تطل مختلف مناطق إمارة رأس الخيمة على ساحل الخليج العربي بامتداد 40 ميلاً، وتبلغ مساحتها الإجمالية البرية 2478 كيلومتراً، وتضم 100 مدينة وقرية نحو 500 موقع أثري من بينها حصون وقلاع تعد إرثاً تاريخياً يحكي لجيل الحاضر أن دولة الإمارات كانت معمورة بسكانها العرب منذ 5 آلاف عام خلت. يجد الزائر علامات من الماضي العريق الموزع بين المواقع الأثرية وأبراج المراقبة والحصون في كل مكان من مناطق إمارة رأس الخيمة التي شيدت بهدف الدفاع عن حياض الوطن من الغزاة والمحتلين، حيث تعد الأبراج والحصون والقلاع والمربعات المنتشرة في مناطق الإمارة والتي يزيد عددها عن 52 حصنا وقلعة دليلا على شبكة الدفاع القوي التي حمت أراضي وبساتين النخيل وقرى رأس الخيمة وحافظت على أمنها، بحسب محمد الكيت، مستشار الحكومة لشؤون الديوان الأميري، ومدير دائرة الآثار والسياحة في رأس الخيمة، وعضو مجلس إدارة المجلس الوطني للسياحة والآثار في الدولة. مكتشفات أثرية يقول الكيت لـ”الاتحاد” إن إمارة رأس الخيمة الساحلية تتمتع بتاريخ موغل في القدم، وقد مرت في عدد من الفترات والحقب الزمنية التي يعود أقدمها إلى نحو 5 آلاف سنة خلت حيث أنها تعد أقدم فترة عرفت في رأس الخيمة وعثر على مقتنياتها في منطقتي الجزيرة الحمراء وخت، وفق ما دلت عليه جميع المكتشفات الأثرية التي اكتشفتها فرق التنقيب عن الآثار في الإمارة. ويشير إلى أن دائرة الآثار والسياحة في رأس الخيمة وضعت جل اهتمامها في الحفاظ على المواقع الأثرية التي يزيد عددها عن 500 موقع أثري في مختلف المناطق، موضحا أن الدائرة بتوجيهات صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم رأس الخيمة، تسعى إلى جعل متحف رأس الخيمة في مصاف متاحف الدولة المتميزة، منوها إلى أن أعمال الصيانة الشاملة التي يخضع لها المتحف منذ 3 سنوات على وشك الانتهاء. ويضيف أنه جاري إعادة هيكلة دائرة الآثار والسياحة في رأس الخيمة لرفع نسبة التوطين بين موظفيها حيث أن المتاحف موروث شعبي يجب أن يدار من قبل أهله. ويقول الكيت إن فرق التنقيب كشفت عن أن مختلف مناطق إمارة رأس الخيمة كانت معمورة بسكانها العرب الأصليين، كما إنها كانت مهدا لحضارة تجارية نشطت قبل 5 آلاف سنة ق.م، مرت خلالها في عدة فترات وحقب تاريخية شهدتها المناطق التي عرفت قديما ضمن منطقة جلفار التاريخية التي تتميز بعبق الماضي وهي الجزيرة الحمراء وخت والكوش ووادي البيح ووادي القور وشمل ووادي المنيعي وغليلة والقرم والرمس وقرن الحرف وأذن وفشغا ووعب وجزيرة الحليلة والفلية وضاية والفحلين، حيث دلت جميع المكتشفات الأثرية التي وجدتها فرق التنقيب في مختلف مناطق الإمارة أن حبة القهوة التي تم اكتشافها في منطقة الكوش، الواقعة بجانب منطقة شمل التاريخية في شمال الإمارة، تعد أقدم حبة قهوة يتم اكتشافها في العالم ويعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر إبان الفترة العباسية الممتدة من 750ـ1250م لتكون بذلك سبقت المصادر التاريخية المتعلقة باستخدام وتجارة القهوة بقرنين. كما اشتهرت جلفار التاريخية بجودة فخارها الذي استمر إنتاجه على مدى 500 سنة متتالية. حماية ورعاية يلفت الكيت إلى أن الدائرة انتهت مؤخرا من تنفيذ أعمال الترميم والصيانة في 52 من القلاع والحصون والمربعات وقصر الزباء الموزعة على مناطق إمارة رأس الخيمة، مضيفا أن الدائرة انتهت كذلك من تنفيذ أعمال الترميمات والصيانة في القلاع والحصون الواقعة أعلى الجبال والتلال وفي المناطق الساحلية والريفية التي استمرت قرابة 4 سنوات. ويوضح الكيت أنه تم استخدام الجص ونفس مواد البناء التي كانت مستخدمة فيها سابقا للحافظ على هويتها وتراثها، وتم وضع أسياج حولها لحمايتها من العبث والتخريب كما تم وضع كشافات إضاءة ليلة في كل زاوية من زواياها الخارجية لتعكس منظرها الجمالي، منوها إلى أن الهدف من الترميمات هو معالجة ما تأثر من جدرانها الخارجية والداخلية من تقلبات الطقس والعبث لتبقى شاهدا حيا على تاريخ الآباء والأجداد ولتعريف الأجيال القادمة والسياح بتاريخ الإمارات. تاريخ رأس الخيمة ويبين أن فرق التنقيب كشفت عن أن الحضارات بدأت تتوافد على رأس الخيمة ابتداء من فترة العبيد التي استمرت خلال الفترة من 5000ـ3800 ق .م وهي أقدم فترة عرفت في رأس الخيمة وكانت بالقرب من الجزيرة الحمراء، حيث عثرت الفرق على ركام ضخم وهياكل تعطي تلميحات أولية لأنشطة إنسانية، كما تم العثور على فخاريات مشابهة لتلك الموجودة في بلاد ما بين النهرين في الفترة نفسها ما يدل على وجود اتصال تجاري فيما بينهما كما عثرت الفرق في خت على موقع يحتوي على أدوات الصوان نفسها ومن الفترة نفسها.يقسم الكيت تاريخ إمارة رأس الخيمة إلى عدة حقب وفق المراحل الزمنية التالية: - فترة حفيت من 3200ـ2600ق.م وكان أشهر ما يميز هذه الفترة وجود ركام لقبور الدفن بنيت على جبال شاهقة الارتفاع مصنوعة من الحجر المحلي، وكانت في الأصل على هيئة خلية نحل مكونة من حجر صغيرة أو حجرتين عثر عليها في منطقة خت ووادي البيح ووادي القور. - فترة حضارة أم النار من 2600ـ 2000 ق .م، التي ظهرت في الألفية الثالثة قبل الميلاد وعثر على مقتنياتها في مناطق شمل ووادي المنيعي وإعسمة، لافتا إلى أن لحضارة أم النار أهمية كبيرة بتطور حضارة دولة الإمارات، كما عرفت خلالها بالتجارة التي كانت قائمة بين بلاد ما بين النهرين ووادي اندس جنوب شرق إيران، خاصة أنها جعلت رأس الخيمة غنية خلال هذه الفترة وكانت تذكر باسم ماجان ومثلت مع باقي الأجزاء شبكة واسعة لتجارة المسافات البعيدة وخصوصا في تجارة الفخار. - فترة وادي سوق من 2000ـ 1600ق.م، التي تمثلت في 150 قبرا في منطقة شمل حيث أنها شكلت أكبر مقبرة في حقبة ما قبل التاريخ، كما وجدت عدة مقابر في غليلة والقرم والرمس وقرن الحرف وخت وأذن. - فترة العصر الحديدي من 1250ـ 300 ق.م حيث عرف العصر الحديدي في الجزء الجنوبي لرأس الخيمة وخاصة في وادي القور ووادي المنيعي وفشغا ووعب حيث اكتشفت عدة قبور، كما تم اكتشاف حجر منقوش علية عنقاء مشابهة للعنقاوات الكبيرة الموجودة في القصور الآشورية في شمال العراق. - الفترة الهيلينية والفارسية من 300ق.م ـ 300م وجدت في الجزء الشمالي والجنوبي لإمارة رأس الخيمة من خلال عدة مواقع عثر عليها في مناطق شمل وأعسمة ووعب ووادي المنيعي. يتابع الكيت سرد تاريخ إمارة رأس الخيمة وفق تسلسها الزمني، وفق التالي: - فترة الاحتلال الساساني 300 م ـ 632 م حيث عثرت بعثة الآثار على موقع صغير في جزيرة الحليلة وعلى موقعين في خت واكتشف خلال هذه الفترة ومن خلال ثلاثة فصول من المقتنيات فظهر موقع على شكل قلعة ساسانية بنيت للتحكم في السهول الخصبة في الجزء الشمالي للإمارة والتي تركت من قبل المحتل أبان دخول الإسلام دولة الإمارات. - الفترة العباسية من 750ـ1250م حيث أبرزت هذه الفترة الأهمية الكبرى للإمبراطورية الإسلامية الموحدة والنشاط التجاري مع شرق آسيا، وتتمثل هذه الفترة في مواقع قليلة من منطقة الخليج العربي كاملة، وتم اكتشاف موقعين في رأس الخيمة جعلا منها أكثر أهمية في معرفة طرق التجارة والبضائع في القرون الإسلامية الولي هما: الكوش وهو قلعة ساسانية تخلوا عنها بعد المد الإسلامي لهذه المنطقة وأعيد استخدامها من قبل السكان، أما الموقع الآخر فيقع في جزيرة حليلة وهو عبارة عن مبان صنعت من سعف النخيل حيث عرف الموقعين ضمن منطقة جلفار. - الفترة الإسلامية اللاحقة من القرن 14ـ القرن 19 في منتصف القرن الرابع عشر هجر السكان الكوش وجزيرة الحليلة، واستقروا في ذلك الوقت على الشاطئ الرملي أمام الساحل، وسميت هذه المنطقة باسم جلفار، وبرهنت البعثات الأثرية التي استقدمتها دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة من فرنسا وبريطانيا واليابان وألمانيا على أن جلفار كانت منطقة كبيرة ومأهولة بالسكان ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، وأنها تعتبر مركزا تجاريا رئيسا في الجزء الأدنى من الخليج العربي، وعرفت جلفار بتجارتها الواسعة والمزدهرة مع الصين والدول العربية والأوروبية، كما اعتبرت موطن أشهر البحارة العرب وهو أحمد بن ماجد الملقب بأسد البحار.