السبت 14 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

الأخدود بريد الجبل

الأخدود بريد الجبل
5 مارس 2020 03:09

يمضي ذلك الشقّ العميق في السهوب، في الأزمنة الغائبة، لا تدري إلى أي العتبات يصل، بفأس الطوفان كسر الأرض. فصلها، وفصلك، كيما تصير إنساناً مهجوراً متلذذاً بالفراغ العظيم، وكأنك الإنسان المنزّه من الملاحم، لا زمن لك، ظلٌّ معتق بالغياب والخفاء، لن تخرج من رماد الذنب إلا ملفوفاً إلى الأبد بقماط من طين وسدر، مبتلاً بالصباح والأسطح الباردة وبراءة البداية، تخفق في نزهة الحجر والندى وقرابين الصخر للسماء.
يمضي ذلك الشق العميق في الحصى والأودية المنسية، في تجاويف زمن جيولوجي بائد، وتمضي الطمأنينة وعظام الأجداد، وقانون الجاذبية وهسيس الكواكب، ويمضي انعكاس وحدتنا في الماء.
هو سرّ مطلق في حياتنا، ونحن نمضي خلف احتياجنا لصمته.
يعبر الدّهر مسارب الماء ومتون الفتق الأفعواني العظيم، يتلقفه صوت ناي، فتعبر قبور الأولياء، غابات الحناء، أفلاج المختارين، مناحل الكهوف، أناشيد الرّعاة على الصخور، مسابيح الطيبين، عُقد السحرة، ونفث مردة الجن العابرين، ويعبر دويّ أجنحة الولي الذي هرّب عرش بلقيس من اليمن.
الجميع يعبر مساربه، مع الهواء، مع الأشقياء، مع الحفاة والمساكين، وتعبر الأفلاك، ورياح البحار الميتة، وقمم الأكوان المتشظية.
وأتت القصيدة لتعبر، أتت الهيبة والجلالة، أتى الظلام الأبيض، وأتى الباب والقرية، منارة المسجد، هلال القُبة، ثم عبرت الشمس والظل والميْسم وحلم طفل ساعة الفجر. إلا العطش، لم يكن عابراً، أضرم في الأخدود أزمنة الطاعون والحرب والجراد.
وبعد سنين طويلة من الرضوض والهزات والفقد ورحيل الجن، لم تكن تأملاتنا في الوادي كافية، لم يكن الأخدود يحتمل فكرة الفناء، لم يعد بيتي مكانه، لم تعد القرية، لم يعد العالم، لم تعد سلالة الصبر أيقونة المواليد الجدد.
**
أذرع حجرية تنفتح في غور متاهات الماء، ألوان نحت أبدي ومسح تفصيلي لجسد الانحدار والتجويف الكوني للحقول الخفيّة في الجبال.
سلاماً عليك أيها الأخدود النبيل، حين وُلِدت يا ابن الطوفان العظيم، يا حفيد الشهقة الكبرى، وسليل الأنهار النقية، وحين بُعثت عند ارتخاء الأرض، وتصدعات أفلاج السماء وارتداد النيازك.
يا أفعى الكون القديم، وريث التنين العملاق الذي لكز الأرض بنيرانه في زمن اشتعال حرائق (اللافا) وولادة هضبة النّار في الأرخبيل العربيّ، فتصدعت الفوضى جمالاً في المعادن والأحجار الكريمة والنور والماء والقصبات المحدّبة.
عيناي في وريدك الأبدي، أغتسل بساق شجرة، وبظلال حزن يأتي من وراء الجبل، أتتبع قيامة السيل بين سجل الصخر وصدى الأساطير الغابرة.
كنتَ أخدوداً أخضر حينها، وكنتُ نهراً صغيراً يمضي في نزهة الشوق، أحمل رسائل إلى نسوة يغنين خفية لنجم نهاري هارب.
يمضي الدّهر الحالم مخلّداً حنوّك الجميل، تكسو صدر أولادي بأيقونة الصبر.لا ندري من قذف عظامنا الباردة في جلالة دربك، أبعد من زمن ولادتنا، فأوقف زحفك الآمِن؟!
**
أهمل رأسي في مجرة بعيدة، ينتبه قلبي للصلاة. وحدها الصلاة كفيلة لتمرّ النّعوش بسلام، ويهدأ الدخان.
لا تنتهي صلاتنا في الأخدود، ولا ينتهي فضاء محراب الأخدود، والماء هنا أكثر زرقة من أناشيد (الفيدا) ونحن في الزرقة الحجرية نرسم تخطيطاً لجذع ينجرف بين عطايا الوادي القديم، يحاورنا صرير صخرة بين الحيود، دخان حطب البيدار، خبز الحقل والجبل، والزمن الغائر بين تجاويف النسيان، كل ذلك في الرأس، ونحن مثل ثمار سقطت خطأ... فرأت فضاء الأخدود فرصتها الوحيدة للخفاء، نخفي البراءة الأولى، نصادق ضوء القمر المطليّ بالوادي، ويقتفي الأجداد أثر العزلة في الوعول.
أكنّا مبكراً ندرك المعنى في أدوية الفناء؟
**
عن أي طوفان كونيّ نشأ هذا الفلق؟
من... المسؤول عن نزع أعمدته وفتق السدود لتنفجر ينابيع الغمر العظيم؟
لا قبة للأخدود، لا أقطاب، السطح يفتقد للصلابة أما الأخدود فمتجذّر في مسكن الخلوة، مسكن لا باب له ولا نهاية، لا حارس هناك ولا عتبة، سرداب سريّ مفتوح، يعاود فيه الإنسان رحلة البحث عن قيامته الإنباتية، هو مسرح لشعرية ارتقائية متاهية نحو حضن أمومي بعيد، أو سؤال تائه في المغاور والأقبية الصخرية، سؤال عميق في بدء التكوين، في الزلازل والبراكين والبحيرات والأعماق، ثم سؤال في السكون، سؤال السهول والكهوف والأحافير والآثار، سؤال حرّك الأرض وأوجد كيمياء العمق الإنساني، أوجد الفلاسفة والشعراء والأنبياء وقدّاس العزلة. أوجد الطمي والفناء البطيء والخفاء العظيم. ولا أجمل من اختفائنا بداخله!
**
الأخدود بريد الجبل، دس الرعاة رسائلهم الغنائية في تجاعيده الملتبسة بالأسرار والانتظارات المؤلمة. وصلت تلك الرسائل أم لم تصل، لقد كان الأخدود خير مؤتمن عليها.
**
الأخدود غفلة الجبل، ثكنة البشريّ الأول، اللائذ بجسده المهلهل، في حروبه الأسطورية مع مفاجآت الطبيعة ومردة البحار.
**
الأخدود وحي الجبل، عَطَف على عابري السبيل واللائذين بالقنوت في الصلوات الأخيرة، وخبأ الجنود الصغار الفارين من رعب العبثية في حروب الإنسان القديم. كان إذا هرب جندي من الحرب، انفلق في الهضاب أخدوداً جديداً، يزداد شهقة على مر الزمن.
**
الأخدود، قبر الشهداء في أوراسيا، يتم دفنهم داخل جحور حجرية، مخافة أن يجرف السيل قبور الشهداء. وتندلع الأساطير: غالباً ما يكبر جسد الشهيد بعد موته، يستدعي الأمر أحياناً أن توسع فتحة الجحر إلى مغارة، ليتلاءم مع حجم الشهيد.
**
الأخدود، مغارة تائهة ومفتوحة على العالم الآخر ومنه تعبر الأرواح وتتنادى، موقع المشي الأبدي المحفوف بالنشوة الخطِرة والخوف من الدخول في أحشاء الأرض.
**
الأخدود عاشق لنساء الحطب، يمُتن في طريق العودة على شفا الجرف، تدحرجهن حجارة الجبل، وبعد أيام تخرج من تحت بيوتهن نخلة. تكبر على مرأى الأحزان وسقيا الدموع، وأطفالهن فسائل صغيرة لا تبرح النخلة.
**
أجمل ما في رحلة الأخاديد هي متعة أن تكون وزناً خفيفاً يخفق بالصبر على قساوة الوصول ومشقة عبور السفوح الصخرية، فمن المشقة يهيج التأمل في تفاصيل الانزلاق والتعثر، كمكوّن روحي للتمرن على تقبل العثرة والنهوض لإتمام مسيرة الحياة.
ليس الحجر هو البداية والنهاية في هذا العالم، فبين أكناف الجبال تفيض الطبيعة بالمزارع المشحونة بالحياة والحركة والقرى ودهاليز المياه والسهول الواسعة والممرات القديمة والمدافن الدائرية.
ما إن يغيّبك أحد الأخاديد حتى يتخطفك عالم آخر، أشبه بالكمال الذي تعدّه الأرض الأم، لتنسى في لحظات كل عيوب العالم، وتبدأ تأملاً أرضياً، في أحشاء الأرض الأمومية ذاتها.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©