الأربعاء 29 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

عدنان الصايغ: الحركة الشعرية العراقية تزداد لمعاناً

عدنان الصايغ: الحركة الشعرية العراقية تزداد لمعاناً
31 يوليو 2007 02:49
ولد في الكوفة سنة ،1955 وهو عضوالاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وعضو اتحاد الصحفيين العراقيين، وعضو منظمة الصحفيين العالميين، وعضو اتحاد الأدباء السويديين، وعضو نادي القلم الدولي السويد· نشر عدنان الصائغ الكثير من دواوين الشعر، أهمها: تحت سماء غريبة، تأبط منفى ( الذي ترجمه مؤخرا إلى الانجليزية الشاعر العراقي جواد وادي)، صراخ بحجم الوطن، نشيد أوروك، تكوينات، غيمة الصمغ، سرايا لشعرها الطويل، سماء في خوذة، العصافير لا تحب الرصاص، أغنيات على جسر الكوفة انتظريني تحت نصب الحرية· فاز بعدد كبير من الجوائز العالمية، كما شارك في العشرات من اللقاءات الشعرية 'الاتحاد''التقت الشاعر عدنان الصايغ وهو يهم بالسفر مؤخرا إلى إيطاليا للمشاركة كضيف شرف في مهرجان الشعر الإيطالي في دورته الخامسة وكان معه هذا الحوار: ؟ هل لك أن تحدثنا عن ظروف كتابة نشيد أوروك وكيفية استجماع مصادر العمل الحافل بالأساطير والخرافات والفلسفة والحكمة والتاريخ وكذلك باعتباره أطول نص شعري عراقي كتب في السنوات الاخيرة؟ ؟؟المكان: اصطبل مهجور للحيوانات في قرية ''شيخ اوصال'' في شمال العراق (وجدتني فيه جندياً محتجزاً كعقوبة لأنهم عثروا عندي على مجموعة من الكتب)· الزمان: منتصف سنوات الحرب العراقية الايرانية وما تلاها (1984- 1996)· الأحداث: كل ما مر على هذه الأرض الطاعنة في المرارات والحضارات والثروات والحروب، وجدتني أستقرئ من خلالها وفيها أحداث روحي اللائبة وسطوري وأحلامي وأرضي وشعبي وتاريخي، من أغاني اينانا حتى الحقول المحروثة بغاز الخردل والتي كانت تلوح على مبعدة من شهقاتنا الحبيسة· في عام 1993 ساغادر العراق إلى عمان، وسيحمل لي أحد الأصدقاء بين حقائبه نسخة القصيدة التي تركتها هناك خوفا عليها من عيونهم·· وسأظل أشتغل عليها ثم لتنتقل معي في طوافي إلى صنعاء وعدن والخرطوم فدمشق منسلاً منها إلى بيروت، حيث تأخذها أحد دور النشر وتباشر بطبعها كاملة لكنها للأسف ستتعرض للمنع في الكثير من البلدان العربية·· العراق ؟ كيف تستشرف الحركة الشعرية بالعراق في ظل المتغيرات الحالية؟ ؟؟الحركة الشعرية العراقية في كل منعطفات التاريخ الحادة لم تزدد إلا لمعاناً واستشرافاً وتجريباً· ودليلي على هذا هو تلك النصوص الضاجة بفيوضاتها رغم مشهد الخراب·· وليس غريباً ذلك فكثيراً ما يولد الشعر العظيم من رحم المعاناة الكبيرة· ؟ما يبقى يؤسسه الشعراء ماذا تنوي تأسيسه لتساهم في بناء مجتمع يسوده العدل والسلام في بلدك العراق الذي أنهكته الحروب والديكتاتورية ؟ ؟؟ ما أحلم به حقاً هو أن أصحو ذات صباح فيروزي، فلا أسمع دوي الانفجارات والتصريحات والمزايدات· ؟ بعد زيارتك مؤخرا لبغداد كيف كان شعورك بعد فترة المنفى الطويلة، وكيف تعاملت مع الواقع الجديد، ولماذا لم تفكر في تأسيس مشهد ثقافي يتلاءم مع المتغيرات الجديدة، سيما وأنتم تحملون رؤية جديدة بعد تجربة الغربة، بعد الانهيارات التي طالت المشهد الثقافي العراقي· ؟؟ لم تمهلنا الانفجارات أن نرتوي من لحظة الفرح بسقوط الطاغية· أن نتأمل تلك اللحظة، أن نستوعبها، أن نقومها·· أن نراجع ما لها وما عليها وما لنا وما لها· وبالتالي لم نتمكن حتى من فتح حقائبنا وأحلامنا التي حملناها معنا لنحط رحالنا بعد سنوات النفي والشتات· ولم نتمكن من ايجاد أي فسحة للتأسيس أو حتى للحلم بالتأسيس وسط واقع منهك زادته المطامع السياسية الجديدة نهشاً وانهاكاً·· المشاريع الثقافية والحضارية والعمرانية والتربوية تحتاج الى استقرار وهذا الاستقرار يحتاج الى أرض غير رجراجة يمكن أن تقف عليها لبنات البناء·· ما حدث بعد سقوط النظام العراقي السابق يكاد لا يُصدّق· مّنْ الملام؟· اميركا، النظام، زبانيته قوى الظلام، سنوات القهر، بوابة السجن الكبير التي انفتحت على مصراعيها، الجنرالات السياسيون، الأحزاب المفكرون رجل الدين المثقففون لكن يبقى السؤال نازفاً وموجعاً ومتشابكاً وحائراً لا يجد جواباً معقولاً·· في زيارتي الأخيرة إلى بغداد رأيت عطشاً حقيقياً لدى الشارع - والمثقف بشكل خاص - للحرية التي حُرم منها لعقود طويلة· لكني وجدت أن البعض أساء استخدامها· ربما لأنه لا يريدها أو لم يفهمها أو لم يتعود التعامل معها·· ومع ذلك فلا ضير كبيرا من ذلك، قياساً لما خلفه الطغيان والمصادرة·· فالطريق إلى الحرية وتعلمها يحتاج إلى الكثير من الجهد·· لقد رأيت المكتبات - رغم مشهد الخراب - تعج بعشاق الكلمة· وكنت أمر على الشوارع والمقاهي والأصدقاء ولوعات الأهل وكأني أقرأ فصولاً من سفر العذاب والأمل معاً· يا لهذه الأرض كم هي مدهشة وحية وعصية على اليباب· ؟ عول الكثيرون عند عودتك إلى العراق بأن تعمل على سد الفراغ الثقافي من خلال الإصدارات الثقافية· أو على الأقل تأسيس قناة عراقية ثقافية· ؟؟ من ناحيتي أرى أن الشاعر قادر على تأسيس مشروعه الجمالي والإنساني والثقافي ومواصلته أينما كان ويكون·· ومن تلاقح هذه المشاريع وتحاورها يمكن بناء المشروع الثقافي العام، وتأسيس ثقافة وطن قادرة على فتح كوى خضراء مضيئة في جدار الظلام السميك الذي بناه الطغاة واعداء الحرية·· ومشروعي يندرج في هذا الاطار مبتعداً عن التدافع بالمناكب والخطابات التي أرهقتنا كثيرة بصخبها وعجاجها طيلة عقود طويلة، مؤمناً أن ''ما يبقى يؤسسه الشعراء'' كما يقول الشاعر الألماني هولدرلن· لا عودة نهائية ولا بقاء نهائيا، هكذا وضعتنا أقدار الوطن والمنفى أو أقدار الشعر، وبينهما أجدني منهمكاً بنصي الجديد ''نرد النص'' الذي أحاول أن أفتح به نفقاً مغايراً، لمشروع الكتابة الجديدة· الثقافة العربية ؟ هل هناك مؤامرة ضد الثقافة العربية تحاك باستمرار من طرف الفضائيات التي لاتقدم إلا الطرب المبتذل والكليبات التي تصيب المشاهد بكسل وخمول· ؟؟ شبعنا حدّ التخمة من هذه الكلمة: ''المؤامرة''، سواء على مستوى الشارع والسياسة والثقافة والدين· ليس هناك أكثر ايذاء وخطورة على الوطن أو الثقافة من القائمين عليها أنفسهم إذا كانوا ذوي عقول متحجرة وظلامية لا يبغون من أمر الوطن سوى تأسيس جهاز مخابرات وحرس جمهوري وصناديق اقتراع تفرز لهم أصواتاً ثابتة مدى الحياة بنسبة 99,99% ، ولا يعلمون من شؤون الثقافة سوى تعليق لافتاتهم وشعاراتهم وقصائد المديح الجنجلوتية بحقهم، ولا يفقهون من الدين سوى السيارات المفخخة والتفجيرات والقتل والتحريم· هذه العقليات أينما تكون في الفضائيات أو الصحافة أو الشؤون الثقافية أو دائرة الفنون فإنها تلغي كل مجال للعقل والتطور· وقد شهدنا في السنوات الأخيرة طوفاناً عارماً من الاستسهال والتعمية عاد بنا إلى الوراء عقوداً وعقوداً حد أن نجد أن ما كان يمكن تداوله من كتب وآراء في مطلع القرن الماضي بات بحكم المحرم والممنوع· وخذ قائمة الكتب المصادرة في معارض الكتب·· وخذ ما يصدر من فنون الطبيخ الثقافي والسياسي، في كتب فاخرة زاهية الألوان، وشدة الإقبال الجماهيري عليها تجد أن الجميع مشترك - وإن كان بنسب متفاوتة - في هذا التقهقر الفاجع والمستمر إلى الوراء·· الشعر ؟ هل انتهى زمن الشعراء ؟ ؟؟ لماذا ينتهي زمن الشعر وهو كل الأزمنة؟! لماذا نتوقف عن كتابة الشعر وهو رئتنا والنافذة المفتوحة على العالم؟! يقول الشاعر الفرنسي جان كوكتو: ''الشعر ضرورة، وآه لو أعرف لماذا '' نعم، - أيها الأصدقاء - آه لو أعرف أو لو نعرف لماذا نكتب؟ نحن حفاة التاريخ ومؤسسي ممالك الدهشة، المشردين على أرصفة الكلمات· طردنا أفلاطون من جمهوريته، فهمنا على وجوهنا في كل وادٍ - كما وصفنا القرآن - يتبعنا الغاوون، وتلاحقنا التقارير والأنظمة والحكام، والشتائم· نحمل الوطن المصلوب من منفى إلى منفى كما ردد البياتي، أو نحمل خشبة الصلب على أكتافنا نبحث عمن يصلبنا عليها كما فعل الشاعر القديم دعبل بن علي الخزاعي· صلبوا منا الحلاج ورموا ابن المقفع في تنور مسجور وأمروا يزيد بن مفرغ أن يحك بأظافره قصائد هجائه للحاكم، التي كتبها على الحيطان حتى بريت أصابعه وظلت تنزف دماً حتى مات، والخ والخ، وقائمة الذبح والتشرد تطول· ؟ فلماذا الشعر ولماذا نكتب؟ ؟؟ بل قل لماذا نحمل صليب كلماتنا على أكتافنا يومياً ونمشي في شوارع الوطن العربي وساحات المنافي بحثاً عن وطن آمن لكلماتنا؟· وكنت أتمنى لو وُجه هذا السؤال إلى القراء: لماذا مازلتم مصرين على قراءة الشعر رغم كل الظروف الصعبة؟ ذلك أن الشاعر مهما أوتي من قدرة التنظير عن فنه وهواجسه، سيجد نفسه مرتبكاً أمام سؤال مثل هذا يريد أن يختصر عمره كله بكلمتين فقط، ثم يختمهما بعلامة استفهام تشبه أنف محقق في دائرة أمنية· وأعود إلى كوكتو ثانيةً وهو يقول: ''إن الفنان لا يستطيع أن يتحدث عن فنه إلا بقدر ما تستطيع الشجرة أن تناقش في الهندسة الزراعية'' ونمضي معه في دروب الحياة والكتابة والفن والطبيعة لنجد أن الكاتب لا يعرف أيضاً لماذا يكتب· مثلما الشجرة لا تعرف لماذا تثمر والعصفور لا يعرف لماذا يغني والبحر لا يعرف لماذا يهدر والسنبلة لماذا تنضج والسحابة لماذا تمطر والخ والخ·
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©