الأحد 1 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

قوص·· عاصمة الشعر الشعبي والسيرة الهلالية

قوص·· عاصمة الشعر الشعبي والسيرة الهلالية
21 مايو 2005

القاهرة ــ حمدي رزق :
للناس مآرب في زيارة البلدان والسياحة بين الشعوب، من تجارة إلى أدب وفن وجمال أو حتى ترفيه بسيط، غير أن الزائر لمدينة 'قوص' في محافظة قنا، بأقصى صعيد مصر، لا يملك إلا أن يرتادها طلبا للشعر الشعبي المروي على 'الربابة'· وفي 'قوص' تجد نفسك في عاصمة الشعر الشعبي، السيرة الهلالية هنا أنشودة لها بداية - ولكنها بلا نهاية - تتردد مقاطع منها على ألسنة الصبية الصغار، وتوشك أن تكتمل على ألسنة الشباب، وتكتمل تماما على ألسنة أهل الخبرة ممن عركهم الزمان، و'ضربتهم' السيرة، وهاموا بها حباً· والسيرة الهلالية - وإن كانت النص الخالد بوجدان أهل صعيد مصر ليست الوحيدة المروية على الألسنة القوصية، ولا هي المعشوقة الوحيدة للربابة، وهناك تختلط السير ولا يعرف أولها من آخرها· فإذا سرت في دروب 'قوص' العتيقة الملتوية، داعبت أذنيك أشعار الغزل الشعبي، وتأوهات الزمن، ولأن السير الشعبية متشابهة من حيث قوالبها اللغوية وأشكالها الفنية فربما لا تعرف السيرة التي ينتمي إليها هذا البيت أو ذاك· ولا تزال 'قوص' تقاوم اندثار الفنون الشعبية المروية القديمة - والتي تؤذن شمسها بالمغيب في معظم العالم الآن - مع هجمة الفنون البصرية·
وتقع قوص في أقصى جنوب قنا محافظة الأدب العربي القديم والمعاصر، وذهب نقاد كبار إلى وصف قنا بصاحبة المدرسة العربية الخالصة في الأدب، لتمسكها بفنون الأدب العربي في صورته الخالصة· فشعراؤها المتعلمون في الجامعات كانوا ينزحون من قنا إلى القاهرة شمالا ليلتحقوا بجامعتها، وكانوا شعراء كلاسيكيين تمسكوا بالعمود الشعري، وروائيوها وقصاصوها لم يميلوا كثيرا أو قليلاً إلى اتجاهات الحداثة وما بعدها، وشعراؤها الشعبيون تمسكوا بالربابة، واحتفظوا بأصح الروايات للسيرة الهلالية التي أحصى المختصون بها 11 رواية·
وقنا هي المهبط الأساسي لهجرات القبائل العربية إلى مصر في زمن الفتح العربي وفي العقود التي تلته، كانت هذه القبائل تعبر البحر الأحمر إلى مصر، ووجدت محافظات جنوب الصعيد ' سوهاج وقنا وأسوان' الأقرب إليها جغرافيا، وطابت لهم سكنى 'قنا'· وعرفت مصر ولاتزال القبائل الثلاث الأكبر حجماً وشهرة فيها 'الهوارة' و'الأشراف' و'العرب' ممن ينتمون بأصولهم للحجاز واليمن· وهذه النشأة البدوية الخالصة، صنعت في قنا حالة من الاعتزاز اللغوي والأدبي بالقديم، من حيث هو تعبير اجتماعي - وكان سياسيا أيضا في الماضي!! وهذه القبائل، وإن كانت قد انخرطت تماما في سبيكة المجتمع لا تزال تحتفظ ببداوتها· و'قوص' جزء من هذه التركيبة، وكان لها في التاريخ مكان خاص في الأدب والعلم، فكان جامعها الكبير يسمى 'الجامع الثالث'، لأنه الأكبر حجما ومساحة ومكانة في تدريس علوم الدين والأدب في القرون الوسطى بعد الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص بالقاهرة· وكانت قوص كبرى مدن قنا وحاضرتها · وبرغم الحداثة التي اجتاحت الوجدان والوعي في قوص بعد انتشار التعليم والخدمات والاتصالات فإن اهلها حافظوا على ربابتهم وسيرتهم الهلالية، خاصة أن 'بني هلال' - أصحاب السيرة والتغريبة - استوطنوا قوص وما حولها فترة من زمن الخلفاء الفاطميين قادمين من 'نجد'·· وبالتدريج تحولت قوص إلى ملتقى لكل الهجرات والعائلات العربية من الجزيرة والمغرب· وإذا كانت 'قوص' عاصمة السيرة والربابة، فإن 'سيد الضوي' هو شيخ العاصمة وقلب السيرة النابض وتراه متكئاً على دكته الخشبية في قوص، ورغم أن ما بقي من نور عينيه لا يكفيه ليتعرف إلى شكل الغريب القادم تجاهه، فإان سنوات عمره السبعين، دربته على حسن الاستقبال والبسمة في وجه كل من يسأل عن 'عم سيد الضوي'·ربابته الخشبية لا تفارق حضنه، يتمسك بها تمسكه بما تبقى من حياته التي لم يعد يبالي أي عدد من السنين بقي منها، فهي رفيق مسيرة طويلة طاف بها الدنيا، وقابل أناسا من كل الطوائف والأعراق والأديان والطبقات والألسنة وحده أو مع صديقه الأقرب الشاعر عبد الرحمن الأبنودي· واكتمل معنى 'سيد الضوي' بالربابة واكتمل معناها به، وصارا معاً علمين على سرد سيرة الهلالية، حتى عده الناس أحد أبطال السيرة المغاوير !،في قلب الضوي خمسة ملايين بيت من الهلالية، تتقلب في معانيها بين الحكاية والشعر والبطولات والحب والخيانة والخداع وطلب العدل ! يحفظها عن ظهر قلب، وورثها عن والده 'الضوي الكبير' وعمه 'جابر أبو حسين' أشهر رواتها· وبرحيلهما صار سيد الضوي آخر شعرائها الباقين قيد الحياة·· وإن كان يتميز عن جميع الرواة والشعراء بمحاولاته لجمع ما تبقى من السير على لسان من عداه من الشعراء والرواة، فطلبها في تونس - وطن السيرة الأم - والجزائر والمغرب والنيجر ومالي ونجد واليمن والشام بحثا عن بيت مفقود أو حكاية سقطت سهوا!· ويحكي 'سيد الضوي' كيف كان يطوف مع أبيه وعمه القرى والنجوع منذ كان ابن عشر سنين - طلباً للسيرة ويقول: عند العودة كانت تسألني أمي 'ماذا قال لك أبوك اليوم ؟'، وتجلس في صمت تستمع وأنا أحكي السيرة عن رواية والدي ولو نسيت بيتاً واحداً تضربني بشدة، وتقول لي 'السيرة الهلالية هي الرزق الذي قيضه لنا الله، فكيف لا تحافظ عليها ؟'· ويسكن سيد الضوي شارعا ضيقا من قوص يسمى 'امتداد الطواب' نسبة لرجل كان يقال له 'الطواب'، له مقام وجامع في المدينة، وهو - وفق رواية سيد الضوي - مهاجر مغربي قديم مثل الأولياء المغاربة الذين فروا إلى مصر بعد سقوط الأندلس في يد الإسبان واستقبله أهل قوص بحفاوة كبيرة· ويقول الضوي: أهلنا كانوا ولايزالون يعتبرون كل من يقطع طريقا طويلة بحثا عن هدف ما، يعتبر إنساناً غير عادي ويحمل شيئا بداخله يستوجب الاحترام والتقديس !! وربما لذلك السبب نفسه أحاطوا 'تغريبة بني هلال' بكل هذه القدسية ! ويحكي سيد الضوي: كنا نزور القرى فتستقبلنا مشاعر أهلها الدافئة وحماستهم ونغني ونقول السير والحكايات والكل يجلس مشدوها لا يفتح فمه بكلمة، فيما تشدو الربابة بالنغم الشجي والأشعار·· السيرة الهلالية والزير سالم وسيف بن ذي يزن والزناتي خليفة وغيرها· ويعرف أهلنا الفوارق بين أشعار السيرة فنيا، من موال 'أحمر' و'أخضر' و'أبيض'، فالأحمر يحمل شعر الهم والدنيا وغدر الزمان، والأخضر للحب والهجر والعشق والنساء، والأبيض للحرب والحماسة والشجاعة· وتشدو الربابة أيضا بالسير الخفيفة التي تحول معظم رواة الربابة إليها الآن مثل عزيزة ويونس وحسن ونعيمة، وعلى الزيبق وغيرها·· وكانت في الماضي لا تروى إلاّ في الأفراح· ويرى سيد الضوي أن السيرة تعلم الرجال الفروسية والتحضر والكرم، وإن كان المرء يحتاج إلى درجات من الإنصات حتى يستقي منها العبر و'العلم لا يأتي دفعة واحدة' بل تحتاج السيرة إلى التركيز والفهم· وهي 'كلام مفتوح وآخر مغلق يحتاج لذائقة مرهفة وتركيز لتنجلي معانيه وإلا تاه السامع وغمض عليه الأمر كله'·
الأنثى الوحيدة
والربابة هي العنصر المؤنث الوحيد في السيرة الشعبية، فالشاعر رجل، وأبطال السيرة - غالبا - من الرجال، والمعاني كلها تصب في الشجاعة والفروسية ورواد المقهى المستمعون للسيرة رجال، إلا 'الربابة' - الأداة الأساسية - تبدو أنثى وحيدة في هذا الطوفان الذكوري ! وعن الربابة آلة العزف الوحيدة - والأنثى المرموقة في دنيا السيرة - يحكي سيد الضوي: الربابة صوت، فطري جميل مؤثر ومبجل في الأسماع والقلوب، تأتي بنغمات تعجز عنها جميع آلات الموسيقى في الشرق والمغرب، وتصل إلى ثمانٍ وأربعين نغمة على وترين فقط، فيما 'الكمان' له خمسة أوتار وكذلك 'العود' وكلاهما لا يأتي سوى بنصف هذا العدد من النغمات· وأضاف: أشرف بنفسي على صناعة آلة الربابة، وهي تصنع يدويا·· واستهلكت في حياتي 4 ربابات، فأكلف النجار بخرط خشب أشجار الخوخ أو السنط، وأقيس طولها بأصابع يدي بحيث لا تزيد على 50 سنتيمتراً، ثم نأتي بشعر من ذيل حصان حي '!!' لكي يكون شعره نضرا لا ينقطع بسهولة، ويقسم هذا الشعر على جزأين، ليصبح كل جزء منهما وتراً· أما القوس الذي أعزف به فيصنع من 'بوص الغاب'، وبرغم استهلاكي أربع ربابات إلى الآن، مازلت أحتفظ بربابة أبي الضوي الكبير وأعزف عليها أحياناً في الحفلات الكبيرة، تفاؤلاً بذكراه، فالربابة والسيرة كلما تقدم بهما الزمن زادا بريقاً وحلاوة ! إلا أن أحزان سيد الضوي أيضا لا تنقضي فقد حكم عليه القدر بأن يدفن أبناءه الثلاثة واحداً بعد واحد، تماماً كحزنه على 'أبي زيد الهلالي' بطل السيرة المغوار، ويرفض الضوي أن يروي باقي السيرة التي تمتد أحداثها لما بعد رحيل أبي زيد بجيل كامل، ويقول: تركت باقي السيرة لغيري يرويها، وتكفيني بطولات 'أبي زيد' وحده· ولم يبق من نسل 'الضوي' سوى الحفيد 'رمضان' الذي ترك التعليم قبل أن يستكمل دراسته الثانوية وتفرغ مع جده للسيرة الهلالية· رمضان الحفيد المدلل الذي تحيطه العائلة بهالة من العناية وهو حامل السيرة الجديد، والمسؤول عن إرث ضخم حفظه عن سيد الضوي، ولكن رمضان إلى الآن لم يحفظ سوى ثلث أبياتها·
وإلى جانب آل الضوي، هناك رواة وعازفون تتعاظم شهرتهم هذه الأيام، وتخرج من قوص لتعانق عواصم الدنيا المختلفة و'الفاوي' أحد هؤلاء الرواة العازفين، وهو رجل ذو ملامح حادة وشارب كثيف، وهو أقدم عازفي الربابة في قنا كلها، ويعزف على الربابة منذ كان ابن تسعة أعوام، غير أنه لم يحترف إلا حين بلغ سن الخامسة عشرة· وتجاوز الفاوي' 50 عاماً من العزف والرواية، ويفخر بأنه جاب العالم بربابته وسيرته الهلالية وغيرها من السير في فرنسا حيث يشارك سنوياً بمهرجان الموسيقى الشعبية وفي إسبانيا حيث يشارك بمهرجاني مدريد وبرشلونة، وإيطاليا والصين ودول أخرى لا يحفظ أسماءها !! لكن الفاوي يعد أشهر في مجال عزف الربابة، من كونه شاعراً راوياً للسيرة وطريقة عزفه مبتكرة، وأحياناً يترك لابن أخيه -محمد كمال - 30 عاماً الغناء والرواية، ولمحمد كمال هذا قصة أخرى· يطلقون على محمد كمال في قنا 'حسن المغنواتي' بطل السيرة الشعبية 'حسن ونعيمة' الذي كان يشتغل بالغناء ويعرف بحلاوة الصوت ومحمد كمال رشيق بهي الطلعة قوي الصوت شجيه ويطلبه الأهالي إلى أفراحهم وهو بطل ليالي موالد الأولياء· ويقول: أنه لم يكن مقتنعاً بحلاوة صوته غير أن عمه 'شوقي القناوي' أحد مطربي الموال الشعبي الصعيدي الذي توفى خلال العام 2002 أقنعه باحتراف الغناء، فانصاع له وصار صوتا شابا مبشرا في عالم السيرة، لكنه ليس مضروبا بها كسيد الضوي أو الراحل جابر أبو حسين، والضوي الكبير، وإنما يغني أيضا الموال الشعبي والأغاني العاطفية، ورفض أن يسجل السيرة الهلالية بصوته على ألبوم، لأن ذلك كما يعتقد سيجعل الناس يستمعون إلى الألبوم لا لادائه !·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©