العقل البشري يتحكّم في تشغيل كمبيوتر المستقبل
تناقلت بعض الصحف والمجلات المتخصصة قبل أيام أخباراً تفيد بتأسيس شركة جديدة في وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا تدعى “باي بال” PayPal تعمل على تطوير أسلوب تشغيل الكمبيوتر بحيث يتولّى دماغ المستخدم توجيه الأوامر للجهاز مباشرة من دون الحاجة لاستخدام اليدين أو الفأرة ولوحة المفاتيح.
كما هو حال موقع “فيسبوك” الذي ابتكره الشاب المبدع مارك زوكربيرج وأطلقه للعمل في شهر فبراير من عام 2004 ليحظى بعد ذلك بإقبال هائل بلغ 500 مليون مستخدم حتى الآن، فإن فضل تأسيس شركة “باي بال” يعود لشابين أحدهما يدعى بيتير ثيل ويشغل الآن منصب المدير التنفيذي، وإلون موسك المؤسس الرئيس للشركة وصاحب الفكرة والذي يعود إليه فضل النجاح الذي حققه موقع “فيسبوك” عندما كان يعمل فيه. وقال الشابان في مؤتمر صحفي إن شركتهما الجديدة تحمل طموحاً أكبر بكثير لأنها تعمل على الاستثمار في التطوّر المقبل لثورة الكمبيوتر.
ويقود ثيل إن جماعة من فلاسفة علم الكمبيوتر في وادي السيليكون يؤمنون بأن مستقبل التطوّر يكمن في تحقيق الاتصال المباشر بين الكمبيوتر والدماغ البشري؛ وتذهب هذه الجماعة في تفاؤلها بمبلغ التطور الذي سيتحقق على مختلف الأصعدة العلمية، إلى حدود الخيال والشطط العلمي؛ فهي ترى أن العلم سيتمكن قريباً من قهر الشيخوخة والتغلّب على أسبابها، وسوف يتحوّل “الموت” إلى مجرّد مرض مؤقت يمكن معالجته بالأدوية الرخيصة!.
ويبدو أن ثيل وموسك ليسا أول من طرح فكرة الاتصال المباشر بين الكمبيوتر والدماغ، أو حاول استغلالها، فلقد سبقتهما إلى ذلك مخترعة كندية تدعى آرييل جارتن تشغل الآن منصب المديرة التنفيذية لشركة تعمل في نفس المجال تدعى “إنتراكسون” Interaxon يوجد مقرها في مدينة تورنتو الكندية.
ويقول تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” إن “إنترأكسون” هي الشركة الرائدة من دون منازع لتكنولوجيا “التحكم الذهني بالحوسبة” thought-controlled computing، وأن جارتن هي السبّاقة إلى القول بأن مستقبل التطوّر التكنولوجي برمته يكمن في هذه الفكرة.
وباستخدام مجس منفرد sensor مثبت فوق جبهتها، كان في وسع المشاركين في مؤتمر نظم بباريس لشرح الابتكار، أن يستنتجوا ما إذا كانت جارتن واجمة من دون تفكير أم إنها تركّز في تفكيرها على شيء ما. وتكمن وظيفة المجس في كشف “موجات ألفا وبيتا” alpha and beta waves التي يصدرها الدماغ عند التفكير. ومن المعروف أن الخصائص الفيزيائية لهذه الموجات من حيث التواتر وطول الموجة، تتغيّر بتغيّر الأفكار التي تجول في دماغ البشر. وكان من بين أشهر التطبيقات العملية لهذه الفكرة هو جهاز كشف الكذب الذي يستخدم منذ بضعة عقود في التحقيقات البوليسية الخطيرة وخاصة منها استنطاق الجواسيس وكبار المجرمين. ويمكن للبرنامج التطبيقي الحاسوبي الذي ابتكرته شركة “إنتراكسون” أن يتلقّف الموجات من المجسّ ليتولّى تفسيرها، وليقف من خلال النتائج على الحالة الذهنية لجارتن.
وحتى تثبت جارتن دقّة هذا الاكتشاف، فلقد قضت وقتاً طويلاً أمام المشاركين في مؤتمر باريس والذين فاق عدده 3000 مشارك، وهي تقوم باختبار هذا الاكتشاف المثير. ولقد أثبتت أمامهم من خلال المجسّ المثبّت فوق جبهتها وشاشة الكمبيوتر البعيد عنها، كيف يستشعر الكمبيوتر صحوتها الذهنية عندما تستمع إلى سؤال مهم من أحد المشاركين وتبدأ بقدح ذهنها بحثاً عن الجواب المناسب. ويأتي هذا التغيّر الذي يستشعره المجسّ من أن إصدار موجات ألفا وبيتا لا يكون قوياً قبل سماع جارتن لسؤال ما، ولكنّ إصدارها يزداد قوّة عندما تبدأ جارتن بالتفكير في الكلام الذي يقال لها والكلام الذي ستردّ به.
ولعل من الغريب أن جارتن عالمة لامعة في البحوث العصبية ولكنّها شغوفة أيضاً بتصميم الأزياء ومارست العمل لمدة طويلة في عيادتها كطبيبة عصبية، وهي تتحدث عن شركتها الجديدة فتقول: “لقد تمكنت من تأمين الأموال اللازمة لإطلاق الشركة من دون الحاجة للاقتراض أو الاستعانة بأي جهة. وصحيح أنني وظفت في المشروع مبلغاً ضخماً من المال، إلا أنني واثقة من أنني سأستعيده من ورائي هذا الاكتشاف بسرعة”.
وتعتمد شركة “إنتراكسون” على مجسّات تصنعها شركة “نيوروسكاي” التي يوجد مقرّها في كاليفورنيا وشركة أسترالية تدعى “إيموتيف سيستيمز”؛ وتضيف جارتن قولها: “نسعى من خلال البحوث المتواصلة التي ننجزها إلى اكتشاف موجات ثانوية مرافقة لعمل الدماغ وتحليل مدلولاتها ومضامينها، ونحاول أن نكتشف الفوائد التطبيقية لاكتشافها والآفاق الابتكارية التي تفتحها أمامنا. وسنشرع بعد ذلك في إنتاج التطبيقات الحاسوبية التي تعتمد على هذه الاكتشافات”.
وتتحدث جارتن عن أغرب هذه التطبيقات عندما تقول: “ستسمح لك هذه التكنولوجيا بمعرفة الكثير مما كنت تجهله حول شخصيتك، وسوف تجعلك أكثر فهماً لمنهج التفكير الذي تعتمده”.
المصدر: أبوظبي