لم يترك كلام السجان مجالاً للالتباس، فقد كان يعني بوضوح أن الحرية لم تكن خياراً، بصرف النظر عما يجري خارج الأسوار، حيث أصوات طلقات الرصاص من البنادق، والانفجارات، الناتجة عن تمرد كان يزداد تأججاً، تمزق سكون الليل. "إذا كسبنا فسوف تظلون هنا بقية حياتكم"، هكذا قال الرجل، الموظف في نظام القذافي، والذي أضاف كذلك" أما إذا خسرنا فسنقتلكم جميعا". عندما سمع "خالد أبوحربر"، الطبيب البالغ من العمر 27 عاماً، الـذي كان قد ضبط وهو يقوم بتهريب السلاح للمتمردين الليبيين ذلك، تأكد أنه ميت لا محالة. وهو يقول عن ذلك. "لا اعتقد أن أي أحد منا قد ظن أنه سيخرج من ذلك السجن حيا". من بين المواقع الأخيرة في طرابلس، التي كان يتعين تحريرها من قبل المتمردين الذين أنهوا حكم القذافي الذي ظل مستمراً لما يزيد عن 42 عاماً سجن "أبو سليم" الرهيب، المقام داخل قلعة كالحة المنظر تقع في الحافة الجنوبية الغربية للمدينة. ولم يكن "أبوسليم" مجرد سجن، وإن كان تجسيداً من الحجارة والخرسانة، لسيطرة ديكتاتور متقلب المزاج على رعاياه. وليس أدل على ذلك من أن سائقي السيارات كانوا يتجنبون النظر إليه عندما كانوا يمرون من أمامه، كما لو أن السجن كان قادراً على اجتذابهم بطريقة ما إلى مجاله المغناطيسي المخيف. ولكن السجن السيئ السمعة لعب أيضاً دوراً في التمرد الذي أطاح بالقذافي في نهاية المطاف. ففي الوقت الراهن الذي يقوم فيه الليبيون بإعادة بناء مجتمعهم، فإن السجن يقوم بدور جديد كنصب تذكاري يكشف عن فظائع القذافي وضحاياه، وكتجسيد حي على الكيفية التي يمكن بها لثورة ما أن تنحرف عن مسارها. يوضح هذه النقطة عبد الرحمن شنقير، المحامي والسجين السابق في سجن أبوسليم مشيراً في حديثه للانقلاب العسكري الذي قام به القذافي وأطاح من خلاله بالملك السابق إدريس السنوسي:" لقد هلل الجميع للقذافي عندما أطاح بالسنوسي... لقد اعتقدنا جميعا في ذلك الحين أن القذافي سيأتي إلينا بالحرية. ولكن انظروا ما الذي حدث بعد ذلك... يجب علينا أن نضمن أن التاريخ لن يكرر نفسه مرة أخرى". ارتبط سجن أبوسليم بحدث رهيب ظل يمثّل دائما وصمة لا تزول لعهد القذافي. ففي يونيو 1996 لقي 1200 سجين مصرعهم -حسب جماعات حقوق الإنسان والناجين من المذبحة- بعد تمرد في السجن أثار ثائرة عبد الله السنوسي صهر القذافي ورئيس الاستخبارات الليبية لفترات طويلة، والهارب حالياً. يقول أنور حراقة 49- سنة مهندس الكمبيوتر الذي يعيش الآن في مانشستر إنجلترا وأحد الناجين - بالصدفة -من تلك المذبحة الرهيبة إن الذين قادوا تمرد السجن عام 1996 كانوا من الليبيين الذين قاتلوا ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. وقد بدأ التمرد - بشهادة بعض الناجين من المذبحة وتقارير جماعات حقوق الإنسان ـ عندما قام السجناء الذين كانوا يحتجون على تقييد الزيارات العائلية، وسوء الأحوال في السجن، وعدم تقديمهم للمحاكمة، وأشياء أخرى عديدة، باحتجاز عدد من حراس السجن كرهائن، والاستيلاء على المفاتيح منهم وفتح أبواب الزنزانات. وعندما وصلت تلك الأنباء إلى السنوسي، هرع من فوره للسجن، ووعد السجناء المتمردين بأنه سيستمع لشكاواهم ما دفعهم للعودة إلى زنازينهم مرة أخرى. كان "حراقة" في ذلك الوقت ضمن 200 سجين موجودين في جزء من السجن لم يتمكنوا من فتح زنازينه مثل السجناء الآخرين، وهو السبب الذي جعل المسؤولون عن السجن لا يشملونهم بالعقاب بل قاموا بتحويلهم إلى جناح منفصل وقدموا لهم في اليوم التالي إفطارا وافرا. وبعد الإفطار بدء هؤلاء يسمعون طلقات بنادق: عدة طلقات مرة واحدة في البداية، وبعد ذلك طلقات فردية، واستمر إطلاق النار لساعتين كاملتين قبل أن يتوقف كما يقول. بعد ذلك جاء أحد حراس السجن إلى زنزانتهم وقال لهم:"لقد مات إخوانكم". في نهاية المطاف تم الإفراج عن "أبوحراقة" عام 2000 ليرتبط مرة أخرى بخطيبته التي انتظرته لمدة 11 عاماً، ويقرر مغادرة ليبيا واستئناف دراسته في انجلترا حيث يعيش الآن هو وزجته وأطفاله الخمسة. لم تعترف حكومة القذافي بشكل كامل بحقيقة ما تم في"أبوسليم" وظل موضوع اختفاء السجناء من التابوهات أو الموضوعات المحرم مناقشتها في ليبيا لعدة سنوات. ولكن ذلك لم يجعل عائلات هؤلاء السجناء الغائبين يتوقفون عن المطالبة بمعرفة مصير أبنائهم، بل وتنظيم احتجاجات عامة للمطالبة بذلك وهو أمر كان خطيرا للغاية في ليبيا القذافي. و الآن وبعد أن تمكن هذا التمرد من القضاء على نظام القذافي، فإن سجن "أبوسليم" الرهيب يقوم بدور جديد، وهو دور السجن الذي يرمز للمظالم والفظائع التي شهدها عهد القذافي، ودور الموقع التذكاري بالنسبة للسجناء السابقين، وأقارب السجناء الذين قتلوا في تمرد 1966الدامي. في الأسبوع الماضي أعلنت مصادر الحكومة الانتقالية الليبية، أنها عثرت على مقبرة جماعية يعتقد أنها الموقع الذي دفن فيه ضحايا مذبحة "أبوسليم". وقالت تلك المصادر إن الأمر قد يتطلب شهوراً بل وسنوات لاستخراج رفات الموتى من المقبرة وإجراء تحاليل الحمض النووي المطلوبة للتأكد من شخصية المدفونين. وقال "أبوحراقة"، الذي زار السجن مؤخرا لتذكر ما جرى فيه منذ خمسة عشر عاماً، وللتأمل في مغزى المعجزة التي تحققت خلال الشهور الماضية:"إنني أشعر بأنني رجل جديد يعيش في بلد جديد". باتريك جيه ماكدونيل - طرابلس الغرب ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي.تي إنترناشيونال»