منذ تفشي جائحة «كورونا» عام 2020، يواجه العالم سلسلة من الأزمات المتلاحقة، التي وضعت الاقتصاد العالمي ومخططي السياسات في مواجهة تعقيدات متواصلة، إذ لم تكُد الدول تخرج من أزمة «كورونا» وتداعياتها واسعة الانتشار، حتى اندلعت حرب روسيا وأوكرانيا في عام 2022، ثم جاءت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، في فبراير 2026، لتكتمل بها سلسلة من الأخطار والتهديدات الجيواستراتيجية الهائلة على الاقتصاد العالمي، جراء تأثير هذه الأزمة على سلاسل إمدادات السلع وموارد الطاقة العالمية.

وسلاسل الإمداد لم تعد مجرد مسارات عالمية لنقل البضائع والخامات والسلع من الموانئ إلى الأسواق في مختلف وجهات العالم، وإنما تغيرت لتصبح شرياناً رئيسيّاً يتحكم في حاضر الاقتصاد العالمي ومستقبله، وباتت عنصراً مركزيّاً في الاستقرار السياسي والاقتصادي للدول كافة. ومع ما يشهده العالم من تصعيد متواصل في الأحداث ذات الطبيعة الجيوسياسية والجيو استراتيجية، وتزايد التحديات التي تلقي بظلالها وتداعياتها وتأثيراتها الكبرى على شبكات التجارة الدولية، وأسواق الطاقة، وتشمل كذلك الجانب الإنساني والإغاثي، فقد تبلورت تدريجيّاً حالة مزمنة من عدم اليقين في قدرة الاقتصاد العالمي على البقاء في دائرة التوازن، وبالتالي بات الأمن والاستقرار العالميان في مواجهة اختبارات صعبة.

وتبرز أهمية سلاسل الإمداد في الأوقات التي تتزايد خلالها التوترات الإقليمية، خاصة في المناطق التي تمثل ممرات استراتيجية محورية للتجارة الدولية، ولاسيما على الصعيد الطاقي، أي مسارات الطاقة، سواء تمثلت في خطوط النقل البحرية، أو عبر ناقلات النفط، حيث تتفاقم التوترات، ما يسفر عن عرقلة حركة الملاحة البحرية، أو تزايد خطر الممارسات العدوانية في بعض الممرات الاستراتيجية. ويُعد ذلك الأمر تهديداً مباشراً لحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، فضلاً عن تداعيات ذلك على تكلفة الشحن والتأمين والوقود، ما يجعل الشركات والدول تعيد النظر في استراتيجياتها الاقتصادية بشكل مستمر.

ولتأكيد مدى تأثير هذه الأزمات، تكفي الإشارة إلى أن مضيق هرمز، الذي تحول إلى محور الصراع في الحرب مع إيران، يمثل شرياناً استراتيجياً بالغ الأهمية والضرورة لحركة تصدير النفط والغاز من دول الخليج العربية إلى الأسواق العالمية، حيث يمر خلاله نحو 20 مليون برميل من النفط يوميّاً (20% تقريباً من الاستهلاك العالمي) في الظروف العادية، فضلاً عن خُمس إمدادات الغاز العالمية، ما يعكس أهمية فائقة للمضيق في أمن الطاقة العالمي. وبإغلاقه من الجانب الإيراني، واستخدامه كسلاح مباشر في الصراع الاستراتيجي-العسكري مع الولايات المتحدة، بات الاقتصاد العالمي تحت رحمة أهداف النظام الإيراني وخططه.

ولتوضيح الأضرار القطاعية، يمكن الإشارة إلى أن اضطرار سلاسل الإمداد إلى رفع تكاليف الشحن، وزيادة مدده الزمنية، لم يكن له تأثير كبير على الأسواق العالمية عبر زيادة تكلفة السلع والمواد الخام، حيث واجهت الشركات الصناعية مشكلات مرتبطة بتخفيض إنتاجها، بسبب تأخير توصيل المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، الأمر الذي سيؤثر بالتبعية في خطوط الإنتاج وأرباح الشركات، ويدفع بعض المؤسسات إلى البحث عن بدائل أكثر قرباً واستقراراً لتقليل المخاطر المستقبلية.

إن قطاع الطاقة بدوره يتسم بالحساسية البالغة لأي اضطرابات في سلاسل الإمداد، حيث يعتمد العالم على حركة النفط والغاز الطبيعي من خلال خطوط النقل البحري المعتادة، ما يجعل أي توتر أو تهديد في تلك الطرق يؤدي تلقائيّاً إلى زيادة في أسعار النفط والغاز، بسبب القلق بشأن الإمدادات، بغض النظر عن مستويات الإنتاج الفعلي.

وتزيد حالة عدم اليقين من حساسية السوق لردود الفعل السياسية والعسكرية، ما يجعل الأسعار قابلة للتذبذب، الأمر الذي يؤثر على خطط النمو الاقتصادي في الكثير من الدول المستوردة للطاقة، ولاسيما الاقتصادات الصاعدة. لم يتوقف تأثير اضطراب سلاسل الإمداد على التجارة والطاقة فقط، بل نلاحظ تداعياته كذلك بشكل واضح في قطاع الأعمال الخيرية والإنسانية والاغاثية، فالمؤسسات الإنسانية والإغاثية تعتمد بشكل كبير على سلاسل الإمداد من أجل توصيل المساعدة إلى المناطق المتضررة جراء النزاعات والحروب والأوبئة والكوارث، وفق خطط وبرامج يصعب تأجيلها، أو إعادة النظر فيها بحكم إلحاح هذه الاحتياجات إنسانياً وإغاثياً.

وعندما يتأخر الشحن أو ترتفع تكلفته، سيترتب على ذلك تعقيدات أكبر في خطط الإغاثة ومدى استجابتها للحالات والظروف الإنسانية الملحة، كما تتعرض هذه المؤسسات لصعوبات في الحصول على التمويل المناسب، بسبب ارتفاع التكاليف التشغيلية المرتبطة بالنقل والتخزين. ومن جانب آخر، دفع هذا التحدي الكثير من الدول والشركات إلى النظر في مفهوم الاعتماد الكبير على شبكات التوريد المعقدة بشكل مختلف، حيث بدأت بعض الاقتصادات الكبرى اعتماد نهج جديد يقوم على التنوع في مصادر الواردات، وتطوير الصناعات المحلية، وإعداد احتياطيات استراتيجية من المواد الأساسية والطاقة، لتتمكن من التكيف في مواجهة الأزمات المتكررة خلال السنوات الأخيرة.

إن تصاعد المخاطر والتهديدات لم يَعُد حدثاً عابراً يمكن التعاطي معه وفق خطط أزمات مؤقتة، بل بات حالة مزمنة يعانيها الاقتصاد العالمي، ومن ثم تغيرت ظروف ومعطيات وبيئة التجارة الدولية، بما في ذلك النفط والغاز، وباتت التهديدات أحد عناصر التحكم في الأسواق، ومن ثم تحديد التكلفة والأسعار، ويعتبرها بعض الخبراء متغيراً أساسياً يتحكم في آليات التسعير، من خلال وجود علاوة الأخطار والتهديدات الجيواستراتيجية التي لا تنتهي.

ورغم أن بعض الخبراء يرون أن الاقتصاد العالمي قادر نسبيّاً على التكيف مع الأزمات المتتابعة التي تحدث، فإن الاستمرار في حالة التوتر الأمني والسياسي يمثل تحدياً مستمرّاً للحفاظ على استقرار سلسلة الإمداد، إذ إن الوضع لم يعد مهدداً فقط بموقف خاص في مجال النقل أو التجارة، بل إن التحدي الأكبر هو المحافظة على وصول الموارد والطاقة والمساعدة الإنسانية في مختلف الظروف.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز التعاون الدولي، وتطوير بنية لوجستية أكثر مرونة، بما يضمن استمرار حركة التجارة، ومسارات الطاقة والمساعدات الإنسانية، بعيداً عن تأثيرات الأزمات والصراعات المتكررة.

باحث -« تريندز للبحوث والاستشارات»