هناك حالة من الزخم في السير الذاتية العربية، من قبل كان من النادر أن نجد شخصية عامة تقدم على كتابة سيرة حياتها بقلمها، لكن اليوم اختلف الأمر، فقد صارت السير الذاتية ركنا في الإصدارات العربية، ومؤخرا أصدر المفكر المعروف أستاذ الفلسفة د. مراد وهبة سيرته وحملت عنوان “مسار فكر” وهذا يعني أننا بإزاء سيرته العلمية والفكرية ـ في المقام الأول ـ بأكثر ما نكون أمام سيرة شخصية وخاصة. ولد مراد وهبة في قرية القوصية بأسيوط عام 1926 والتحق برياض الأطفال عام 1930 ثم مدرسة شبرا الابتدائية في 1934 ومدرسة التوفيقية الثانوية عام 1938 وتخرج فيها عام 1943 ليلتحق بجامعة القاهرة وقد اعفى نفسه من أن يذكر أي شيء عن أسرته، وهل هو من الصعيد فعلا وجاء إلى القاهرة أم أنه ولد هناك لسبب عارض كأن يكون والده موظفا هناك. ولم يحدثنا عن بيئة الصعيد في ذلك الوقت ولا مجتمع شبرا كما رآه وعايشه لكننا نعرف انه حتى سنوات قريبة كان يسكن حي شبرا حيث تركها إلى حي مصر الجديدة الذي يسكنه الآن. في رحاب العلم كان متفوقا في المدرسة الابتدائية لأنه التحق بقسم الصبيان بجمعية الشبان المسيحية وكان يشرف عليها المربي د.يعقوب فام، وهو أستاذ جامعي نال الدكتوراه من الولايات المتحدة في الفلسفة البراجماتية أو مذهب الذرائع كما سماه، في الثانوية اختلف الأمر، فقد اتجه إلى مكتبة المدرسة وانشغل بالقراءة الحرة والغريب انه في السنة الأولى كان يقوم بتدريس الفلسفة له أستاذه أحمد فؤاد الاهواني وتنبأ له انه سوف يكون فيلسوفا ولم يعجبه التوقع فقد كان يريد التخصص في قسم علمي والالتحاق بكلية العلوم لكنه نال مجموعا أقل هو 54 في المئة بينما كان دخول كلية العلوم يحتاج إلى 55 في المئة على الأقل وقرر أن يعيد الثانوية من منازلهم لتحسين المجموع لكن شقيقه الأكبر موريس وهبة وكان زعيما للطلاب الوفديين بالجامعة تحدث في أمره مع د.حسن إبراهيم وكان عميدا لكلية الآداب ومن المنتمين للوفد ووقتها لم يكن هناك مكتب للتنسيق ولذا عرض العميد أمر طالب العلمي على مجلس الكلية فقرروا قبوله وكان هناك شرط آخر لم يتوافر فيه وهو أن يكون حاصلا على درجات متقدمة في اللغات الثلاث العربية والإنجليزية والفرنسية، وتم التجاوز عن هذا الشرط، وهكذا صار طالبا في الآداب وتخصص في الفلسفة بعد لقاء مع رئيس القسم ولم يكن مصريا كان أوروبياً. ولا يذكر من أساتذته غير د.عبدالرحمن بدوي الذي لاحظ تميزه واستعداده الكبير للتفلسف. وفي تلك الفترة كان يتردد على مكتبة دير الآباء الدومينكان بحي العباسية وتعرف على الأب جورج قنواتي وهو صيدلي درس الفلسفة فيما بعد وصار واحدا من ابرز أساتذة الفلسفة الإسلامية وتحديدا فلسفة ابن رشد، ومن خلاله تعرف على يوسف كرم أستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية وكان كرم زاهدا بحق، يعيش حياة بسيطة في الإسكندرية أو في طنطا مدينته الأساسية، وحاول الكل مساعدته لكنه آثر ان يعيش متقشفا في بيته المتواضع بطنطا وقبل وفاته بخمسة شهور انهار منزله وسرقت مكتبته بالكامل ومن بينها كتاب قضى عشر سنوات في تأليفه عن فلسفة الأخلاق، ولم يكن قد طبع بعد، فضاع مع المكتبة وحاول كثيرون البحث عنه فلم يعثروا عليه لكن يوسف كرم نفسه تلقى الحدث بصبر وصمت. وفي فترة الدراسة بالجامعة كان لمراد وهبة عدد من الزملاء السوريين من بينهم بديع الكسم الذي كان منشغلا وقتها بتأسيس حزب البعث ومعه سامي الدروبي الذي صار فيما بعد سفيرا لسوريا في مصر وكذلك عبدالله عبدالدايم الذي التحق باليونسكو وعمل بها وأخيرا عبدالكريم زهور الذي عرف بمعارضته لمفهوم الوحدة العربية لدى الرئىس جمال عبدالناصر في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. ويخبرنا مراد وهبة ان هؤلاء الاربعة درسوا مذهب الفيلسوف الفرنسي هنري برجون الذي عاش بين عامي 1895 ـ 1941، وقرروا ان هذا المذهب يصلح أساسا فكريا وفلسفيا لحزب البعث، ذلك انه ينتقد النزعة المادية ويعلي من النزعة الدينية والروحية عليها، فضلا عن انه يعتبر عدوا للشيوعية وللفلسفة الماركسية وهكذا قرروا نقل كل أعماله إلى العربية وقام بهذه المهمة سامي الدروبي وعبدالله عبدالدايم. نحو الفلسفة ويبدو ان برجون أثار اهتمام الكثيرين وقرر مراد وهبة ان يجعله موضوعا لرسالة الماجستير وتعثر الأمر بعد ان قطع شوطا كبيرا فيها، فجعلها موضوعا للدكتوراه التي حملت عنوان “المذهب في فلسفة برجون” وأصدر عنه د.زكريا ابراهيم كتابا خاصا وتناوله عدة مرات عبدالرحمن بدوي بالدراسة. يقول د.مراد وهبة “كانت دفعتي تضم شيوعيين وبعثيين وإخوان مسلمين وكنت أنصت إليهم جميعا حتى أفهم”. لقد صنف كثيرون د.مراد في قائمة الفكر الماركسي لفترة طويلة لكنه لم يكن كذلك. وفي عام 1946 دعاه الأب قنواتي لدخول جماعة اخوان الصفا وكانت تضم د.محمد يوسف موسى الأستاذ بجامعة الأزهر والشيخ محمود الخضيري وعثمان أمين وعبدالرحمن بدوي والمستشرق لويس ماسينيون وكانت الجماعة تهتم بالحوار الإسلامي المسيحي لكنه رأى ان هذا الاهتمام يتناقض مع مايموج به المجتمع المصري من قضايا وإرهاصات ثورية فانسحب منها عام 1948، وفيما بعد أصدر الرئيس عبدالناصر قرارا بحلها لكنها أعيدت مرة ثانية في عام 1978 باسم “الإخاء الديني” بقرار من الرئيس السادات. تخرج مراد وهبة في الجامعة عام 1947 ونال الماجستير ثم الدكتوراه وعمل استاذا في كلية المعلمين “التربية” بجامعة عين شمس وانضم الى أسرة تحرير “الطليعة” مع لطفي الخولي محررا لباب الأدب والثقافة بها وسافر الى موسكو وقضى عاما هناك يتعلم الروسية ويتحاور مع فلاسفة الاتحاد السوفيتي واختلف معهم حول بعض تصوراتهم. وعمل في أبريل 1970 مستشارا سريا للرئيس عبدالناصر وتلك واحدة من المفارقات إذ كيف يكون مستشارا سريا لرئيس الدولة رغم انه كان يستشار في قضايا فكرية وثقافية بالأساس. وطوال السبعينيات انطلق إلى المحافل الدولية محاورا حول القضايا الفلسفية التي تحذر من الانغلاق والتشدد أو الأصولية وكانت البداية من باكستان، وفي سبتمبر 1981 أبعده الرئيس السادات من الجامعة ثم عاد إليها. الكتاب: مسار فكر - سيرة ذاتية -ج1 المؤلف: د.مراد وهبة الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب