معين أحمد محمود:
تواجه اسرائيل مشاكل مختلفة يصعب على حكومة تل أبيب حلها فالموضوع الأمني، وما تطلق عليه اسم 'الإرهاب'، أصبح وسيلة تستثمره لإشغال الصهاينة به، والهائهم عن قضاياهم الحقيقية، فيتبعون سياسة تلبيس الطرابيش المتنقلة من قضية لأخرى لحل قضايا مواطنيهم· ولعل أهم قضية تشغل بال الرأي العام الصهيوني هذه الأيام، القلق الصهيوني جراء انخفاض التكاثر الطبيعي اليهودي في العالم، ووفقاً لتوصيات 'مؤتمر التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي' الذي عقد مؤخراً في 'هرتسيليا' حيث التنظيمات اليهودية العالمية، للقيام بحجة قوية بين يهود العالم، لتغيير هذا الواقع، وكيف سيكون ذلك، العمل على تقوية الحصانة القومية الآخذة بالتراجع، وفقاً لاستنتاجات مؤتمر 'هرتسيليا' مقابل التكاثر العربي المتزايد في 'إسرائيل' والمنطقة، واقترحوا التبادل السكاني بين اليهود والفلسطينيين، كأحد الحلول للمحافظة على الأغلبية اليهودية، والترحيل من منطقة لأخرى حسب ما تقتضيه مصلحة اسرائيل حيث تزايدت الأصوات اليهودية مؤخراً التي ترفع شعار طرد الفلسطينيين أو ما يسمى بـ'الترانسفير'·
عرقلة المشروع الصهيوني
وفي مناسبة الذكرى الـ 57 لاغتصاب فلسطين تحدث شمعون بيريز 'رئيس حكومة سابق' إلى التلفزيون 'الاسرائيلي' القناة الثانية العبرية عن هذه المناسبة فقال: 'في أول ذكرى مرت على حرب العام 1948 كنت موجوداً إلى جانب ديفيد بن جوريون، وكان 'الاسرائيليون' يعبرون عن فرحتهم بمرور أول عام على إعلان الدولة· وكان بن جوريون لا يشعر بالفرحة والسرور حينئذ، فقال لي: إنهم يحتفلون في الشوارع، لكن الغد ستراق فيه دماء كثيرة· وكان بن جوريون الوحيد الذي لم يشعر بالسرور في ذلك الوقت'· وتوالت الحروب والمقاومة ضد الدولة المغتصبة 'إسرائيل' ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن ودون أن تتوقف إلا في فترة التسعينات على مستوى الدول العربية· أما الشعب العربي الفلسطيني فلم يوفر وسيلة إلا وابتكر منها الكثير من أجل المقاومة واجتراح المعجزات النضالية من اجل استعادة حقوقه وعودته إلى وطنه· وعلى الرغم من الاتفاقات كافة التي وقعها بعض العرب وبعد ذلك القيادة الفلسطينية، إلا أن شراسة المقاومة الفلسطينية اشتدت واتسعت وحققت من بين ما حققته إنجازاً مهماً هو عرقلة المشروع الصهيوني عن تحقيق كامل أهدافه في الوطن الفلسطيني وفي الوطن العربي··· وبلغة الأرقام الاسرائيلية نفسها نجد أن إنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين كلها لم يتحقق لأن دولة 'إسرائيل' التي أنشئت فوق 80 % من أرض فلسطين لا تستطيع أن تكون يهودية صرفة فثمة 1,25% من أصحاب الأرض الفلسطينيين مازالوا فوق ما بقي لهم من تراب وطني· وأصبحت نسبة اليهود في أرض فلسطين كلها لا تتجاوز 50% مقابل ما يزيد قليلاً على 50% من الفلسطينيين المقيمين في داخل فلسطين المحتلة العام 1948 وفي أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة المحتل العام ،1967 ولو لم تستوعب الدولة العبرية ما يزيد عن800 ألف من اليهود الروس أو الروس في التسعينات لأصبح عدد الفلسطينيين يفوق بمليون عدد اليهود في كل فلسطين· وبلغة الاحصاءات الصادرة العام 1950 نجد أن نسبة اليهود إلى نسبة الفلسطينيين في ذلك العام كانت 50,6 % مقابل 94,4% من الفلسطينيين المقيمين فوق أراضي فلسطين الكاملة، علماً أن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين يقيمون خارج فلسطين أصبح خمسة ملايين أيضاً·
ذوبان اليهود
وأظهر استطلاع أجراه معهد 'مينا تسيماح' الصهيوني لاستطلاع الرأي بمناسبة مرور 57 عاماً على قيام اسرائيل أن 23 % من اليهود 'الاسرائيلين' على استعداد للرحيل فوراً عن الكيان الصهيوني إذا ما عرض عليهم العيش والاقامة الدائمة والتوطين في دول أخرى· وأن 87 % من 'الاسرائيلين' يعتبرون الدولة العبرية دولة لا يزيد تطورها وأداؤها عن دول العالم الثالث، وأن 48 % من 'الاسرائيليين' يعتبرون أن 'إسرائيل لن تستطيع جذب مهاجرين يهوداً من الدول الغنية مثل الولايات المتحدة وأوروبا· ويثبت الاستطلاع في النهاية أن الدين اليهودي لا يشكل العامل الحاسم والأساسي في استيطان فلسطين لأن 49 % من 'الاسرائيليين' ذكروا في الاستطلاع أنهم لا يعتبرون أنفسهم يهوداً ؟!!
وهناك مشكلة أخرى تقض مضاجع الدولة العبرية، تتعلق بارتفاع نسبة أبناء الديانة المسيحية، بين المهاجرين الروس الذين يهاجرون إلى الكيان الصهيوني وكأنهم يهود· وهؤلاء المهاجرون المسيحيون، يقومون بجميع الطقوس الدينية المسيحية، ويصلون في الكنائس ويحتفلون بالاعياد المسيحية ويشاركون في القداس الالهي، وأعدادهم بعشرات الألوف إن لم يكونوا بمئات الألوف·
وتقدر وزارة العمل الصهيونية أن نسبة المسيحيين من بين المهاجرين إلى الكيان الصهيوني في العقد الأخير تصل إلى 50 %، بينما كانت هذه النسبة بحدود 30 % في نهاية الثمانينات، ووصلت هذه النسبة إلى 70 % في التسعينات، ومع أنهم يعتبرون أن ذلك خطراً على الهوية اليهودية لارتفاع هذه النسبة من المسيحيين، إلا أن الجهات الرسمية لا تدقق، ولا تبذل جهداً لمعرفة من هو اليهودي ومن هو غير اليهودي من بين المهاجرين، لأنها تريد عدد سكان الدولة العبرية، وتريدهم إيدي عاملة، خاصة وأن أغلبية هؤلاء المهاجرين يمتلكون الخبرات التكنولوجية الصناعية والعسكرية التي تفيد الدولة العبرية، وأنهم ليسوا عرباً·
وفي عملية فحص أعداد المسيحيين بين المهاجرين من قبل وزارة الداخلية الصهيونية، تبين أن 70 % من مهاجري رابطة الشعوب وصلوا للدولة العبرية العام 2001 في إطار قانون حق العودة من المسيحيين مقابل 50 % من المهاجرين غير اليهود وصلوا للدولة العبرية في السنوات السابقة، ومع ذلك فإن الهجرة من روسيا تراجعت بسب تفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية نتيجة للانتفاضة، وأنه هاجر للكيان الصهيوني في العام 2001 حوالى 44 ألف شخص بينهم 30 ألفا من الاتحاد السوفياتي السابق، مقابل 60 ألف في العام ·2000 أما مجموع المهاجرين من الاتحاد السوفياتي السابق فقد وصلوا للدولة العبرية في العقد الأخير، فقد زاد عددهم قليلاً عن مليون مهاجر·
خطط الاجتذاب
في هذه الأيام، تبذل حكومة تل أبيب والوكالة اليهودية، جهوداً غير عادية لاجتذاب أكبر عدد ممكن من يهود الأرجنتين، والذين يبلغ تعدادهم 200 ألف يهودي وقد وضع برنامج طوارئ بهذا الصدد، ومن أجل الترغيب، فإن الدولة العبرية ستمنح حوافز مالية لكل أسرة أرجنتينية قيمتها 20 ألف دولار إضافة إلى 2500 دولار تمنحها الوكالة اليهودية، كما سيؤمن لهم السكن، وأن ثلث قيمته سيكون على شكل منحة، ومع ذلك وبسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتردية في الكيان الصهيوني، فإن يهود الأرجنتين، غير متحمسين للهجرة إلى 'إسرائيل'، رغم هذه المتغيرات، ووفقاً للاحصائيات الصهيونية فإنه منذ إقامة الدولة العبرية العام ،1948 هاجر للدولة العبرية من الأرجنتين 60 ألف يهودي وأن 1500 هاجروا خلال العام ·2001
وفي هذه السياق لا بد من التوضيح أن الهجرة من الاتحاد السوفياتي السابق للدولة العبرية، إن كانت مسيحية أو يهودية لا تقوم على أساس عقائدي صهيوني، بل بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تراجعت في هذه الدول، ظانين بأنهم سيجدون في الدولة العبرية ما يصبون إليه، وجزء كبير منهم يستغلون الهجرة للكيان الصهيوني كموطئ قدم للقفز منها والهجرة إلى الدول الأوروبية والأميركية وكندا واستراليا، لأنهم لا يستطيعون الهجرة إليها مباشرة من دولهم، ومع ذلك فإن عدد سكان الدولة العبرية بلغ في نهاية العام 2004 ستة ملايين ونصف المليون نسمة بينهم 5,2 مليون من اليهود، 1,2 مليون عربي يشكلون 18,8 % وأن مخطط الدولة العبرية الوصول إلى عشرة ملايين حتى العام 2010 ·
الاعتراف بالمذابح
وفي السادس من مايو 2005 نشرت مجلة 'ماكور ريشون' الأسبوعية تنديداً شديداً بالدكتور 'إيلان بيبيه' أستاذ علم التاريخ في جامعة حيفا لأنه كان قد كتب عدداً من المقالات التاريخية اعترف بما فعلته المجموعات الصهيونية من مذابح كجزء من خطة لافراغ فلسطين من شعبها، موضحا انه في العام 1922 بدأت مجموعة من اليهود القادمين من أوروبا الشرقية بالعمل على إنشاء دولة لليهود في قلب العالم العربي·
ولم توفر أحداث الحرب العالمية الثانية خزاناً بشرياً من يهود أوروبا للاستخدام الصهيوني فاضطرت الحركة الصهيونية إلى العمل على دفع ما يقارب من مليون من اليهود في الدول العربية إلى الهجرة بوسائل الاكراه والقوة ونزعت عنهم ثقافتهم العربية ·و لن يقبل العرب والفلسطينيون بشكل خاص النتائج التي فرضتها الصهيونية في فلسطين ويصبح من الطبيعي أن تقوم الحروب وتتسع المقاومة وتتخذ اشكالاً قومية ودينية· ومن الصعب مطالبة العرب والفلسطينيين باتباع وسائل معتدلة وسلمية ومرنة في صراعهم مع 'إسرائيل'·
وبعد أن ما يقوله البروفيسور والمؤرخ 'الاسرائيلي' إيلان بيبيه وما عرضنا له هنا ليس سوى أسطر من نصوصه، لكنه يشكل وثيقة اعتراف بأن حق العودة للفلسطينيين لا يمكن التنازل عنه مثلما يشكل موقفاً لا يجاريه فيه بعض القادة السياسيين العرب في هذه الفترة العصيبة على القضية الفلسطينية·
لقد احتفل الارهابي شارون وعصابته في 11 مايو 2005 بذكرى قيام الدولة العبرية، لكنه رغم ذلك الاحتفال لم يحقق هو وقادة 'إسرائيل' وجود دولة يهودية فوق كل أرض فلسطين، لأن جزءاً من الشعب العربي الفلسطيني بملايينه الخمسة ما زال يعيش فوق ترابه الوطني في فلسطين المحتلة العام 1948 وفي الضفة الغربية المحتلة في عدوان ،1967 ولا يزال يجترح أشكالاً وانماطاً من النضال والفداء ويفرض وجوده رغم كل مظاهر الوهن العربي·