أحمد عاطف وأحمد القاضي (القاهرة)
منذ 20 عاماً يواظب أحمد نعيم على الذهاب إلى ورشته في حي الزمالك في العاصمة المصرية القاهرة، ليلج إلى عالم خيالي بمجرد أن تجتاز قدماه عتبة الباب، حيث ينكب على صناعة دماه المتحركة محولاً خامات الخشب، والإسفنج، والقماش، إلى شخصيات لها صفاتها الفارقة.
«صانع الدمى يحول المواد الصلبة إلى دمية تنفذ أوامر محركها، وكأن روحه تنتقل إليها، لتبدأ في التصرف من تلقاء نفسها فتتمايل على أنغام الموسيقى، وتعبر عن انفعالاتها بالبكاء والفرح، لتبدو وكأنها أشخاص ذات كيانات مستقلة»، يقول نعيم واصفًا فن «الماريونيت»، الذي يواجه تحديات ليس أقلها ضعف الإقبال على مشاهدة عروضه. ويستوحي أحد أقدم صانعي الدمى المتحركة في مصر شخصياته التي يبتكرها من أناس حقيقيين يقابلهم في الواقع، فـ«مروان»، بحسبه شخص عابس، قليل الكلام، استغرق صنعه نحو 3 أشهر. إلا أن «فلان» الدمية المصنوعة من خشب الزان، تظل الأقرب إلى قلبه لأنها كانت أول دمية يقدم بها عرضاً منفرداً، وهي تمثل مواطناً مصرياً بسيطاً ومرح الطباع.
ومع كل دمية جديدة يطور نعيم نفسه، حتى أن «الأخيرة» ظهرت بتسريحة شعر حديثة، وقد ارتدت ملابس بألوان شبابية رائجة، مشيراً إلى أنه يفعل ذلك حتى يظل قريبًا من جمهوره.
ومع أنه يصعب حساب تكلفة صنع الدمية بدقة لأنها تقدر بناء على عوامل منها شكل الدمية، ونوع الأخشاب المستخدمة، وشكل الملابس التي سترتديها، إضافة إلى الوقت الذي سيحتاجه نعيم لصنعها، إلا أنها تتراوح بين 20 و100 دولار.
وتقتصر معرفة المجتمع العربي بفن الماريونيت على أوبريت «الليلة الكبيرة» الذي عرض في الثمانينيات ولحنه سيد مكاوي ويعد، وفقاً لـ«ويكيبيديا» أشهر ما قدم مسرح العرائس في مصر، فهو يصف المولد الشعبي بشكل رائع وممتع، إلا أن نعيم حمل على عاتقه تأسيس مرحلة «ما بعد الليلة الكبيرة»، منطلقاً من أنه «فن نامٍ، وقابل للتطور»، وقد قدم عروضاً في عربية وغربية من بينها الإمارات والدنمارك وألمانيا. وهو يستعد بالتعاون مع ساقية الصاوي، لتقديم مشروع «أم كلثوم تعود من جديد».
ويأخذ نعيم، الذي اكتسب مبادئ فن الماريونت من ألفريد خليل أحد رواده، العرائس على محمل جديد، معتبراً أنها ليست مجرد أدوات لعروض مسلية للأطفال، بل هي وسيلة فعالة لتكريس قيم حميدة في المجتمع مثل محاربة الإرهاب، ونبذ التطرف. ومنذ أن التقى نعيم - الذي اعتمد على ذاته في تعلم هذا النوع من الفن- قبل عقدين من الزمن بفرقة «الخيال الشعبي» التي اشتهرت بعروضها في الشارع، وهو يعمل جاهداً لاستعادة فن «الماريونيت» لمكانته في المجتمع، متخوفاً من اندثاره ولا سيما أن «الذين يمتهنونه لا يتجاوزون بضعة آلاف شخص في العالم»، بحسبه.
وفي السياق ذاته، يحرص الفنان المصري على نقل خبراته إلى الأجيال القادمة، ويقول: «أحرص على تنظيم ورش فنية لتعليم الشباب الراغبين في العمل بفن الدمى»، موضحاً أنه يفضل تعليم الكبار لأن الأدوات المستخدمة حادة، وليست آمنة للأطفال. وحتى لا يفقد جمهوره من الصغار، يقدم نعيم ورشاً لتعليمهم طريقة صناعة «عروسة الجوانتي»، التي تقوم على الإسفنج.
وأدرجت منظمة اليونسكو ملف «الأراجوز» إلى قائمة صون التراث الثقافي غير المادي، وهو أحد الفنون التي تنتمي إلى فن الدمى، ما اعتبره نعيم خطوة على الطريق الصحيح لتعريف الجمهور المصري والعربي بهذا الفن الذي يقف وراءه رجال صنعوه وحافظوا على وجوده وتطوره حتى الآن.