حين نتكلم عن المشهد الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة، فإننا نتكلم عن مشهد ثقافي له خصوصيته، التي توازي خصوصية الإمارات كاتحاد قوي، أفرز نتاجاً ثقافياً ذا طبيعة نوعية، وأصبحت أرض الإمارات بالتالي ملتقى آمناً لثقافات متنوعة. وحين نتكلم عن المشهد الثقافي، فلا بد أن نتكلم عن القائد، الذي بنى نهضة كبيرة على أرض الإمارات، وصنع بإرادته القوية وعزيمته العربية المنتصرة إبداعاً في كل الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إنه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، الذي قال: “الكتاب هو وعاء العلم والحضارة والثقافة والمعرفة والآداب والفنون. إن الأمم لا تقاس بثرواتها المادية وحدها، وإنما تقاس بأصالتها الحضارية. والكتاب هو أساس هذه الأصالة، والعامل الرئيس على تأكيدها”. هذه الكلمات المهمة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، تؤكد أهمية العلم والثقافة ومحوريته في الفلسفة التي قامت عليها دولة الاتحاد منذ عام 1971، التي جعلت دولة الإمارات العربية المتحدة منارة ثقافية في الخليج والعالم العربي، ومقصداً للكتاب والمفكرين من كل مكان في العالم. هذه الأهمية التي أعطاها المغفور له الشيخ زايد للثقافة والعلم، ما زالت سمة أساسية من سمات دولة الإمارات، تحرص القيادة السياسية الإماراتية على تأكيدها، وليس أدل على ذلك من هذه الكلمات لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله: “يجب التزود بالعلوم الحديثة والمعارف الواسعة والإقبال عليها بروح عالية، ورغبة صادقة عن طريق مجالات العمل كافة؛ حتى تتمكن دولة الإمارات - خلال الألفية الثالثة - من تحقيق نقلة حضارية واسعة”. ولذلك تحققت في ظل القيادة الحكيمة حركة ثقافية وإبداعية كبيرة، لم تتوقف عند حدود ازدهار الشعر والقصة والشعر النبطي، بل كان هناك اهتمام بصنع إبداع جديد في مجالات الموسيقى والغناء وتطوير الأصوات الشعبية.. وقيام المسرح الإماراتي، فضلاً عن التطور المهم والبارز الذي حدث ويتواصل على صعيد الإصدارات الثقافية، وقنوات الإعلام المسموع والمرئي. مكوّنان لو أردنا أن نتكلم عن تكون الحركة الثقافية في الدولة، فهي قد تكونت نتيجة تكاتف عنصرين رئيسيين: الأول هو العنصر البشري، والآخر هو العنصر المادي. بالنسبة للعنصر البشري؛ فقد توافر منذ منتصف الخمسينات، حين بدأت البعثات الدراسية الرسمية تفد إلى البلاد، من الكويت ومصر وقطر والبحرين والمملكة العربية السعودية، ومن المملكة الأردنية الهاشمية، وكان لوجود هؤلاء المدرسين الذين جاءوا من أقطار مختلفة، أثر كبير في بث الوعي الثقافي والفكري واحتضان أبناء الإمارات وتوجيههم. كما أن أبناء الإمارات الذين خرجوا في بعثات دراسية في ذلك الوقت، عادوا وهم أكثر إدراكاً لأهمية ما يجب أن يحدثوه من تحول في الاهتمامات الثقافية. وأما العنصر المادي؛ فقد كان لتدفق البترول والتغير الاقتصادي في الإمارات أثره الكبير في توفير متطلبات الفعل الثقافي، سواء البشرية أو المادية من مقرات وميزانيات وخلاف ذلك من معدات وأدوات، فاستطاعت المؤسسات الثقافية الحصول على المقرات المناسبة لتنفيذ الأنشطة الثقافية وتجهيزها بالمستلزمات المطلوبة. وبتوافر هذين العنصرين أخذت الحركة الثقافية في التوسع سنة بعد سنة، وازدهرت بشكل واضح منذ بداية التسعينات، وتمكنت المؤسسات الثقافية من تنفيذ برامجها المتنوعة، ومن أهمها: المواسم الثقافية، والفنون التشكيلية، والتراث، والفنون المسرحية، ووسائط الاتصال التي لعبت دوراً مهماً في الحراك الثقافي، حيث أعلنت عنه ونقلت أحداثه، وكانت فرصة للمثقفين يطلون من خلالها على الخارج ويعرّفون بأنفسهم ونتاجهم عبرها. في ظل كل الأفعال الثقافية التي خلقت مناخاً للمبدعين لصقل تجاربهم وعرض نتاجهم عبر القنوات المختلفة، بدأت حركة التأليف في العلوم المختلفة تزدهر سواء من خلال الرسائل العلمية الدراسية، أو الأبحاث العلمية المتخصصة، ونشط الإبداع الأدبي من شعر وقصة ورواية وكتابة نثرية وأعمال مسرحية، حتى غدا أبناء الإمارات يشاركون بأبحاثهم ودراساتهم على المستويات المحلية والعالمية، ويتناولون شتى القضايا الإنسانية، وتطورت بذلك حركة الطباعة والنشر التي حملت مسؤولياتها المؤسسات المختلفة، فصدرت العديد من السلاسل الثقافية والإبداعية والعلمية والتاريخية وغيرها من فنون التأليف، وتطورت حركة النشر لدخول عالم النشر الإلكتروني وانتشر الكتاب المسموع، الذي حول أمهات الكتب وبعض أهم الكتب المعاصرة والمترجمة إلى أشرطة سمعية، استفاد منها المتلقي، ووفر بواسطتها الوقت الذي كان يقضيه في القراءة. كما أن معارض الكتاب بالدولة (معرض أبوظبي الدولي للكتاب، معرض الشارقة الدولي للكتاب) تعطي دليلاً واضحاً على الاهتمام الكبير في الجانب المعرفي. ونظرا لتوافد شريحة كبيرة من الأخوة العرب للعمل والعيش في الإمارات، كان من بين هؤلاء من يحمل اهتمامات ثقافية مختلفة، فأتاحت لهم الدولة الفرصة كي يؤسسوا أنديتهم الخاصة، وكانت هذه الأندية مناخاً مناسباً للمبدعين لإبراز مواهبهم، كونت بمجملها إنتاجاً فكرياً وإبداعياً متنوعاً، ومن هذه الأندية: النادي الثقافي العربي الذي يضم جميع مثقفي الدول العربية بإمارة الشارقة وما جاورها، وأصبح هذا النادي منارة من منارات العطاء الفكري المتميز، والنادي المصري، والنادي السوداني، ونادي الجالية اللبنانية، والنادي الإيراني، والرابطة الفرنسية بأبوظبي وأخرى في دبي، وغيرها من الأندية المعنية بالشأن الثقافي، والتي ساهمت فعلياً في إثراء الحياة الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة وقام الكثير من هؤلاء المبدعين بطبع إبداعاتهم الشعرية والقصصية والنقدية والدراسات المختلفة عبر مطابع ومؤسسات النشر المحلية. أما بالنسبة إلى المؤسسات في الدولة، فقد تكاتفت كل المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية من أجل إثراء الحركة الثقافية مثل: وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، والمجمع الثقافي في أبوظبي (هيئة أبوظبي للثقافة والتراث)، الذي قدم من خلاله إلى الثقافة العربية خلاصات مهمة في مجالات النشر والإبداع، ومختلف الأنشطة الثقافية والفنية، ومركز الإمارات للدراسات والبحوث، ودائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، ومركز الدراسات والوثائق برأس الخيمة، ومركز زايد للتراث والتاريخ، والمنطقة الحرة للإعلام وتكنولوجيا المعلومات. إضافة إلى المؤسسات الثقافية الأهلية، وهي المؤسسات التي تعمل في نطاق العمل التطوعي ومنها: ندوة الثقافة والعلوم بدبي، واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، بيت الشعر في الشارقة، وجمعية الفجيرة الثقافية، وجمعية حماية اللغة العربية، وجمعية المسرحيين، وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، مجلس دبي الثقافي. ثم المؤسسات الثقافية الخاصة في دولة الإمارات مثل: مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، والذي اهتم بتوثيق التراث، من خلال الدور الذي قام به في مجالي الحفظ الرقمي للمخطوطات، وفهرسة المجموعات الخطية. ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، التي تقوم بدور مهم في مجالات عدة منها الترجمة والحوار العربي الغربي. روافع ثقافية وهناك الكثير من المحاور التي أثرت في المشهد الثقافي في دولة الإمارات يمكن الإشارة إلى بعضها وهي: الجوائز والترجمة والمهرجانات السينمائية والانفتاح على الثقافة والتراث العالميين. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى مشروع منطقة المتاحف في أبوظبي، التي تضم نخبة من مقتنيات المتاحف العالمية مثل اللوفر الفرنسي وجوجنهايم الأميركي. كذلك افتتاح فرع لجامعة السوربون في “أبوظبي”، ليضاف إلى العديد من فروع الجامعات الأجنبية العريقة في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويعكس حرص هذه الجامعات على الوجود في الإمارات اعترافاً منها بالنهضة العلمية والثقافية في الدولة، وما توفره من بيئة مناسبة للمؤسسات التعليمية، المحلية والأجنبية. وأما في المهرجانات السينمائيـة فقد استطاعت الإمارات خلال السنوات الأخيرة، أن تصبح محطة مهمة من محطات السينما ليس فقط في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط وإنما في العالم كله، من خلال مهرجانين كبيرين للسينما، هما: مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي، الذي يتوقع له المعنيون بصناعة السينما في العالم أن يكون من أبرز مهرجانات السينما في العالم، ومهرجان دبي السينمائي الدولي الذي يجذب كبار صناع السينما في العالم، وأصبح منافساً لمهرجانات قديمة وعريقة في المنطقة. وأما عن الترجمة فيأتي مشروع “كلمة” للترجمة، وهو مشروع رائد تبناه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهدفه إعادة الحيوية إلى مجال الترجمة في العالم العربي، نظراً لأهمية هذا المجال في مضمار التنمية الشاملة. وعبر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في كلمة له عن ثقته وتفاؤله بإمكانية تأسيس نهضة علمية ثقافية عربية، تشمل مختلف فروع المعرفة البشرية، يمثل الكتاب فيها حجر الزاوية. وأشار إلى ما ورد في تقرير التنمية البشرية العربية من أن المعرفة هي الفريضة الغائبة في الوطن العربي، وأن متوسط الكتب المترجمة لكل مليون عربي هو أقل من كتاب واحد في كل عام، بينما يبلغ أكثر من 500 كتاب لكل مليون شخص في المجر. ونوَّه إلى أنه في حين تترجم الدول العربية ما يزيد على 400 كتاب سنوياً، فإن هذا الرقم، ورغم تزايده، لا يمثل إلا خُمس ما تترجمه اليونان مثلاً، ويكاد لا يُذكر الرقم العربي خجلاً أمام ما تترجمه إسبانيا في عام واحد، إذ تترجم أكثر من 10 آلاف كتاب في السنة. وتبقى الجوائز المتنوعة التي تزخر بها هذه الدولة الفتية والتي يرصدها الحكام والأفراد والمؤسسات، وتقدم لأبناء الإمارات وغيرهم، وذلك إيماناً من المسؤولين بأن الفعل الثقافي يشكل أساس الحراك الحقيقي في أي مجتمع، وبالتالي كان لا بد من التركيز على مقومات الثقافة والاهتمام بالمكان والإنسان، باعتبار الإنسان هو المحرك الأول للفعل الثقافي، وسواء كان الإنسان مواطناً إماراتياً أو مقيماً على أرض الإمارات، فقد نظر إليه دائماً باعتباره يشكل لب الحراك الثقافي، وأحد مقومات التثاقف والتواصل، فكان لا بد من تكريم هذا الإنسان والعمل على تقديره في كل المواقع والميادين. ويمكن رصد أنواع عدة من هذه الجوائز: أولاً: الجوائز الثقافية؛ ونعني بها الجوائز ذات الصبغة الثقافية العامة والتي تمنح أو يسمح بالمشاركة فيها لأبناء الإمارات وغيرهم وأهم هذه الجوائز: جائـزة الشيـخ زايـد للكتاب، وهي جائزة مستقلة تهدف إلى تشجيع المبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والفنون والثقافة الإنسانية، وتكريم الفاعلين في الحركة الثقافية العربية، وجائـزة دبـي للصحافـة العربيــة، وهي من الجوائز المهمة والرائدة في مجال الصحافة العربية، حيث أصبحت تستقطب اهتمام الإعلاميين العرب، باعتبارها منبراً لعرض الإبداعات الصحافية العربية في كل مجالات الكتابة الصحافية وفنونها، والبرنامج التلفزيوني شاعـر المليـون المتخصص في الشعر النبطي، وبرنامج أمير الشعراء المتخصص في الشعر الفصيح. والجائزة الدوليـة للرواية والقصة العربية، وهي جائزة رفيعة المستوى تهدف إلى تكريم الأعمال الروائية والقصصية العربية المتميزة. وجائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب، التي تنظمها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. وجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم. جائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم. جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، وهي جائزة تكريمية تقديرية رصدها المرحوم سلطان بن علي العويس لتكريم الأدباء والمبدعين العرب وتشجيع الكتاّب والمفكرين والعلماء، تشرف على تنظيمها “مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية”. وجائزة سلطان العويس للإنجاز الثقافي والعلمي، وتحمل اسم المرحوم سلطان العويس وتمنح للأدباء، المفكرين، الكتاب، والعلماء العرب، ممن خدموا الثقافة العربية والمؤسسات الثقافية والعلمية التي قدمت خدمات متميزة وعظيمة لأبناء الوطن العربي. وجائزة مسابقات أنجال الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان للطفل العربي، وجائزة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم لإبداعات الطفولة، وجائزة غانم غباش للقصة القصيرة، وجوائز إبداع لطلاب الإعلام، وتشمل العديد من الفروع هي: جائزة العمل الصحافي. جائزة العمل الإذاعي. جائزة الرسوم المتحركة. جائزة تصميم الجرافيك. جائزة التصوير الفوتوغرافي الضوئي. جائزة التصوير الفوتوغرافي الرقمي. جائزة الإعلان المطبوع. جائزة الإعلان التليفزيوني. جائزة العمل السينمائي/ التليفزيوني الروائي. جائزة العمل التليفزيوني التسجيلي. جائزة أفضل مشاركة من دولة الإمارات. ثانياً: الجوائز التعليمية التي تمنح تقديراً لجهود المعلمين والمدارس والطلاب المتفوقين علمياً في جميع مراحل الدراسة حتى المراحل العالية والعليا، ومنها: جائزة راشد للتفوق العلمي وهي جائزة تحمل اسم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وهي لتكريم المتفوقين علمياً في المراحل الدراسية المختلفة من أبناء الإمارات (دكتوراه - أوائل الكليات - أوائل الثانوية العامة)، وجائزة خليفة بن زايد للمعلم لتكريم المعلمين الذين خدموا في مجال التعليم والإدارة، وجائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز وهي جائزة تربوية خاصة تتولى مهمة الارتقاء بالأداء التعليمي. ثالثاً: الجوائز المتخصصة وهي الجوائز المخصصة لتكريم فرع من فروع المعرفة المتخصصة مثل: جائزة زايد الدولية للبيئة، وجائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية وجائزة دبي للجودة. ولقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال تلك المسابقات والجوائز أن تستفيد من المشهد الثقافي العربي وتفيده أيضاً، وذلك عبر تبادل الخبرات والتجارب والملتقيات والإصدارات والمسابقات الشعرية والإبداعية التي تميزت بها دولة الإمارات العربية، في الشعر والمسرح والقصة والرواية والفن التشكيلي والنقد الأدبي والتي يشارك فيها شباب الأمة العربية ومبدعوها على امتداد خريطة الوطن العربي. الإسهام الإماراتي لم يقف أبناء الإمارات مجرد متفرجين على الحراك الثقافي الذي يدور حولهم ولم يبقوا متلقين، بل شاركوا العقول العربية التي وفدت إليهم واستفادوا من الاحتكاك بكل التجارب التوعوية التي اطلعوا عليها. فعاشوا تحدياً قوياً مع أنفسهم ليتحولوا إلى عناصر فاعلة. وبنظرة سريعة إلى عدد المنتسبين إلى المؤسسات الثقافية والمشاركين في أفعالها يتأكد حرص أبناء الإمارات على دورهم في الإسهام الثقافي، مؤكدين أنهم جزء من الأمة العربية لا ينفصلون عنها. كما أنهم جزء من المنظومة الإنسانية العامة يتأثرون بها ولا بد أن يؤثروا فيها. وهناك الكثير من الأسماء اللامعة التي برزت في مجال الأدب بكافة فروعه وفي مجال الفنون والمسرح والموسيقى، حصدت هذه الأسماء العديد من الجوائز المحلية والخليجية، كما لا نغفل العنصر النسائي الذي استطاع أن يفرض وجوده على الساحة الثقافية، وبرزت أصوات يمكننا أن نقول إنها تبشر بكتابات تسير على نهج الحداثة والتجديد. إن قراءة المشهد الثقافي في الدولة تبرز أموراً عدة أولها: أن الثقافة كانت في محور الرؤية التنموية لمؤسسي دولة الإمارات العربية المتحدة الأوائل، وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وثانيها: أن القيادة الإماراتية كانـت دائماً معتـزة بثقافة الإمارات وتراثها، وسعت وتسعى إلى تعميقه، وتكريسه، والتشديد عليه؛ لأنه جزء أصيل من الهوية الوطنية، وثالثها أنه في إطار الافتخار بالثقافة الوطنية والتراث المحلي، كان وما زال هناك حرص كبير على الانفتاح على الثقافات العالمية من منطلق الثقة في النفس والإيمان بأهمية التفاعل والامتزاج بين الحضارات والثقافات، ورابعها: أن النهضة الثقافية في الإمارات محكومة بمبدأ أساسي، هو أن الأمر لا يتعلق بصراع ثقافات وحضارات أو تصادمها، وإنما بتفاعل وتلاقح بينها. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل من الدولة محطة مهمة لفعاليات الثقافة والفن العالمية، وخامسها: أن الإمارات تنظر إلى الاهتمام بالثقافة ضمن إطار تنموي شامل لا يهتم بالجوانب المادية فقط في التنمية، وإنما كذلك بالجوانب المعنوية والروحية والفكرية والثقافية على أساس أن عملية التنمية هي عملية متكاملة الأركان، ولا يمكن أن تسير في طريقها بشكل صحيح، دون معوقات، من دون أن تتكامل هذه الأركان وتتفاعل، وتنسجم مع بعضها البعض. ولا بد في هذا السياق أن نثمّن مجهودات وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ومساهماتها في إثراء المشهد الثقافي، وقد قال معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في إحدى لقاءاته: نحن في الإمارات نسعى لأن يكون هناك عمل ثقافي مؤسساتي، بحيث لا يرتبط التطور نفسه بالأشخاص، إضافة إلى محاولتنا جعل الحراك الثقافي نابعاً من المجتمع ومن الناس أنفسهم، فالحراك الثقافي المبدع قائم على العمل المجتمعي المتميز، وبالتالي ليس هناك جهة تأخذ السلطوية في العمل والتطوير الثقافي، فالثقافة هي أسلوب حياة. ولأن هذا المشهد الثقافي وما يتميز به من خصوصية يفرض على العاملين توثيق هذا الخطاب بكل ملامحه ومنتجاته توثيقاً علمياً ومنهجياً، وهو ما لمست وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الحاجة الماسة إليه فأخذت على عاتقها مشروع تأسيس وبناء الموسوعة الوطنية الثقافية والسعي لجعلها الوثيقة الأهم والأكمل نوعياً ومعرفياً في توثيق تاريخ وحاضر ومستقبل الثقافة في الإمارات. وهو المشروع الذي يستهدف التوثيق الكامل لبيانات المثقفين من مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكافة الأعمال الإبداعية التي أنتجها المثقف الإماراتي، ولكل الأحداث والفعاليات والأنشطة الثقافية المقامة في دولة الإمارات العربية المتحدة ولكافة المؤسسات الثقافية في الدولة. التوثيق الصحيح والصادق للتاريخ الحافل بالشخصيات والأحداث والفعاليات بوسائل حديثة وتقديم هذا التاريخ وإظهاره ونشره للعالم إبرازاً له وحفظاً لمخرجاته وافتخاراً بمنجزاته.