المعايدة الإلكترونية كلمات معلبة تجعل التواصل بارداً
وسائل الاتصال التي من المفترض أنها تقرب المسافات بين الأهل والأصدقاء، وتعمل بلمح البصر على إحاطتنا بكل جديد بغض النظر عن الزمان والمكان، هي نفسها التي تأخذ منا اليوم مشاهد التراحم الأسري والألفة الاجتماعية. وإذا كان العيد مناسبة ننتظرها جميعاً لنعبر من خلالها عن مظاهر الفرح التي تتجلى بزيارة الأقارب والالتقاء بمن أبعدتنا عنهم مشاغل الحياة، فإن ثمة من أحدث تغييراً في هذه المعادلة. ما أن تغيب شمس اليوم الذي يسبق العيد حتى تنهال على الجميع رسائل المعايدة التي تصل عبر «الموبايل» حاملة معها أطيب التمنيات والمباركة بالمناسبة السعيدة. كلمات رقيقة تعبر بخلال لحظات عن مشاعر نبيلة، تجعل مرسلها مطمئناً كونه أدى واجبه. وتفرح متلقيها الذي بدوره يجد نفسه وبكل طيب خاطر يرد المعايدة بالطريقة نفسها مستعملاً عبارات مماثلة يرسلها تقنياً. وهكذا فإن الأمر لا ينطبق على المعارف والزمالة المهنية، وإنما يتعداه ليصل أحياناً كثيرة إلى أفراد العائلة الكبيرة الذين ما عادوا يجدون ضرورة في التزاور حتى في أهم المناسبات. والحجة الحقيقية ليست دائما بعد المسافات، لأن الواجبات الإلكترونية باتت أمراً يستسهله القريب والبعيد ممن خمدت بداخلهم نية التراحم والتواصل.
عبارات جاهزة
لا تقتصر أوجه المعايدة في العصر الحديث على رسائل الـ «أس أم أس» وحسب، وإنما هنالك أيضاً البطاقات الإلكترونية التي تصل بواسطة الإنترنت عبر الرسائل البريدية. وكذلك محادثات الدردشة التي باتت تفي بالغرض سواء خلال أيام العيد أو في أي يوم آخر. أما باقات الورود التي تحمل عبارات المعايدة المعلبة غير المخصصة لشخص بعينه، فهي هذه الأيام أكثر ما يزين صفحات «الفيسبوك» و»التويتر» وسواها. فهل تعوض هذه البدائل المستحدثة عن المعنى الحقيقي للتزاور في العيد وتقديم التهاني بالأحضان والمصافحة والقبلات؟
أمل المزروعي، التي تصلها عشرات رسائل المعايدة الإلكترونية مع كل مناسبة دينية أو اجتماعية، تذكر أنه على الرغم من فرحتها بالأمر غير أنها تحمل بداخلها عتباً كبيراً على كل من يقصر في واجبها ويكتفي بالرسالة بدلا من الاتصال. تقول «إذا كانت الدنيا تشغل الناس وتعوق عليهم إمكانية القيام بواجب الجميع في العيد، فلماذا يكتفون بالكلمات المرسلة ولا يكلفون خاطرهم التحدث عبر الهاتف؟» وتعتبر أنه من غير المقبول اجتماعياً أن تحل العبارات الجاهزة التي ترسل من شخص لآخر مكان التواصل الحسي مع أقرب الناس. وتضيف «هذا للأسف ما هو حاصل ليس فقط في مجتمع الإمارات وإنما في مختلف المجتمعات التي لم تعد تولي العادات والتقاليد الاجتماعية القدر نفسه كما في أيام آبائنا وأجدادنا».
ويتحدث سالم المنهالي بالطريقة نفسها، مستغربا من اختلاف المشهد العام في العيد مقارنة بالفترة الزمنية القريبة. ويضيف «صحيح أن وسائل الاتصال سهلت علينا الكثير من الأمور التي لا ننكرها لأننا نحتاج إليها في حياتنا ونعترف بأهميتها في قضاء الكثير من الأمور بأقل قدر من التعب. لكن هذا لا يعني أن نستعملها في كل شيء وأن نجعلها بديلا عن واجبات لا يمكن أن تقضى إلا على الصعيد الشخصي». ويشير إلى أن الأمر لا ينطبق فقط على التزاور في العيد، وإنما كذلك على تقديم التهاني في مناسبات كثيرة أخرى مثل المباركة ما بعد حفلات الزفاف والاطمئنان على المرضى من الأقارب سواء أثناء وجودهم في المستشفى أو بعد عودتهم إلى البيت. ويؤكد المنهالي «الأمر ينسحب على تقديم التعازي التي للأسف باتت تتم عبر رسائل نصية قصيرة يرسلها المعزي ببرودة ويقرأها صاحب العزاء ببرودة مماثلة ثم سرعان ما يمحيها عن جهازه».
ميزانية خاصة
من جهته، يروي إبراهيم حسن ذكرياته عن أجواء العيد أيام زمان حين كانت البيوت تمتلئ بالزوار مع ساعات الصباح الأولى. فيقول «كانت العائلات تمضي أوقاتها في العيد ما بين الاستقبال والقيام بزيارات المعايدة، وأحيانا كثيرة يتبادل الأشخاص أنفسهم الزيارات فيما بينهم كي لا يعتب أحد على الآخر». ويعتبر أنه من المبرر أن تتلاشى مثل هذه العادات الجميلة لأن وقع الحياة قد تغير، ولم يعد بمقدور الناس أن يلبوا كل متطلبات الأسرة وفوقها القيام بواجبات الأقارب والجيران. ويضيف «أنا لا أجد أنه من الخطأ الاكتفاء بالمعايدة عبر الهاتف أو الإنترنت وما شابه، طالما أن النية موجودة، ولكل شخص ظروفه». ويأتي على ذكر نقطة مهمة وهي أن المعايدة بهذه الطريقة توفر على البعض تكلفة الحلويات التي سيحضرونها معهم كهدية لمناسبة العيد، لافتا إلى أن القيام بعدة زيارات خلال العيد يحتاج إلى ميزانية خاصة لا يتحملها الجميع.
وتوافقه الرأي منيرة الطبش، التي تجد أن أمورا كثيرة تغيرت في الحياة، وأن نفوس البشر لم تعد كما في السابق. وتوضح «كانت المعايدة من قبل تأتي من القلب تسبقها المحبة والألفة والحرص على أحوال الأقارب والجيران. أما اليوم فلم نعد نلمس هذه المشاعر الصادقة إلا في حالات نادرة». وهذا برأيها ما يجعل المباركة عبر وسائل الاتصال أمرا طبيعيا في ظل اختلاف المعنى الحقيقي للمعايدة. وتقول «أنا شخصيا أرسل كلمات التهاني بالعيد وبأي مناسبة عامة إلى كل الأسماء المحفوظة على «موبايلي» كنوع من التواصل. ولا أفرق بين شخص وآخر في مضمون الرسالة التي أرسلها». وهي في الوقت نفسه تستقبل مثل هذه الرسائل، ولا تتقصد أن تزور أحدا في العيد إلا بيتي أهلها وأهل زوجها، حيث تصطحب أبناءها لقضاء اليوم بكامله.
فرحة لا تكتمل
تعلق ربى الأمير على الموضوع، قائلة «لا يمكن تعميم الخطأ أو الصواب في هذه المسألة، لأن ما ينطبق على المقيمين في الغربة لا ينطبق على المواطنين من أبناء البلاد. فمن يعيش من دون أهله، لا يمكن أن يتواصل معهم في العيد إلا عبر الرسائل والمحادثات الهاتفية. أما السكان الأصليون فلا أعتقد أنهم يكتفون بإرسال الرسائل الإلكترونية، لأننا جميعا نلمس شدة حرصهم على العادات والتقاليد». وتذكر أنها تحاول سنويا أن تسافر إلى بلدها لتمضي إجازة العيد مع أهلها لأن أي فرحة من دونهم لا تكتمل. وتضيف «أحيانا لا أقدر على ذلك لأن ظروف أبنائي الدراسية قد تمنعهم من مرافقتي وأنا لا أسافر من دونهم». وحتى تحافظ على فرحة العيد، تقوم مع أسرتها بتبادل الزيارات بين الأصدقاء وتنظيم المشاريع المشتركة للخروج في نزهات يستمتع بها الجميع. «وهذا عندي أغلى بكثير من أن أتلقى بطاقة معايدة عبر النت قد تسعدني للحظات لكنها لن تزرع أجواء العيد في نفسي».
ويعرب طلال عبد الحميد عن رأيه بالقول «من الجميل أن تصلنا رسائل المعايدة بالعيد وأن نفتح بريدنا الخاص ونفاجأ ببطاقة معايدة منمقة، كما أنه من الجميل أن نتلقى الاتصالات الهاتفية من أشخاص تبعدنا عنهم المسافات. لكنه من الأجمل أن يدق باب بيتنا منبئاً بقدوم المهنئين مع صبيحة العيد». فهذه الفرحة بالنسبة له لا توازيها أي فرحة أخرى لأنها ترتبط بمشاعر الطفولة التي يكبر عليها الصغار.
ويستغرب الإهمال الحاصل بين أقرب الناس الذين ما عادوا يتزاورون في العيد لأنهم يفضلون الخروج مع أسرهم إلى الفنادق أو المطاعم. «فمن يظن أن رسالة إلكترونية تقوم عنه بالواجب، فهو مخطئ وأنا متأكد أن الحنين للهفة الأحباب سوف يعيد هذه العادات القيمة إلى موقعها الصحيح في القريب».
المصدر: أبوظبي