فتاوى
يجيب عنها المركز الرسمي للإفتاء بالدولة
ما حكم ذهاب النساء للمساجد لِحضور صلاة الجماعة؟ وما حكم كشف وجوههنَّ عند ذهابهن إلى المساجد؟
اعلم رعاك الله، أنه يجوز للمرأة أن تخرج لِحضور صلاة الجماعة والجمعة في المسجد، والأفضل لها أن تصلي في بيتها، فهذا أعظم أجراً وأكثر ثواباً، فقد روى أبو داوود وغيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا».
قال الإمام الحطاب المالكي رحمه الله في مواهب الجليل: وقال الشيخ أبو الحسن قال يحيى بن يحيى: أجمع الناس على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد إلا المُتجالَّة التي انقطعت حاجة الرجال منها فلا بأس أن تخرج. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ ولْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ»، فهو دليل على الجواز المشروط لا الأفضلية، وقد أورد هذه الشروط الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم فقال: هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهو ألا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها.
كما يجوز لها أن تأتي أي مسجد من المساجد دون أن تستر وجهها وكفيها؛ لأن الوجه والكفين ليسا بعورة عند جمهور الفقهاء، طالما التزمت الحجاب الشرعي، وهو أن تستر جميع بدنها بلباس لا يصف جسمها ولا يجسم عورتها، وأما لبس النقاب فليس فرضاً، والله أعلم.
هل يجب أن تكون صلاة السنة في المسجد؟ وهل يجوز أداء سنة صلاة الصبح في البيت، وبعد ذلك التوجه إلى المسجد لأداء صلاة الصبح؟
صلاة النوافل المطلقة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، ففي صحيح البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «... فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا الْمَكْتُوبَةَ».
وأخرج الإمام ابن ماجه رحمه الله عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِي أَوْ الصَّلاةُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: أَلا تَرَى إِلَى بَيْتِي مَا أَقْرَبَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلَأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَلاةً مَكْتُوبَةً».
وأما صلاة السنن كالوتر والكسوف والعيدين والاستسقاء، والرواتب التي تفعل قبل أو بعد الفرائض، فيصح أداؤها في البيت، ولكن الأفضل فيها أن تكون في المسجد.
قال العلامة النفراوي المالكي رحمه الله تعالى في الفواكه الدواني: «وأما صلاة النوافل المقابلة للسنة ففي البيوت أفضل لخبر: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلا الْمَكْتُوبَةَ»، إلا التراويح إذا كان يلزم من فعلها في البيوت تعطيل المساجد، وأما الرغائب والسنن كالوتر والكسوف والعيدين والاستسقاء ففي غير البيوت أفضل، فيندب فعلها في المسجد، كما يندب لغريب المدينة التنفل بمسجده صلى الله عليه وسلم».
وقال العلامة الدسوقي المالكي رحمه الله تعالى في حاشيته على الشرح الكبير: «يحمل كلام المصنف على الرواتب، فإنَّ فعلها في المساجد أولى كالفرائض بخلاف نحو عشرين ركعة في الليل أو النهار نفلاً مطلقاً، فإن فعلها في البيوت أفضل مالم يكن في البيت ما يشغل عنها». وبناء على ما تقدم فأداء سنة الصبح في المسجد أفضل من صلاتها في البيت.
هل يجوز استعمال أواني غير المسلمين في الأكل والشرب؟ وهل لا بدَّ من غسل إناء شرب فيه غير المسلم؟
لا بأس باستخدام الأواني والآلات التي يستعملها غير المسلمين لطعامهم وشرابهم بعد غسلها، ودليل ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه الذي في الصحيحين، وفيه أنَّه قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ.. فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا....».
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على مسلم: «وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ قَالَ: إِنَّا نُجَاوِر أَهْل الْكِتَاب وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورهمْ الْخِنْزِير وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتهمْ الْخَمْر...» وذكر الحديث.
والمراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود المتقدمة، وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار، وكونها معتادة للنجاسة، كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة. وأما أواني غير المسلمين التي لا يأكلون فيها الخنزير ولا يشربون فيها الخمر، فيجوز استعمالها إذا غسلت، ولا كراهة فيها بعد الغسل، سواء وجد غيرها أم لا.
تكثر العزائم والولائم في شهر رمضان، وعادة يتبقى كثير من الطعام في الثلاجة أياماً بعدها، مما أضطر للتخلص منه في سلة المهملات، فهل أنا أؤثم على ذلك؟
تحدث السادة المالكية عن التبذير، وعدوا إتلاف المال وطرحه من الأسباب التي يحجر على الإنسان بسببها. فقد قال الشيخ الصاوي المالكي في حاشيته على الشرح الصغير ما نصه: (وَالسَّفَهُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْحَجْرِ هُوَ التَّبْذِيرُ: أَيْ صَرْفُ الْمَالِ فِي غَيْرِ مَا يُرَادُ لَهُ شَرْعاً، إلى أن قال، أَوْ صَرْفِهِ فِي شَهَوَاتٍ نَفْسَانِيَّةٍ عَلَى خِلافِ عَادَةِ مِثْلِهِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبُوسِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ بِإِتْلافِهِ هَدَرًا كَأَنْ يَطْرَحَهُ عَلَى الأَرْضِ أَوْ يَرْمِيَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ مِرْحَاضٍ، كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ السُّفَهَاءِ يَطْرَحُونَ الأَطْعِمَةَ وَالأَشْرِبَةَ فِيمَا ذُكِرَ وَلا يَتَصَدَّقُونَ بِهَا.
ومما تقدم نعلم عدم جواز هدر المال وإتلاف النعم التي أنعم الله بها علينا، فإن كانت زائدة عن حاجة الإنسان مثل الطعام الذي ذكرت فلا يجوز أن يمسكه حتى يفسد، بل يعطيه للفقراء والمساكين إن وجدوا، بدلاً من وضعه في الثلاجة حتى يصل إلى مرحلة لا يؤكل فيها، أو يستهلكه في أي طريقة أخرى مثل إطعامه بهيمة بشرط ألا يكون وصل إلى مرحلة الفساد المؤذي.
وما أجمل مشروع حفظ النعمة الذي قامت به الإمارات وبعض الدول الإسلامية، حيث يؤخذ الطعام الزائد ويوزع على الفقراء بعد أن يعاد ترتيبه، وما في ذلك من ستر لأحوال الفقراء المتعففين الذين يصبرون على الجوع فيصلهم الطعام ولا يعرفون مصدر الطعام ولا يعرف صاحب الطعام الشخص الذي سيأخذه.
في مساجد الدولة هناك مصاحف مكتوب في صفحتها الأولى: (من أهل الخير في الإمارات إلى مسلمي العالم)، فهل يجوز لي أخذ نسخة من هذه المصاحف طالما أنه لم يكتب عليها وقف لله تعالى، أم إن هذه المصاحف تعتبر وقفاً لهذا المسجد بمجرد وضعها فيه، وبالتالي لا يجوز نقلها منه أو أخذها؟
اعلم أنه يجوز عند أكثر أهل العلم وقف المصاحف لقراءتها، وكذلك وقف الكتب العلمية، قال الشيخ خليل في مختصره: «(صح وقف مملوك وإن بأجرة)، ومعناه أن كل ما يجوز تملكه يجوز وقفه قال الدرديري: (سواء كان ذاتاً أو منفعة)، فدخل في ذلك الكتب والمصاحف وما أشبهها مما فيه منافع دينية خاصة لقراءة كتاب الله تعالى.
فإذا اشترط الواقف شرطاً، وكان هذا الشرط جائزاً وجب اتباع هذا الشرط، قال الشيخ خليل مع شارحه الدرديري: (واتبع) وجوباً (شرطه)، أي الواقف (إن جاز) شرعاً ومراده بالجواز ما قابل المنع فيشمل المكروه ولو متفقاً على كراهته، فإن لم يجز لم يتبع ومثل للجائز بقوله: (كتخصيص مذهب) من المذاهب الأربعة بصرف غلته عليه، أو بالتدريس في مدرسته).
وعليه فنقول إذا كتب على هذا المصحف: (وقفاً لمسلمي العالم) أو (وقفا لله تعالى)، وكان موجوداً داخل المسجد فالغالب في هذا النوع أن يكون مقصود الواقف وقفه داخل المسجد، وعليه: فلا يجوز إخراجه ومثل ذلك المصاحف التي وضعتها الجهات المعنية برعاية المساجد، فهي لا تقصد التوزيع وإنما تقصد وقفها؛ ولأن في إخراجها من المسجد قصر الانتفاع بها على شخص واحد بدل كثير من المصلين رواد هذا المسجد، وعليه فلا يجوز إخراجها انطلاقاً مما ذكرنا سابقاً من وجوب اعتبار شرط الواقف، والله تعالى أعلم.