الهجوم المدمر والمخيف الذي تعرضت له فرنسا بمدينة نيس، يُشكل أحد أهم المخاطر التي تتعرض لها أوروبا الغربية، فهو هجوم انتحاري واستمرار للنهج الذي اتخذته الجماعات المتطرفة سواء «داعش» أو غيرها. وبالرغم من التعاون الاستخباراتي الغربي فإن مثل هذه الكوارث لا يمكن صدها عبر وسائل أمنية، بقدر ما يجب فهم طبيعة الكراهية المعتمرة بالنفوس وأسبابها وكيفية مواجهتها. الغرب يدفع الثمن لسياساته الرخوة مع حلفائه في العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه يدرك الجميع أن اللعبة «الداعشية» تجاوزت الحدود، وتحولت إلى حالة مرعبة، ولم تعد الأجهزة الاستخباراتية قادرة على التحكم بخيوطها. وربما محاصرة العنف الديني بمساحة جغرافية بعيدة عن الغرب لم تعد مجدية، ومن ثم تفكيك الدول هي كذلك مخاطرة غير محمودة، ولذا على الجميع أن يدرك طبيعة المخاطر. فالعنف الديني الذي تقوده جماعات تدعي أنها إسلامية تحول إلى قضية عالمية، وتحوله يجعل من العالم الإسلامي مصدر قلق ليس محصوراً بجغرافيته، وإنما تحول إلى تصدير تجارة العنف وعولمته. إنها ظاهرة معقدة ولها أوجهها المتعددة يشترك فيها الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، ومن ثم نحن بصدد ظاهرة مركبة ومعقدة تحتاج إلى فهم أعمق مما هو مطروح دولياً. فيما يخص المشرق الإسلامي، لدينا دول هزيلة تتسم إدارتها بالعنف المنظم، وتخاف التحول الديموقراطي، ومن ثم فهي تعمل على حماية نهجها غير عابئة بتداعيات سياساتها العامة. المشرق الإسلامي تحول إلى مركز جذب للعنف بل تربته باتت خصبة لتنامي العنف الديني نتيجة للعداء المستحكم بين المواطن والسلطة. فالمشرق يرى في القوة الأمنية طريقه نحو الاستقرار، ويهتم بنزع أنياب المعارضة حتى وإنْ كانت إصلاحية عقلانية، فهو يرفض المشاركة بمفهومها الواسع، ويميل نحو العلاقة الفوقية التي تربط المواطن بالسلطة. فهناك رغبة جامحة لرفض إرادة التغير، وهناك إيمان مطلق بثبات التاريخ، بينما الحقيقة تقول كل شيء يتغير وإن طال الزمان، لكون التاريخ متحركاً ولا يثبت على مرحلة من مراحله، كما أن الشرق في حالة عجز نفسي في التصالح مع النفس، فهو يتعامل بعقلية جامدة تؤمن بأن كل أوراق اللعبة يملكها ويتحكم بها. المشرق الإسلامي أحياناً يغيب عنه الرشاد، ويتعثر في بناء الدولة القائمة على فكرة المواطنة. وأما الغرب بعمومه، فهو يعي طبيعة المشكلة إلا أنه يتعامل معها وفق مصالحه الخاصة حتى وإن استشرى العنف في داره، فالمخاطرة بخلط المصالح تأتي على حساب الأمن الإنساني بأكمله. إذن نحن نواجه حالة غير مسبوقة في تنامي العنف الذي اخترق عقول البعض وتحول لديهم إلى ممارسة تقرب، على حد زعمهم، الإنسان من خالقه. فالخلاص من الحياة من وجهة نظر هؤلاء، ما هو إلا حياة جديدة يعشقها منتمو مدارس العنف. وتتحول القضية إلى أزمة إنسانية تدفعنا إلى معرفة حالة الخلل العقلي، وكيف نما وتحول إلى سلاح لا يمكن مواجهته بالأسلحة التقليدية، بقدر ما يجب أن نفهم الأسباب التي تدفع الإنسان إلى عشق الموت كي يحيا حياة هانئة. فالحالة العامة تعبر عن رفض متمكن للحياة، وعشق للموت لكونه يوفر حياة جديدة، يراها هؤلاء «حياة» يسودها العدل والخلاص من الظلم والسلام النفسي الذي رسم حياة الشرق المسلم. وربما ضخامة اللوم الموجهة نحو الشرق سببها غياب الاكتراث وحب التفرد، وعشق السلطة. فهي أزمة ثقافية بالدرجة الأولى تحتم علينا مراجعة سياسات عقيمة قادتنا إلى ما نحن فيه.