشؤون الارتجال الموسيقي الآلي والغنائي. الغجر وفي حديثنا عن الشعراء الجوالين (التروبادور) وغنائهم وعزفهم، وعن حرية الفن من منطلق الأداء الارتجالي والعلاقة مع الجمهور، نصل إلى طائفة (الغجر) الذين جمعوا كل تلك الصفات في قومهم، وهذا الترحال والتنقل الدائم جعل لموسيقاهم معنى وأسلوب، وعلى رأسه حالة الارتجال، ونرى أن هذا الترحال وبعد أن وصل إلى أوروبا، وجد لنفسه صيغة اختلاط بينه وبين موسيقا المناطق التي سكنها، وبالأخص رومانيا وهنغاريا، وتلك الأخيرة كان لها النصيب الأكبر من هذا الاختلاط حتى أن البعض أصبح يشك سمعياً في المادة الموسيقية الهنغارية الغجرية، تلك التي ألهمت الكثير من المؤلفين الموسيقيين لكتابة أعمال جادة انطلاقاً من هذا النمط الموسيقي على سبيل المثال (رابسودي) المؤلف الموسيقي الشهير (فرانز ليست) و(رقصات هنغارية) للمؤلف الموسيقي (يوهان برامز). وعلنا نجد في هذه الأنماط الموسيقية دلالات ارتجالية ومما تحدثنا عنه سابقاً عن أن الكثير من الارتجالات الموسيقية التي أصبحت لاحقاً موسيقا مدونة وبأسماء مختلفة، فالحرية في الحركة اللحنية، والتنوع الإيقاعي وتغيراته السريعة والنقلات المقامية داخل اللحن والمرافقة كل ذلك يذكرنا بأسلوبية أداء الارتجال، والأداء الارتجالي الغجري فطري بسيط، وهو خليط متجانس ومزج لمجموعة من الألوان الموسيقية (طبقاً لترحال الغجر) بدءاً بالموسيقا الهندية وانتهاءً بالأوروبية. الفلامنكو الحالة الفنية الأخرى التي تتمتع بزخم عال من الارتجال والمعروفة باسم (الفلامنكو) الإسباني، وهو أيضاً خليط عبر التاريخ بين الموسيقا الغجرية الهندية والعربية الأندلسية والمحلية الإسبانية، ويتمتع هذا اللون الموسيقي بالتجانس الموسيقي والإيقاعي والراقص معاً، ومصاحباً أحياناً بالغناء، ولعل تلك الموسيقا قد أثرت سمعياً في العالم ككل لما لها من ميزة فائقة وخاصة، وفي معرض حديثنا عن الارتجال ففن الفلامنكو وخاصة الموسيقي منه والمرتبط بالآلة الإسبانية الشهيرة (الغيتار)، قد لعب دوراً عالمياً كبيراً في إيجاد صيغ وحلول موسيقية جديدة لعالم الارتجال والمرتبط أصلاً بهذا الفن الشعبي (الفلامنكو) بنوعية الآفاق اللحنية وطريقة أداء المرافقة اللحنية (مجموعة غيتارات) والتصفيق المرافق والذي يؤدي الدور الإيقاعي الملازم للمادة الموسيقية المرتجلة. وفي الدخول لعمق وأساسات الارتجال، فرغم عفوية الموقف والتأليف الموسيقي الآني، إلا أن العازف أو المغني المرتجل يرسم في ذهنه الخط اللحني الأول والأساسي والذي من خلاله سيستطيع التفرع أو الانتقال نحو مقامات أخرى أو صيغ لحنية تفرعية جديدة، زد على ذلك فالآلات التي تملك سمة المرافقة مع اللحن وعلى سبيل المثال (البيانو) في فن الجاز الموسيقي، فهنا يشترك المفهوم العلمي والتقني والدراسة الكاملة لتلك الآلة أولاً، ثم البحث عن اللحن ضمن نسق وحركة اليد اليمنى، وشكل ونمط وإيقاع المرافقة الهارمونية في اليد اليسرى. ويقول البعض أن هذا النمط من الارتجال أسهل وأكثر متعة، لكن الشرق يقول أن قارئ المقام أو مغني الموال والليالي وتطريبه يعلو بكثير تلك الحالة الغربية، فالمغني الذي يرتجل المادة الموسيقية على ما تكون لديه من الصعوبة الشديدة والحصر الفكري في لحظات الأداء لإيجاد أبعاد لحنية واحدة تضم معاني الكلمات ويتصاعد ويتفاعل معها أيضاً، مضيفاً لذلك الزخرفة والتزيين في الأداء الصوتي. ارتجال غنائي في الغناء العربي عرفت أشكال الارتجال الموسيقي بألوان وأنماط وأسماء مختلفة منها: (الزجل، الموال، الليالي)، ولكل شكل أسلوبه ومكانته في الأداء وموقعه داخل الأغنية بشكل عام، ومنها ما هو باللغة العامية كنمط (الزجل)، ومنها ما هو باللغة العربية الفصحى (الموال أو الليالي) وبالطبع ليس بشكل دائم، أما الأداء الآلي أو الارتجال على آلة موسيقية ما فيسمى عندنا (تقاسيم). منير بشير منير بشير هو أحد أهم الموسيقيين العرب وعازفي العود في التاريخ، أرسى أسساً تعلمية كبيرة لهذه الآلة، بالإضافة إلى مكتبة مهمة من المؤلفات الموسيقية والتي كانت بداياتها (ارتجال). لقد استطاع منير بشير عن طريق آلة العود، تقديم أنواع مختلفة من أنماط الارتجالات خاصة من خلال مشاركته حوارات موسيقية مع عازفين عالميين معروفين، ومنهم عازف السنطور الإيراني (مالك حسين) وعازف السيتار الهندي (رافي شنكار).