كتاب «فلسفة المجتمع السعيد» ألفه الفيلسوف البولندي جوليان كوراب كاربوفيتش المولود سنة 1953م، وترجمه إلى العربية المترجم جورج سفر يعقوب، والفيلسوف البولندي يحدد في كتابه شروط تحقيق السعادة في مجتمع من المجتمعات فيربط بين المجتمع السعيد والدولة الصالحة والتطور البشري، وحسب ما جاء في الكتاب، فإن ذلك ينتج عن التناغم والتكامل والعمل المشترك في مجتمع معين، فيتكاثف ما هو تربوي بما هو أخلاقي وبمشروعية الطموح والتمتع بالحرية وبمكارم الأخلاق والمحافظة على التقاليد والتسامح والانفتاح على الآخر لتعمّ السعادة والرخاء في مجتمع ما، ويعد هذا الكتاب بحق دليلاً للأفراد والمجتمعات بكل أطيافهم نحو تحقيق السعادة، ولتفصيل ذلك أكثر قمنا باختيار هذه الشذريات.
حدد أرسطو السعادة بأنها تحقيق ما نصبو إليه في حياتنا، وتجديد كامل للطاقات الكامنة فينا وتنمية لشخصيتنا وتحقيق لذواتنا.
السعادة ليست لحظة عابرة من المتعة، على الرغم من أن الكثير من الأشياء قد تجلب لنا الغبطة والفرح، ولكن السعادة لا تنحصر في واحدة منها فقط، كما أننا لا نحصرها في الحالات الصوفية الباطنية المتاحة فقط لقلة قليلة من الناس، وإذا نظرنا إليها كقيمة ثابتة، قيمة يمكن للمجتمع أن يسند إليها حياته الاجتماعية فسترتبط حينها بالحرية، أي بإمكانية تحقيق الذات للأفراد والمجموعات ولأفراد المجتمع كافة.
العيش في ظروف التناغم الاجتماعي يعني العيش في حالات جمالية، ويترجم هذا إلى ثلاثة جوانب ثقافية: المادي والاجتماعي والروحي.
من أجل مجتمع سعيد يجب أن تعتمد المعرفة على التراث الثقافي للشعب والتراث الإنساني، وكذلك يجب أن تواكب مستجدات العصر باستمرار ويتم إغناؤها.
السعادة كفعل لتحقيق الذات تشمل الفرد والمجتمع.
كل إنسان يستحق أن يكون سعيداً ومحققاً لما يصبو إليه، فقد جئنا إلى هذا العالم كي نتطور ونكون سعداء.
يمكننا أن نكون سعداء في هذا العالم كأفراد وكجماعات، ولكي نكون سعداء ليس علينا أن ننفصل عن مجتمعنا فلا أحد خلق كي يعيش وحيداً منعزلاً. فالسكينة الداخلية وما ينتج عنها من سعادة هي تجارب سامية ورائعة، لكنها لا تستنفد كل إمكانياتها في تجربة السعادة.
كلمة الثقافة في أهم معانيها مرتبطة بمواكبة وتجديد قوانا المعرفية والإبداعية الكامنة وتهذيب أنفسنا.
المعاصرة وما بعد المعاصرة يحلان محل التطورية. في عصر التطور هذا علينا أن نبني الجديد على أساس تقاليدنا وقيمنا الإيجابية، ونظراً لمساهمة الأديان في تطور البشرية علينا أن نكشف النفيس فيها وهو الروحانية.
نحن نحيا في بيئة ثقافية محددة تدخل فيها العادات والتسلية والتربية والأخلاق والقانون والسياسة والاقتصاد والعلوم والفلسفة والدين والفن.
عالمنا ليس وهماً، ولا يمكن أن نطابق بينه وبين المعاناة، لأنه حتى لو وقعت أحداث لها علاقة بالمرض أو الفشل وسببت لنا الحزن يبقى عالمنا مكاناً يمكننا أن نسعد فيه، والحياة البشرية لا تقتصر على سيل متدفق من الملذات ينساق وراءها الماديون أتباع هوبز، أو يحاول الزهاد ترويضها عن طريق الولوج إلى عالم الصلوات والتأملات. لكن الحياة بالأحرى سلسلة متواصلة من التجارب، فإذا كانت تجارب سعيدة تملأ حياتنا بمحتويات إيجابية تجريبية حينها تكون حياتنا سعيدة. فالسعادة إذن مرتبطة بالتجارب التي نرى أنها إيجابية ومن جهة أخرى نجدها ترتبط بعملية تحقيق الذات.
الجماعة بنية اجتماعية صنعها أفراد يتمتعون بهوية مشتركة على مر العديد من الأجيال.. وأفضل المجموعات هي تلك المتناغمة السعيدة التي تعتمد على مبادئ المجتمع السعيد، أي تلك التي يتعاون أفرادها على أساس الاحترام المتبادل والتكامل وتحقيق الذات.
وبذلك يكون المجتمع السعيد مجتمعاً يملك فيه كل فرد إمكانية تحقيق الذات مع احترام حق الآخرين في تحقيق الذات.
يتفوق الإنسان على نفسه مرتين: في المرة الأولى، عندما ينتج الثقافة فيتفوق على حيوانيته، وفي المرة الثانية عندما يصل إلى مستوى معين من الصقل الأخلاقي والذهني، فيخلق شخصيته الذاتية وبذلك يتجاوز المتوسط العام للثقافة، أي الأفكار السائدة والتيارات والموضة. وفي خروجه عن الشائع والمألوف وفي وعيه الذاتي أنه خرج عن آراء الآخرين، يصبح أكثر رشداً وحرية بما تعنيه هذه الكلمة.
أن تأخذ من الآخرين من دون أن تقدم شيئاً، وهو ما نجده في حالات الاحتيال أو غيرها من حالات الخداع، يفسد الثقة بين الناس ويفسد العمل المشترك، كما يؤدي إلى النزاع والتنافر الاجتماعي.
الأفراد العظام والجمهور العظيم، على قدم المساواة يصنعون التاريخ.
أهم الكنوز في أي بلد هم المواطنون، وتأتي قيمتهم من مؤهلاتهم وأخلاقهم، وأخلاق المواطنين تتلخص في العمل المشترك والمعرفة وريادة الأعمال وروح المبادرة والوطنية، يمكنها أن تحول بلداً فقيراً إلى بلد غني، أما نقيض تلك القيم كالنزاعات والعجز والفساد والخمول والمصالح الشخصية، فيمكنها أن تؤدي إلى انهيار الدول.
حياتنا تتخذ شكلها عبر الثقافة والحضارة التي نقيمهما.
نتيجة التأثير الثقافي السليم وما يرتبط به من عملية تربوية يستطيع الأفراد أن ينمّوا في أنفسهم بعض السمات الشخصية الإيجابية، أي مكارم الأخلاق.
أول مبدأ إنساني للبشرية والمجتمع السعيد هو أن العمل المشترك مُلزم أخلاقياً لكل فرد يستطيع التفكير.
مبادئ السلوك والآداب الاجتماعية والقيم الثقافية التي نتبناها هي التي تؤثر في تصرفاتنا.
الجانب الروحي لدى الناس يتمثل في الإحساس المرهف والمواقف النبيلة والأفكار العميقة والمثل العليا الخلاقة في العلوم والدين والفلسفة.
لكي نتجنب النزاعات الحضارية، فإن ثقافة مجتمع ما يجب أن تستند إلى ثقافته المحلية السائدة، مع ضمان التسامح مع الثقافات الأخرى.