تمكنت إسبانيا وبفضل مزيج من عوامل النجاح المتمثلة في المرافق والسياسة العامة القويتين، من أن تكون واحدة من دول العالم الرائدة في مجال الطاقة المتجددة. لكن قرار الحكومة بخفض الإعانات المضمونة بأثر رجعي والتي ساعدت في انتعاش هذه الثورة الخضراء، يثير أسئلة تتعلق بسياسة مستقبل الطاقة في إسبانيا. وجاء قرار هذا الخفض للمساعدات التي تم تقديمها لمنتجي الطاقة الكهروضوئية في ديسمبر الماضي في أسوا توقيت، حيث صادف الأزمة الاقتصادية القاسية التي تمر بها إسبانيا. وقال ميجويل ساليز المدير التنفيذي لشركة “أن+1 أوليا” التي تدير أكبر مشغل لطاقة الرياح والطاقة الكهروضوئية في إسبانيا “لم يتضح مستقبل هذا القطاع حتى الآن ومن الضروري أن توضح الحكومة الجديدة موقفها حياله. وبما أن هذا القطاع يتميز بمردوده الاستثماري طويل الأجل، يصبح الوضوح والاستقرار أمرين غاية في الأهمية”. وعندما كان هطول الأمطار فوق المتوسط في العام الماضي، أنتجت إسبانيا أكثر من ثلث الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة مما جعلها واحدة من أكثر البلدان قرباً لتحقيق هدف الاتحاد الأوروبي القاضي بتوليد 20% من إجمالي حاجة الطاقة، من مصادر غير ملوثة للبيئة بحلول عام 2020. وأصبحت إسبانيا من الدول الرائدة في مجال الطاقة الخضراء ويعود ذلك نسبياً لما تملكه من موارد طبيعية، مثل التضاريس الجبلية التي تضمن استمرار توفر الرياح وانخفاض الكثافة السكانية التي تخفف أعباء الطلب والأنهار الكبيرة لإنتاج كهرباء الطاقة الكهرومائية، إضافة إلى أشعة الشمس المتوفرة على مدار العام. كما توفر آلاف الأميال الممتدة من السواحل، إمكانية إنتاج كميات كبيرة من طاقة الرياح البحرية مع إتاحة الفرصة لاختبار طاقة الأمواج. كما أن الافتقار لأي موارد نفط أو غاز، واحد من العوامل المهمة في انتعاش الطاقة المتجددة في البلاد في العقد الماضي. ومع ذلك، لا يمكن لهذه العوامل الطبيعية وضع إسبانيا في مكان متقدم على صعيد الطاقة الخضراء دون اتخاذ سياسات فاعلة تعمل على جذب الاستثمارات والتعويض عن التكلفة المبدئية العالية لتوليد الكهرباء من المصادر غير الملوثة للبيئة. وقررت إسبانيا بالإضافة إلى ألمانيا وهولندا، تطبيق “تعرفة جمركية” التي يتم بموجبها وضع سعر مضمون للمنتجين لعدد محدد من السنوات، مقابل توفير الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة في الشبكة القومية. ويتوفر على ضوء هذه العقود الاستقرار المالي طويل الأجل للمستثمرين، ما يمكنهم من جمع الأموال اللازمة لتمويل مشاريعهم المستقبلية. وفي ظل تطور التقنيات وانخفاض تكاليف الإنتاج، تم إدخال أنواع أخرى من “التعرفة الجمركية” المخفضة في عدد كبير من المشاريع الجديدة. وقال جونزالو إسكريبانو محلل الطاقة لدى “ريل إنستيتيوتو إلكانو” المؤسسة الفكرية في مدريد “تعتبر “التعرفة الجمركية” المقدمة لمشاريع طاقة الرياح الجديدة، منافسة في أسعارها مع الوقود الأحفوري، خاصة عند الأخذ في الاعتبار تكلفة خفض الانبعاثات الكربونية. ووفقاً لعدد من التقارير السنوية الواردة عن مؤسسة “ديلويت” الاستشارية العالمية عن تأثير الطاقة المتجددة في إسبانيا، فإن معدل الادخار الناتج عن عدم استيراد الوقود الأحفوري ووقف الانبعاثات الكربونية، يفوق تكلفة “التعرفة الجمركية” التي يتم دفعها لمنتجي الطاقة المتجددة. ويتم التعويض عن هذه الإعانات من خلال فواتير الكهرباء التي يسددها المستهلكون وليس لها تأثير على عجز الميزانية. وذكر رودريجو بيراساتيجيو المتخصص في الطاقة لدى مؤسسة “جاريجوز” القانونية في إسبانيا، أن المقصود من خفض “التعرفة الجمركية” لعقود الطاقة الكهروضوئية الحالية هو عدم تشجيع المستثمرين غير المتخصصين الذين يسعون وراء الاستفادة من حالة الانتعاش الموجودة. وأشارت كارمن بسيريل مديرة “أكوينا إنيرجي إسبانيا” أكبر مؤسسة في العالم لتطوير الطاقة المتجددة لغير المرافق، إلى أن ما تم القيام به تسبب في “أزمة ثقة ليس على نطاق قطاع الطاقة المتجددة فحسب، بل في الاقتصاد ككل. كما أن التزام السياسيين بخلق هيكل اقتصادي مستقر، واحد من العوامل الرئيسية التي تقف وراء تحقيق النمو الاقتصادي الذي شهدته البلاد مؤخراً. كما تسببت الثقة في الهيكل التنظيمي في جذب إسبانيا لرؤوس الأموال الأجنبية”. وهزت “التعرفة الجمركية” للطاقة الكهروضوئية ثقة ذلك الالتزام. وأضافت كارمن “هذا واحد من القطاعات التي تحتاج إلى توفير بيئة مستقرة من أجل تحقيق كل فوائد الطاقة المتجددة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. لكنني أؤكد أن الخفض الذي حدث في الطاقة الكهروضوئية بأثر رجعي، غير وارد في المستقبل”. وأكد جونزالو إسكريبانو أن هذا الخفض ليس لأكثر من مرة واحدة وهو بغرض التصدي للفقاعة الاستثمارية التي حدثت في القطاع. وبعكس وجهة النظر السائدة التي ترى أن الاستثمار يركز على أنواع أخرى من الطاقة الشمسية، يرى ميجويل ساليز المزيد من الإمكانات الضخمة في الطاقة الكهروضوئية. وأضاف “أن ذلك سيقود وبسرعة إلى لحاق الألواح الشمسية بنفس الوضع الذي تتمتع به طاقة الرياح مع المساواة في التكلفة بأنواع الوقود الأحفوري”. وقال “ينبغي علينا تحقيق تكافؤ في “تعرفة التغذية الجمركية” للمشاريع الجديدة، الشيء الذي يقود إلى الاستغناء عن الإعانات خلال السنوات الثلاث إلى الأربع المقبلة. وينتج عن ذلك نمو كبير في هذه المشاريع”. نقلاً عن: «فاينانشيال تايمز»