عرض وتحليل - عبد المنعم الجداوي:
ها هي الأحداث حية في خاطره·· الأصوات في سمعه والأشخاص في بصره والأماكن جاءت كما كانت حتى الروائح تهب عليه مع الصور تعيده إلى أيام القوة والقدرة وزراعة الأمل وتحقيقه وصناعة الحلم وممارسته في ثقة تدعمها صحة في البدن والنفس واقتدار على السباحة في نهر الحياة بلا معاناة!
كان في الأربعين، فياض الرجولة·· ولملامحه وسامة لا تخطئها العين· اختصرت في طلعته مهابة أجداده الشراكسة، فالشعر يميل إلى الصفرة والبشرة بيضاء محمرة، وعيناه عسليتان واضحتان، وفيهما مقدار من الثقة في النفس مبعثه الوظيفة؛ فهو طرف السلم الوظيفي الأسفل لأنه لا يحمل سوى الابتدائية القديمة لكن منظره الأنيق وملامحه الأرستقراطية ولباقته وثقافته خدمته كثيرا· وقف عند الابتدائية بعد موت والده الذي كان من علماء الأزهر·· لكنه كان مزواجاً فترك من الأولاد والبنات أكثر مما ترك من المال، وذهبت كل زوجة بأولادها إلى أهلها فكان ولاء الأولاد لبيوت أخوالهم التي تربوا فيها أضعاف ولائهم لأهل والدهم الذين لا يعرفونهم إلا بالكاد··!
ولعل التحاقه بالوظيفة صغيرا كان بواسطة خاله التاجر المرموق وذلك جعله يتقن أساليب إخلاص الموظفين وإظهار الطاعة والولاء والحب للرؤساء· حتى وان كان يتمنى زوالهم· وبحكم تربيته في بيت لا يريده، يشعر فيه بأنه زائد عن الحاجة فرض عليه أن يصطنع الكثير من الأخلاق التي تصل به إلى أهدافه فقط بغض النظر عن نظافتها أو قذارتها، ودون قصد منه اعتنق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة قبل أن يسمع به وكان شعاره 'اللي تغلب به إلعب به' من أجل ذلك كانت أعماله التي تصدر منه تطبيقا لهذه الفلسفة التي فرضت عليه أو فرضها هو على نفسه، وخضعت كل مواهبه الأخرى لخدمة هذا الاتجاه الذي أصبح طابعه!
ويسر له ذلك مظهره، وقدرته على التحدث بلباقة في كثير من الأمور وثقافته التي كان يعمل على تنميتها بقراءة الصحف والمجلات· ومن هذا المنطلق وعلى طريقته مع استعمال الثقافات المبعثرة استطاع أن يتبوأ منصب السكرتارية الدائمة عند كل مدير يجيء إلى الإدارة التي يعمل بها··!
وحينما وصل إلى الأربعين كان في مركز متميز بالنسبة لأقرانه من حملة الابتدائية الذين أُلقي بهم في أرشيف المصالح والإدارات، وكان متزوجا من موظفة تحمل الثانوية التجارية وأنجب منها ابنة في العاشرة من عمرها لكنه حرصا على مظهره وأنانيته ما زال يدفع لها المبلغ الذي كان يدفعه لها في السنة الأولى لزواجهما، ولم يعترف بالمصروفات التي تحتاجها البنت أو حتى بالغلاء الذي كان يتضاعف كل عام، حتى عندما دخلت البنت المدرسة لم يكلف نفسه مشقة رفع المبلغ الذي يدفعه لإدارة البيت، فهو لا يهتم إلا بذاته أولاً· وحاولت زوجته كثيراً أن تحتج وأن توسط أهل الخير، وهددت بكل ما تملك لكنه وقف صامدا حيث أراد· ورأت هي أنه لا فائدة من المقاومة فاستسلمت، وانتصر هو وبقي لنفسه وبقيت له جنيهاته وعلاواته وحوافزه، فكان لا يحرم نفسه من طعام أو لذة حراماً كانت أم حلالاً والزوجة تعلم بمغامراته لكنها لكي تربي ابنتها بلا مشاكل كانت لا تصدق وتنكر أنه يرتكب مثل هذه الموبقات، إلى أن انتقلت إلى الشقة التي في مواجهتهما العروس الجديدة للرجل الذي يملك نصف الحارة·
زواج واجب
كانت العروس في الثامنة عشرة أو بعدها بقليل أما الزوج فكان قد تجاوز الخمسين·· من أبناء البلد، ضئيل الحجم، خفيف اللحم والعظم، يمتلئ فمه بالذهب ويعوض ضعفه بالملابس الفخمة والخواتم الذهبية، فهو من كبار تجار الصفيح وله قبل العروس زوجة أنجب منها ستة أولاد، وأولى لم تنجب وما تزال على ذمته فهي قريبته التي كانت زوجته الوحيدة أيام فقره في بداية حياته· وكانت العروس مبتهجة ابتهاج اليائس الذي يصر على تحسين واقعه، فقد كانت ترى فيه نجاتها من عذاب متصل الحلقات في بيت والدها الذي يكسب قوته من حرفة 'تبييض النحاس'، ثم تحول إلى تجارة النحاس بعد أن اتجه الناس إلى الألمنيوم، ولكن الرزق كان شحيحا وكان هو الآخر لا يهتم بالإنفاق إلا على مزاجه الذي كان يستنزف ثلاثة أرباع كسبه، ويسلم الربع لزوجته لكي تدبر به حياة ثلاثة أولاد وثلاث بنات كانت هي أكبرهن، وما كادت تصل إلى أول سنة إعدادية حتى زعم أنها كبرت ولا يجب أن تخرج فالبنت جميلة وجسدها في ثورة والشبان والرجال يعاكسونها وهو لا يريد 'وجع القلب'، وبقيت في البيت ليرتاح من مصروفاتها وضاقت بالبيت سنوات مراهقتها إلى أن جاء هذا الثري ليسهر مع الأب سهرات المزاج وكان لابد أن يراها فالسكن لا يزيد عن غرفتين في الطابق الأول من أحد ربوع الجمالية القديمة، وجن بها من النظرة الأولى وظل يزجي الهدايا ويتقرب إلى أن حصل على الموافقة من الأم أما الأب فكان يحلم بأن يعلقها في عنق رجل فإذا كان موسرا كان ذلك فوق ما يحلم وتم الزواج الذي كان حكما واجب التنفيذ!
جاءت العروس لتسكن في الشقة المواجهة وبحكم الجيرة في حي الجمالية أصبح للجار على الجار الكثير، والمعارك بين الأفندي الموظف وزوجته الموظفة لا تكف ولا تنقطع ولابد للمعلم أن يتدخل ومعه عروسه الشابة، وتقارن العروس الشابة بين المعلم المتهالك والأفندي الأنيق الوسيم الذي يجيد الكلام وتحسد زوجته عليه لعنة الله على الفلوس، إنه رجل يعشق·· رجل بمعنى الكلمة إنه خير من المعلم الذي يملك النقود لكنه معدوم الصحة لا يجيد الكلام ولا يعرف رواية النكتة، ويوما بعد يوم دخل 'الأفندي' شقة 'المعلم' وسهر معه سهرة مزاج وأطلق النكات وكان يضحك ويحمر وجهه وشرارات من عينيه ترمق العروس التي لم تكن ترفع بصرها عنه!
وباسم الجيرة وحكم الجيرة، وجدت العروس نفسها مأخوذة إليه أما هو فأحس أن عليه أن يعمل، وكانت حاملا فواعدها وتلاقيا في الخارج، وانتظرا حتى وضعت مولودها التي جاءت بنتا وانقضت أشهر الوضع والرضاعة، وكان الود المتصل يزداد التهابا والعشق تتأجج ناره والمعارك مع زوجته لا تتوقف، بل زادت بحكم الحب الجديد·
خطة
ووضع لها الخطة، خطة على مراحل يطلق زوجته، وتحتال هي على زوجها حتى يطلقها وبعد العدة يظهر هو في الصورة ويتقدم ليتزوجها!
والفتاة مبهورة بهذا الأفندي الموظف، ترى أنها تحقق الحلم الذي طمسته في وجدانها الظروف السيئة، فقد كان حلمها أن تكون زوجة لموظف كابنة خالتها التي تقول 'الافندي' راح 'الافندي جاء' ولكن الطريق مليء بالأشواك فالمعلم لن يطلقها مهما رأى منها وساعدتها الظروف لتكون في جانبها فقد سقط البيت الذي تسكن فيه زوجته أم الأولاد، وكان لابد من إخلائه سريعا وحمل الزوجة وأولادها إلى شقة العروس، وهو يرجوها أن تتحملهم لمدة أسبوع واحد، وريثما يدبر لها سكنا مع أولادها في أحد بيوته، بعد الاتفاق مع أحد السكان وكانت فرصتها التي تعلقت بها وقالت كلا وإلا فهو الطلاق، وجاء هو بوالدها وأمها واستمهلوها هذا الأسبوع وقبلت، وقبل أن ينتهي الأسبوع كان قد وجد حلا للمشكلة وغادرت الزوجة أم الأولاد إلى حيث الزوجة القديمة التي ليس لها أولاد، ورحبت المرأة فقد وجدت في الأمر فرصة لعودة زوجها إليها كثيرا!
وضاعت من يد العروس الفرصة·· وبقيت وحدها يجيء إليها كل يومين أو ثلاثة·· وانتهزها هو فرصه لتوثيق علاقته بالعروس المهجورة أياما من كل أسبوع وأساء إلى زوجته بقدر ما يستطيع إلى أن صعد الموقف بينه وبينها إلى حد أن جمع ملابسه وذهب إلى بيت شقيقة له ومن هناك أرسل لها وثيقة الطلاق!
وبقي على العروس أن تحصل على الطلاق لكي تسير الخطة في مراحلها وراح يستعجلها في اللقاءات التي كانت تتم بينهما بانتظام وشكت إليه أنها لا تعرف كيف تتخلص من المعلم الذي لا يريد أن يتركها أو يطلقها مع أنه شعر يقينا بأنها تريد أن تتركه وليس هذا فقط بل يؤكد لها إنه يعرف أنها تريد الطلاق لتتزوج غيره وهو لن ينيلها هذا الحلم، ولكن العاشق فكر في فكرة جهنمية إذ قال لها لن تحصل على الطلاق طالما تستسلم له لكي يروي ظمأه منها·· وإذا استطاعت أن تتأبى عليه وترفضه فهو سوف يجن ولن يستطيع أن يشكو ذلك لأحد وسوف يقبل أن يطلقها صاغراً· وقبلت أن تجرب وعساها أن تنجح فذلك سلاح لم تستعمله ضده حتى الآن وبدأت تتمنع عليه تارة باللين وأخرى بالحيلة وعندما أدرك لعبتها واجهها بالعنف للحصول على حقه فقاومته بالعنف، وصرخت تعلن أنها ضحية عدوانه الأثيم، وبدا أمام الجميع أنه يفتري عليها ورفض أن يقول أنه مهزوم، وآثر أن يكون طاغية في عيون الآخرين بدلا من أن يكون رجلا مرفوضا من أنثاه، ولكنه لم يستطع أن يصمد طويلا لا سيما والسوق بدأ يهزمه وأولاده ألحوا عليه بعد أن رأى بعينيه آثار إهماله في العامين الآخرين، وأمام كل هذا قبل أن يطلقها بشروط في مقدمتها أن تبرئه من مستحقاتها ولا تحصل إلا على نفقة للطفلة شهريا بشكل ودي مقابل إيصالات موقعة منها!
بعد عشرين عاما يرى الآن الفرحة التي كانت في عينها والبهجة التي كانت تترقرق على ملامحها وهي تزف إليه بشرى حصولها على الطلاق كان ذلك والشمس تغرب، ورياح خفيفة تداعب وجه النهر عند كوبري قصر النيل، وكان لهما مكان معين يلتقيان فيه في ركن من هذا الكازينو، كل شيء أمامه الآن حتى لون الصديري الأحمر الذي كان يرتديه الجارسون فوق قميصه الشديد البياض واحتفلا ليلتها بحصولها على الخلاص!
كل شيء ماثل أمامه الآن حتى خطوط الفستان الذي كانت ترتديه، وكانت تضحك كلما تذكرت معه أن فكرة الامتناع عنه هي التي نجحت وكيف واتته هذه الفكرة الجهنمية!
إنه ليذكرها حتى تكاد تشق رأسه، وتجعله يطير كأنما فجرته عبوة ناسفة لأنها استعملت معه نفس الأسلوب وحاربته بنفس السلاح الذي دربها على استعماله لكن بعد عشرين عاماً··!
عدم تكافؤ
منذ ثلاث سنوات خرج إلى المعاش كما يخرج أي موظف حكومي ولكن مشكلته كانت قد بدأت قبل الخروج بسنوات فقد وقفت به قدراته الصحية عند الخمسين وهرع إلى الطب يستغيث به أن ينقذه فالمرأة التي اختارها كانت تصعد أعلى درجات السلم الأنثوي وهو لم يكتف داخله بالوقوف بل راح يتراجع ويتقهقر بلا انتظام··!
تعلق بالحبوب المنشطة، والأقراص التي يزعمون أنها تعيد الشباب ولكنه كان يجري خلف سراب، حتى إذا أدركه وهو يوشك أن يلفظ أنفاسه لم يجد شيئا، ويغمره الخزي والاستحياء من الاشمئزاز والاحتقار الذي يلقاه من المرأة التي استفحلت أنوثتها وارتفعت شهيتها، ولكنه خذلها في منتصف الطريق، ولا يملك أن يثور ويتهمها بأنها السبب فيما أصابه لأنها لا تستقبله كما كانت في الماضي، لا يريد أن يعترف بأن الأيام هزمته وأن النكسة جاءته من داخله ولا تجد مفرا من الدفاع عن نفسها فتصفعه بالحقيقة التي تضاعف من خزيه، وإحساسه بالهزيمة وتتوالى الهزائم وتتكرر المعارك لكنها تصر وتصر على الصبر عليه حتى تتخرج ابنتها من الجامعة، وتتزوج وتستقل بعيدا عنها، ويشعر أنه يخرج من حياتها كما يخرج إلى المعاش كما تخلت صحته عنه، ويفزعه أن كل شيء فيه يتراجع ولأول مرة يشك في أنها لابد أن تكون على علاقة برجل، ويبدأ في مراقبتها مستعرضا في ذهنه كل الرجال الذين حولهما، ولكن الذين من حولها في العمل لا يراهم، وشعر لأول مرة أيضا أنه كان أنانيا طوال عمره فعندما أرهقته مصروفات ابنتها وهي في الثانوية، وكان مطلقها قد قطع نفقة الفتاة عندما صارت شابة ورفضت هي أن تتخلى عنها عرض عليها أن يلحقها بعمل كبائعة في محلات القطاع الخاص، وبسلطته في وظيفته وجد لها هذا العمل الذي يرغب فيه، وارتقت بسرعة تتناسب مع جمالها وعمرها ولباقتها في محاورة الرجال، وفي سنوات صار مرتبها أكبر من مرتبه لكن ذلك كان يكلفها الجهد الكبير فليس العمل في القطاع الخاص كالعمل في الحكومة، إلا أن شبابها كان يساعدها على أن تعطي عددا من الساعات التي تتحول كل أسبوع إلى أجور إضافية تتقاضاها، تنفق منها على نفسها وعلى ابنتها وعلى البيت أحيانا، وهذا ما كان يرضيه لكن الآن وبعد أن تزوجت الفتاة صار عملها عذابا له لا سيما بعد أن صار هو بلا عمل، وجن جنونه فقد خرج كل شيء عنده إلى المعاش!
أتراها هي أيضا أخرجته من حياتها إلى الخواء فها هي تصر على أن تضع حداً للمعارك والنكد اليومي وتطالبه بأن يطلقها وهو يرجوها ويمرغ ما بقي له من رجولة تحت أقدامها إلى حد أنه أصبح يغريها بأنها لو طلقت فسوف لا تحصل على معاشه، ولكن ذلك لم يغريها لكنه يعرف أن المرأة في مثل موقفها وظروفها لا تطلب الطلاق إلا إذا كانت عينها على رجل آخر وقد فعلت ذلك ولها معه تجربة سابقة، وود لو أنه توارى عن نفسه لحظة أن اقتحمت فكره تلك المعلومة فمنذ شهور ترد له الدرس الذي علمها إياه لتؤكد له أنها تلميذة ناجحة!
لكنه أبدا لن يكون 'المعلم القديم' وتحسس السكين التي خبأها بين ملابسه، وفي حمى غضبه اطمأنت نفسه الثائرة ودلف إلى غرفتها بعد أن شرب كأسين من زجاجة صغيرة وترك بقيتها في الصالة وهتفت وهي تشعر به يقتحم الغرفة، كأن الموت جاء يقبض روحها فتصاعد شعوره بالمهانة، إلى هذا الحد أصبحت تكرهه وتخافه ولا تريده؟! وسعى نحوها دون أن يشعل النور كانت نسبة من الضوء تتسلل من الصالة، وكان لا يريد أن يواجه ملامحها حتى لا يجبن أو يتراجع، وصادمته في منتصف الغرفة لكي ترده، لكنه كان يستهدف عنقها بسلاحه وراحت تصرخ، وراح ينهال عليها· دقائق وكانت ملقاة وسط بركة من الدماء، أما هو فكان يلهث ويصرخ، وينادي عليها فلما لم تجبه نادى على الجيران، وانسياقا مع أنانيته وحتى يبرئ نفسه صاح أن يدركوا الرجل الذي وجده معها لكنه فر منه، فلم يجد سواها أمامه، إلا أن التحقيقات كشفت كذبه ومازال التحقيق جاريا مع العجوز الذي قتل زوجته··!