السبت 15 يونيو 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

إيطاليا..جنّة الثقافة الجذريّة

إيطاليا..جنّة الثقافة الجذريّة
27 ابريل 2016 15:44
د. وسيم دهمش لا بد للناظر إلى المشهد الثقافي الإيطالي اليوم من أن يعود بفكره إلى عصر النهضة، ويذكر أسماء الفنانين والأدباء الإيطاليين العظام الذين تركوا بصماتهم على الفن العالمي المعاصر، كما أثّروا تأثيراً بالغاً على الكتابة الأدبية وعلى المسرح والموسيقى على حد سواء، لكن بعض الفنانين والأدباء الإيطاليين اليوم قد يضاهون براعة أسلافهم بالأمس في العديد من المجالات. ففي الشعر، كما في القصة والمسرحية والسينما والموسيقى، ثمة مشهد حيوي، متدفق، يحتل فيه الحديث مكانة ملحوظة.. في إيطاليا لا تنحصر الثقافة في مدينة ما.. في كل مدينة جنّة ثقافية صغيرة.. وإرث عريق يبوح بخصوصيته وقدرته على إضافة بصمته على المشهد الثقافي العام. يقال إن منحوتات ورسومات مايكل أنجلو أو رافيللو تنتسب إلى عصرها، هذا صحيح، لكنها ما تزال محط أنظار وإعجاب الملايين كل عام، وقد يبدو أنها غير ذات تأثير في الفنون التشكيلية المعاصرة اليوم، لكنه لا يمكن تصور الانطباعية أو حتى السريالية مثلاً دونها. لقد عايش الفنانون الإيطاليون كل مراحل الفن الأوروبي وشاركوا بشكل فاعل في تطويرها، وصولاً إلى التكعيبية والتجريدية أو التعبيرية الجديدة اليوم. يكفي أن نذكر هنا الرسام والنحات أندريا موديلياني الذي ساهم في ميلاد المدرسة التجريدية والتكعيبية. كما لا يمكن مثلاً التغاضي عن الدور الرائد الذي لعبه رسامون من أمثال جورجو دي كيريكو خلال القرن العشرين في وضع ملامح الرسم الميتافيزيقي، بالإضافة إلى تأثيره الكبير على الحركة السيريالية. يساهم اليوم آلاف الرسامين والنحاتين الإيطاليين في المشهد الفني العالمي، وتبرز من بينهم باستمرار أسماء تلمع في الآفاق الفنية العالمية من أمثال بينو بينللي أو فيليبو لياردو أو فينتشنسو دي سيمونه. الرواية والقصة في مجال الرواية والقصة، كما في الكتابة المسرحية، شهدت إيطاليا في القرن الأخير، كما تشهد اليوم، تطورات ملحوظة تركت وتترك بصمات واضحة في الأدب العالمي. لا حاجة لنا في هذا الحيز إلى استعادة الأسماء التي حازت شهرة عالمية فائقة في القرن المنصرم من أمثال ألبرتو مورافيا وإيتالو كالفينو أو لويجي بيرانديللو وجوفاني فيرغا، فيكفي هنا أن نأتي على ذكر بعض الكتاب الذين يحوزون اليوم على إجماع النقاد الأدبيين. نخص منهم بالذكر أشهرهم على الإطلاق وهو الكاتب الصقيلي أندريا كاميلليري الذي تجاوز الثمانين من عمره، صاحب مجموعة قصص يحتل شخصيتها الأساسية المفتش مونتالبانو، تروي الواقع الاجتماعي الإيطالي الراهن بلغة سلسة لا تخلو من السخرية تذكِّر بسينما الواقعية الجديدة الإيطالية للسنوات الخمسين والستين من القرن الماضي. ويوازيه شهرةً أنطونيو تابوكي صاحب رواية «يزعم بيريرا» التي أخرجها سينمائياً روبرتو فائنزا، واستُخلصت منها عدة عروض مسرحية ألهمت مخرجين مسرحيين مشهورين من أمثال جاني غوارديلي وتريزا بيدروني. تذكِّرنا شخصيات روايات تابوكي بشخصيات فينشنسو تشرامي، وخاصة شخصية البرجوازي الصغير (انظر الترجمة العربية: موظف عادي جداً، الدار العربية للعلوم، بيروت 2012)، ولا يغيب عن بالنا أومبرتو إيكو الذي توفي قبل بضعة أسابيع صاحب كتاب «اسم الوردة» الشهير المترجم إلى أكثر اللغات العالمية (انظر الترجمة العربية لأحمد الأصمعي، دار التركي، تونس 1991)، وهو واحد من أهم الفلاسفة المعاصرين ومن أبرع كتّاب الرواية التاريخية. ومن الروائيين الشباب لابد لنا من ذكر ستيفانو بيني وله العديد من القصص المترجمة إلى العربية، والذي يمتاز أسلوبه بقصر الجملة مما يعطي سرده سرعة تتناسب مع إيقاع الموسيقى الحديثة. كما نذكر كارمينه آباته الذي سيقوم مشروع كلمة بنشر إحدى رواياته، وهو يستعمل اللغة المحلية في كتاباته إلى جانب الإيطالية المعيارية، وهي لغة ألبانية عتيقة اختلطت بإيطالية كالابريا. يلاقي استعمال اللغات المحلية في الكتابة الأدبية استحساناً لدى النقاد ولدى جمهور القراء. وقد كان للدور البارز الذي لعبه الكاتب الشاعر والمخرج السينمائي بير باولو بازوليني في استخدامه لغة فريولي، بدءاً من ستينيات القرن الماضي أثراً كبيراً على الأساليب الأدبية. وتشهد إيطاليا اليوم إنتاجاً أدبياً غزيراً باللغة السردينية، وهي كألبانية كلابريا وصقيلية لغة مستقلة عن الإيطالية، ومن بين الكتاب السردينيين لمعت العديد من الأسماء من أمثال سلفاتوره نيفوي وأغوستينا آغوس وتترجم أعمالهم إلى العديد من اللغات. وجدير بالذكر أن لسردينيا تقاليد أدبية عريقة، وكانت الروائية السردينية غراسيا ديليدا قد حازت على جائزة نوبل للآداب عام 1926. إن كان استعمال اللغات واللهجات المحلية جديداً نسبياً في الرواية والقصة، فإن استعمالها في الكتابة المسرحية وفي الشعر يعود لعدة قرون، وقد ورثت سينما الواقعية الإيطالية هذا الاستعمال ولعله كان أحد أسباب نجاحها. الشعر لا يمكن الحديث عن الشعر الإيطالي دون أن يتوارد إلى الذهن اسم شاعر إيطاليا الكبير دانتي أليغيري، لكن الشعر المعاصر مر بمراحل زادته ابتعاداً في الشكل والنسق والإيقاع عن شعر عصر النهضة أكثر من البعد الزمني الفاصل. فشعراء القرن العشرين بعيدون كل البعد عن ذلك الشعر، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر بعض حائزي جائزة نوبل من أمثال: سالفاتوره قوازيمودو أو أوجينيو مونتاله ولأشعارهما ترجمات عديدة بالعربية. ولعل من أبرز من ترك أثره على الشعر العالمي هو جوزبه أونغاريتي المصري المولد، والذي يعتبر من أهم شعراء الهرمسية. ولا ننسى طبعاً شعراء كباراً من أمثال أمبرتو سابا أو ساندرو بينا أو ماريو لوتسي وكثيرين غيرهم. ولعل آلدا ميريني التى توفيت عام 2009 وروبرتو روفيرسي المتوفي عام 2012 هما من تركا أثراً كبيراً على الشعراء الشباب. كل من ورد اسمه حتى الآن ساهم في إنشاء أو إحياء مجلات متخصصة بالشعر لها اليوم دور مهم في نشر الوعي الأدبي وتعميم النزعات الشعرية المعاصرة، ومن أهم المطبوعات الشعرية الدورية نخص منها بالذكر مجلة «أوفيتشينا» التي شارك في إنشائها بير باولو بازوليني، وهي من أهم المجلات الشعرية بعد مجلة «بويزيا» أو «شعر» التي نشأت عام 1905. لا شك أن وسائل الاتصال الحديثة باتت تحوز نصيب الأسد من المجلات الشعرية والأدبية عموماً، فقد أصبحت الأكثر انتشاراً والأوسع استخداماً من قبل الكتاب والنقاد والشعراء ومحبي الأدب عموماً. فإذا كانت المجلات الأدبية المطبوعة تعد اليوم بالعشرات، فمثيلاتها الإلكترونية تعد بالمئات وتتفاوت في درجات جودتها ودقتها، لكنها بشكل عام ذات مستوى جيد. ويجد القارئ المهتم على صفحات ويكيبيديا الإيطالية قوائم بالمجلات الأدبية المطبوعة والإلكترونية وصلات بمواقعها يستطيع من خلالها التعرف على ما يستجد على الساحة الشعرية والأدبية الإيطالية. السينما لا ريب أن من غير الممكن إعطاء صورة عن مجمل النشاطات الثقافية الإيطالية في مقال مقتضب، لكن الاكتفاء بلمحة عن الإنتاج الأدبي يؤدي إلى بتر الصورة إن لم يؤد إلى تشويهها. فلا بد من الإشارة إلى السينما الإيطالية التي استقت وتستقي موضوعاتها من الأدب «الرسمي»، كما من الأدب والتقاليد الشعبية. لاقت الأفلام الإيطالية على الدوام نجاحاً عالمياً كبيراً، وما تزال إيطاليا حتى اليوم البلد الأوفر حظاً في جوائز الأوسكار وجوائز مهرجانات كان وفينيسيا وبرلين. وإذا كانت سينما الواقعية الجديدة في السنوات الأربعين من القرن الماضي، أو ما اتفق على تسميتها بسينما المؤلفين في السنوات الخمسين والستين والسبعين هي الأكثر شهرة؛ فإن العديد من التيارات والأشكال السينمائية الإيطالية تستحق الذكر مثل أفلام الكولوسال التاريخية أو الكوميديا والأفلام الهزلية التي تلتقي مع المسرح في أغلب الأحيان. ويقول النقاد السينمائيون إن عهد الكوميديا الإيطالية السينمائي والمسرحي قد انتهى مع نهاية الأعوام الثمانين من القرن الماضي، وإن المخرجين اليوم يعولون على تجريبية ما بعد الحداثة في أعمالهم. أما الأفلام الهزلية فما تزال تحافظ على رونقها حتى يومنا هذا ومن الهزليين البارعين الجدد نذكر أشهرهم مثل روبرتو بنيني الحائز على جائزة أوسكار وأنطونيو ألبانيزه الذي يتناول النقد الاجتماعي اللاذع في أفلامه، وهو بالإضافة إلى ذلك من مغني الأوبرا الأكثر براعة، وكذلك ماوريتسو كروتسا وله برنامج تلفزيزني أسبوعي يتناول بشكل هزلي مواضيع السياسة الإيطالية الراهنة. يجب التنويه أيضاً إلى تيار أفلام الكاوبوي التي تسمى سباغتي وسترن (sٍaghetti-wertern) وتلاقي نجاحاً كبيراً حتى يومنا هذا. ولا ننسى هنا أن نذكّر بالملحنين الموسيقيين الذين برعوا في وضع موسيقى هذه الأفلام ونذكر منهم إنريكو موريكونه الذي لحن موسيقى فيلم كوننتين تارنتينو الأخير (The Hatefull Eight)، وهو في السابعة والثمانين من عمره، وحاز عليه على الأوسكار للمرة الثانية. وسجل القرن الحادي والعشرون مرحلة جديدة من «أفلام المؤلفين» وقد برز منهم عديدون يتناولون مختلف القضايا الاجتماعية، ويعرّون الحياة الحديثة وطقوسها، ومن الشباب منهم، على سبيل المثال لا الحصر، ناني موريتي وباولو سورنتينو الذي حاز فيلمه «الجمال الكبير» على الأوسكار عام 2013 وجانفرانكو روزي وجوزبه تورناتوره وغيرهم. الموسيقا لقد أشرنا سريعاً في مجمل الحديث عن السينما الإيطالية إلى التلحين الموسيقي للأفلام الذي أصبح نوعاً موسيقياً قائماً بذاته، لكن الموسيقا الإيطالية ذات التاريخ العريق بدءاً من الموسيقى الكنسية، ومروراً بالأوبرا، لم تتوقف يوماً عن تكوين أنواع جديدة وإيقاعات مركبة، على الرغم من طغيان ما يسمى بالموسيقا الخفيفة خلال النصف الثاني من القرن الماضي، تلك الموسيقا المتأثرة إلى حد بعيد بالأنواع الموسيقية الأميركية. يجب أن نقول أيضاً إن الثروة الثقافية الهائلة التي تشكلها الموسيقي والأغاني الشعبية التقليدية في كل مكان من إيطاليا أصبحت مهددة بالزوال، فانتشارها يتراجع باستمرار وفي كثير من الحالات أصبحت حكراً على جمعيات ثقافية متخصصة تصونها، ولكنها غير قادرة على إعادة نشرها. تنوع لا يمكننا هنا إلاّ الإشارة بشكل سريع إلى أن خصوصية الثقافة الإيطالية في الإطار الثقافي الأوروبي، وفي الإطار التاريخي لحضارات البحر الأبيض المتوسط، تكمن في تنوعها الكبير وانتشارها في مراكز مدنية ثقافية عديدة، فلا يمكن القول مثلاً إن العاصمة روما تمثل المركز الثقافي الأهم، نظراً لكونها مركز إشعاع الحضارة الرومانية، أو لكونها مقر الكنيسة الكاثوليكية. ففي إيطاليا اليوم 8092 بلدية يفاخر معظمها بتاريخه وخصوصيته الثقافية، ويحتوي القسم الأكبر منها على مسرح تاريخي يعود تأسيسه في الغالب إلى عصر النهضة وعشرات الكنائس التي تمتلك كنوزاً من الرسم والنحت، دون أن نأخذ بعين الاعتبار الثروة المعمارية الفريدة التي تشكلها هذه الكنائس والمسارح. وتساهم آلاف الجمعيات الأهلية في تكوين المشهد الثقافي الحيوي الإيطالي اليوم؛ فهي تنظم العروض المسرحية والسينمائية والمحاضرات والندوات الثقافية ومعارض الرسم والتصوير والملتقيات العلمية، وتنشر أعداداً كبيرة من الكتب والمجلات المختلفة التي تهتم بدراسة شتى أشكال الفنون والمعارف. ولا يتسع المجال هنا إلى الإتيان على ذكر أوجه مختلفة للنشاطات الثقافية، كالأزياء والرياضة والرقص والغناء والإنتاج التلفزيوني، وغيرها كثير مما يشكل الثقافة العامة. اليونسكو: نصف الثروة الفنية العالمية محفوظة في إيطاليا تقدر منظمة اليونسكو أن نصف الثروة الفنية العالمية محفوظة في إيطاليا، وتعتبر 51 موقعاً إيطالياً من مواقع التراث الثقافي العالمي. تقوم الدولة الإيطالية بتمويل 3690 متحفاً بينما تقوم البلديات وجمعيات خاصة بتمويل آلاف المتاحف الأخرى. كما تشرف الدولة على 479 موقعاً أثرياً، وهناك مئات المواقع الأثرية المغلقة نظراً لعدم كفاية التمويل اللازم لصيانتها. ويبلغ عدد المكتبات العامة 12609، وعدد المباني التاريخية الواقعة تحت حماية وزارة الثقافة 46025 مبنى، وعدد الكنائس المفتوحة للزوار 65490 كنيسة، و1500 دير، و40000 قصر وقلعة، و30000 منزل تاريخي، و4000 حديقة، و1000 مركز مدينة تاريخي. يؤم كل هذه الأماكن التي تتشكل فيها الثقافة الإيطالية يوماً بعد يوم أعداد غفيرة من الزوار، منهم طلاب المدارس الذين يتلقون جزءاً مهماً من معارفهم فيها. إيطاليا في أبوظبي تحتفي الدورة الحالية من معرض أبوظبي الدولي للكتاب بإيطاليا كضيف شرف، وسيتعرف الجمهور إلى ملامح الثقافة الإيطالية، من خلال برنامج متكامل، يتضمن فعاليات ثقافية ومهنية وفعاليات أطفال، ومحاضرات ومناقشات، حول «السرد القصصي وكتابة التاريخ»، يقدمها فاليريو ماسيمو مانفريدي، «من الصفحة إلى الشاشة»، و»أهمية الشخصية» مع أنطونيو مانزيني، و»إيطاليا الغد»، مناقشة مع بياتريس ماسيني وليشيا ترويسي، «القديسون، والملاحون و.. الشعراء.. الشعر الإيطالي في الألفية الثالثة» مع فاليريو ماغريلي، «استناداً إلى قصص واقعية: حينما يُلهم التاريخ الرواية» مع لويجي غارنياري، «على أعتاب نهضة جديدة: أمهات الكتب بوصفها الطريق نحو مستقبل الفن» مناقشة مع ميلانيا ماتزوكو وفينتشنزو تريون.
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©