انتهت وزارة المالية المصرية من إعداد مشروع قانون جديد يسمح بإصدار صكوك إسلامية واستخدامها آلية تمويل لسد عجز الموازنة العامة للدولة. ويستهدف القانون الجديد تنويع أدوات تمويل عجز الموازنة وإتاحة الفرصة أمام البنوك الإسلامية للاستثمار في أدوات الدين السيادية سواء التي يصدرها البنك المركزي مباشرة في شكل سندات أو التي تصدرها وزارة المالية على شكل اذون خزانة. وتعجز هذه البنوك في الوقت الحالي عن شراء السندات والأذون لارتباط هذه الأدوات بأسعار فائدة ثابتة ومحددة سلفاً بما يتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية. وتسعى وزارة المالية من إصدار قانون للصكوك الإسلامية إلى توسيع قاعدة البنوك التي تستطيع تمويل عجز الموازنة بعد أن كانت هذه العملية مقصورة على البنوك التجارية التقليدية التي تتعامل بأدوات الدخل الثابت أو العائد المحدد مسبقاً، وبالتالي لا تجد وزارة المالية مستقبلاً مشكلة في دخول بنوك إسلامية على خط تمويل عجز الموازنة.. نفاد السيولة وتأتي هذه الخطوة بعد شكاوى العديد من البنوك التجارية خلال الفترة الأخيرة من قرب نفاد السيولة المالية المتاحة لديها لشراء سندات وأذون خزانة، حيث إن القانون يحدد سقفا معينا للاستثمار في هذه الأدوات بحيث لا يتجاوز نسبة محددة من الإيداعات لدى البنوك، وبالتالي فإن هذه البنوك لن تستطيع مستقبلا شراء السندات والأذون مما يهدد بعدم القدرة على تدبير التمويل الكافي لسد عجز الموازنة البالغ في العام المالي الجاري 2012- 2013- نحو 135 مليار جنيه.. وهو عجز مرشح للوصول إلى نحو 150 مليار جنيه مع إتمام الحسابات الختامية للموازنة خاصة مع استمرار تدهور مؤشرات الاقتصاد الكلي وإمكانية وصول عمليات الاقتراض الداخلي من البنوك إلى طريق مسدود. وتهدف الصكوك إلى توسيع عمل البنوك الإسلامية مع ظهور مؤشرات على تنامي حجم الصيرفة الإسلامية في السوق المصرية خلال الفترة الأخيرة لاسيما بعد ثورة 25 يناير، حيث تشير تقديرات الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي إلى أن حجم الصيرفة الإسلامية يدور حول 8% من حجم السوق المالية في مصر في الوقت الراهن. وبصدور هذا القانون سوف تتمكن وزارة المالية من إصدار صكوك تمويل ذات عائد متغير في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الدين الحكومي وبالتالي سوف تقدم نحو خمسة بنوك إسلامية عاملة في السوق حالياً هي “البركة مصر” و”المصرف المتحد” و”فيصل الإسلامي المصري” و”الوطني للتنمية - أبوظبي الإسلامي” و”الاتحاد الوطني - مصر” على شراء هذه الصكوك. وتقدر دوائر مالية أن حجم الصكوك التي سيتم طرحها والتي ستكون متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية سوف يدور حول نسبة 10% على الأقل من عجز الموازنة أي في حدود 15 مليار جنيه في أول اختبار لمثل هذه الأداة المالية الجديدة، الأمر الذي من شأنه تخفيف الأعباء عن البنوك التقليدية وإتاحة الفرصة أمامها لتوجيه مبلغ مماثل لتمويل أنشطة القطاع الخاص بدلاً من التركيز على تمويل عجز الموازنة مثلما كان متبعاً خلال الأشهر الأخيرة وتسبب في انكماش ائتماني بالسوق المصرية. هيئة رقابة شرعية وحسب معلومات حصلت عليها “الاتحاد”، فإن مشروع القانون يتضمن إلزام البنك المركزي بوجود أو استحداث هيئة للرقابة المالية الشرعية تبحث مدى توافق هذه الصكوك وشروط إصدارها مع مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وتضم هذه الهيئة خبراء تمويل ومصارف وكبار علماء الدين ولا يتم إصدار الصكوك إلا بتصريح من هذه الهيئة. كما يسمح القانون الجديد بإمكانية شراء الأفراد لصكوك التمويل الإسلامية وعدم اقتصارها على البنوك الإسلامية أو المؤسسات المالية الأخرى، الأمر الذي يفتح باباً جديداً لاستثمار فوائض مدخرات الأفراد في أوعية استثمارية جديدة متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. ويمهد القانون الطريق أمام استخدام آلية الصكوك الإسلامية ليس لتمويل عجز الموازنة العامة فحسب، بل لتمويل المشروعات الجديدة مما يحدث انتعاشة قادمة في سوق التمويل ويتيح خيارات متنوعة أمام الشركات الراغبة في الحصول على هذا النوع من التمويل ويؤدي بمرور الوقت إلى انخفاض تكلفة القروض. وحسب هذه المعلومات أيضاً، فإن هناك اتجاها حكوميا يستهدف سرعة إصدار القانون ودخوله حيز التنفيذ خلال مدى زمني قصير نسبيا للاستفادة منه في تدبير احتياجات الموازنة خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2013 لا سيما حال تعذر الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهو ما سيدفع الحكومة إلى اللجوء إلى أشكال التمويل المحلي كافة لمواجهة متطلبات هذا العجز. ويرى خبراء اقتصاديون أن دخول صكوك التمويل المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية بداية لظهور آليات التمويل البديل في السوق المصرية مما يكسر احتكار آليات التمويل التقليدية التي عانتها السوق لفترات طويلة سواء بسبب تعقيدات الضمانات والرهون الخاصة بها أو بسبب ارتفاع تكلفة هذا التمويل، حيث إن أسعار الفائدة عليه مرتفعة خاصة خلال الأشهر الأخيرة، حيث تجاوزت 16% سنوياً، وهو مستوى مكلف للغاية ولا تستطيع الشركات المقترضة تحمله في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها القطاع الخاص المصري. تخفيف العبء ويشير الخبراء إلى أن صكوك التمويل تأتي استجابة لمطالب العديد من المتعاملين في السوق المالية في مصر وإلى أنها تلبي احتياجات بنوك ومؤسسات وأفراد يرغبون في قصر تعاملاتهم على الأدوات الاستثمارية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية ومن ثم فهي تمثل اختياراً آخر أمام صاحب القرار الاستثماري. في الوقت نفسه، تخفف الأعباء عن الدولة حال لجوء وزارة المالية لهذه الصكوك لسد عجز الموازنة؛ لأن سعر الفائدة المتغير سوف يكون في كل الأحوال أقل تكلفة من سعر الفائدة الثابت على السندات والأذون التي يجري طرحها حالياً ويبلغ 16% سنوياً في المتوسط. ويقول رائد علام، رئيس إحدى شركات الاستشارات التمويلية، إن سوق التمويل المصرية تمر في الوقت الراهن بمنحنى خطير يتمثل في التراجع المستمر لمعدلات السيولة لدى البنوك وتنامي العجز في الموازنة العامة مع أحجام الأفراد عن اتخاذ قرارات بالشراء أو الاستثمار والانتظار لحين وضوح الرؤية المستقبلية للاقتصاد على ضوء المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي أو على ضوء الجولة الخارجية التي يقوم بها الرئيس المصري محمد مرسي وتستهدف الترتيب لعلاقات اقتصادية جديدة مع العديد من بلدان العالم لاسيما مع بلدان شرق آسيا. ويؤكد رائد علام أن ثمة مؤشرات أخرى دفعت وزارة المالية إلى اللجوء إلى خيار الصكوك الإسلامية، وهو تراجع القدرة لدى البنوك التجارية التقليدية على شراء المزيد من سندات واذون الخزانة وكذلك اتساع قاعدة المؤسسات المالية الراغبة في التعامل مع منتجات ذات طبيعة إسلامية وهو ما ظهر مؤخرا على سبيل المثال في قيام بنك التنمية والائتمان الزراعي المملوك للدولة بافتتاح نحو 13 فرعاً للمعاملات الإسلامية في مختلف المحافظات، الأمر الذي يؤشر على ظهور طلب قوي على هذه المنتجات وبالتالي كان لا بد من التحرك نحو الاستجابة لها. ويؤكد رائد علام أن سوق الصيرفة الإسلامية في مصر ووفقاً للعديد من الدراسات بدأت تسجيل معدلات نمو متسارعة لاسيما خلال العامين الماضيين وهي معدلات تدور حول 25% سنوياً أي أن حصة هذه السوق سوف تكسر التوقعات كافة في غضون سنوات قليلة، وهو ما يفسر رغبة الكثير من البنوك التقليدية في التحول كلية إلى بنوك إسلامية للاستفادة من هذا المناخ المواتي. إما محمد كفافي، رئيس بنك القاهرة السابق، فيؤكد أن ثمة متغيرات تشهدها السوق المالية المصرية مؤخرا وان هذه المتغيرات تصب في دائرة البحث عن آليات جديدة للتمويل تكون ذات تكلفة منخفضة بهدف الإسراع بوتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي يتطلع إليها الشعب المصري، ومن ثم جاءت فكرة الصكوك الإسلامية في هذا الإطار وبناء على مطالب قوى اقتصادية تشكل طلبا حقيقيا في السوق. وقال إن صكوك التمويل المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية سجلت نجاحاً لا يمكن إنكاره في العديد من أسواق المنطقة خاصة أسواق دول الخليج العربي ولعبت دوراً ملموساً في تمويل مشروعات ضخمة خاصة مشروعات القطاع الخاص، وبالتالي لا بأس من الاستفادة من هذه التجربة الناجحة في علاج بعض مشكلات سوق التمويل في مصر.