السبت 30 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

اليمن·· التاريخ ·· الوحدة ·· المستقبل (5-8)

27 يونيو 2005
الأحزاب والدولة···وعثرات الوحدة
حسين هرهره:
اليمن بلد الحضارات والحكمة والإيمان، كان عبر تاريخه الطويل بلد الخير والعطاء للجميع، وقد وصفه حكماء اليونان بـ'اليمن السعيد' ، وبعد انهيار سد مأرب المذكور في القرآن الكريم بـ'سيل العرم' والذي يرجح أنه قد وقع في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، بدأ نزوح أهل اليمن باتجاه الشمال فأسسوا هناك مستعمرات جديدة كما فعل الأوس والخزرج في يثرب وهم فرع من الأزد، أو كما فعل فرع آخر من الأزد في جهات حوران من بلاد الشام وأسس دولة الغساسنة والمناذرة باتجاه العراق ، كما أن قبيلة قريش المكية التي ينتسب إليها الرسول عليه الصلاة والسلام هي نتاج لزواج إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام من قبيلة جرهم اليمنية التي سكنت مكة إلى جوار هاجر أم إسماعيل بعد أن تفجر ماء زمزم، وقد لعبت كل تلك البلاد التي أسسها المهاجرون اليمنيون دورا في صياغة الشخصية العربية بعدئذ في شبه الجزيرة العربية· وعندما أشرق نور الإسلام دخلت فيه اليمن طوعا وكان أهل يثرب من الازد هم أنصار الرسول عليه الصلاة والسلام، كما كانت القبائل اليمنية هي وقود الفتح الإسلامي إلى كل مكان وصلت إليه سنابك خيل المسلمين·
إن هذا التاريخ العظيم قد بدده اليمنيون بخلافاتهم القبلية والمذهبية خلال القرنين الماضيين، إضافة إلى الخلافات السياسية والأفكار الدخيلة على اليمن التي شرقت به وغربت وأرادت أن تغرسه في بيئة بعيدة عن بيئته وتصنع له تاريخا غير تاريخه، مما أضاع ماضيه وحاضره معا، وكان من نتائج هذا الضياع أن تغيرت الحال وأصبحت بيئة هذا البلد ذو التاريخ العريق بيئة طاردة لأبنائه، فاليمن اليوم لم يعد كما كان، لقد بدلته الأحداث وغيرته وأصبحت حياة اغلب أهله كدر ونكد ، وسكانه اليوم ليس لهم من هم إلا مضغ القات يهربون به من واقعهم ··لقد توقفت بهم ساعة الزمن في قرون مضت، ترى في بلدهم المباني الجديدة والطرقات الحديثة وكل ما يمكن أن تراه في البلدان الأخرى من وسائل التقدم الحديثة، ولكن بقي فيها الإنسان اليمني مجمدا في ثلاجة التاريخ··هنا حديث الحاضر على الماضي وعلى الحاضر أيضا عبر حلقات تتناول الطريق الصعب الذي قطعه اليمنيون للوصول إلى الوحدة ·· وآفاق المستقبل
شكلت الحلقات السابقة وقفات مع التاريخ اليمني- بشقيه القديم والحديث- وانتهت إلى نتيجة مفادها: أن مايحدث الآن على المستوى السياسي لجهة الخطاب والأفعال وحتى التوقعات هو نتاج تراكم المواقف ودور القبيلة واحباطات الأديولوجيا، غير أن هذا لا يبعدنا أو يلغي وجود الممارسة الديموقراطية على ما فيها من نقائص، والتي تظهر في الأحزاب، وهو ماسنتطرق إليه هذه الحلقة·
عمليا هناك مجموعة كبيرة من الأحزاب في اليمن، ولكن الأحزاب الرئيسية والمؤثرة في الشارع اليمني هي حزب المؤتمر الشعبي العام - الحزب الحاكم - والحزب الاشتراكي اليمني - شريك حزب المؤتمر الشعبي في تحقيق الوحدة- وحزب التجمع اليمني للإصلاح شريك حزب المؤتمر في الحرب ضد الانفصال·
الشمولية ·· وأحزاب الإدارة
المشهد الحزبي السابق - إن جاز اعتباره كذلك- تدرج عبر مراحل تاريخية إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن، فقد بدأت المرحلة الأولى من الأربعينيات حتى نهاية الخمسينيات، وتميزت بتجربة التعدد الحزبي حيث ظهرت في الشمال جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحزب الأحرار والاتحاد اليمني، كما ظهر في الجنوب الاتحاد الشعبي ورابطة أبناء الجنوب وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب·
أما المرحلة الثانية من الستينيات حتى نهاية الثمانينيات، فتميزت بتوقف النشاط الحزبي الحر وتحول العمل السياسي من العلن إلى السرية مع طغيان الملامح العقائدية والأيديولوجية وتكرس بذلك حكم الحزب الواحد في شطري اليمن·
وتبدأ المرحلة الثالثة من 1990 إلى اليوم، وتميزت بالجو التعددي وإنشاء قانون الأحزاب وإجراء انتخابات محلية وبرلمانية ورئاسية، وقد انطلقت مع تحقيق الوحدة اليمنية عام ،1990 ويتوزع المشهد الحزبي اليمني شأنه في ذلك شان أغلب الدول العربية إلى تيارات سياسية منها الإسلامي والقومي واليساري ومنها أحزاب ظلت محافظة على وجودها بعد أن كانت قائمة إبان حكم الحزب الواحد، ويمكن تصنيف الأحزاب اليمنية إلى مجموعتين منذ الوحدة وهما: الأحزاب السياسية ذات الخلفية الشمولية والتي كانت قائمة قبل الوحدة مثل الحزب الاشتراكي اليمني (يساري) والتنظيمات الناصرية والبعثية (قومية) وحزب التجمع اليمني للإصلاح (إسلامي) وأحزاب الإدارة وعلى رأسها المؤتمر الشعبي العام حزب الرئيس اليمني علي عبد الله صالح· وقد ارتبطت به من حيث التمويل ومن حيث النشأة بعض التشكيلات الحزبية، وهنالك الأحزاب الجديدة التي ظهرت مع إعلان الوحدة كتلك التي عبرت عن شكل من أشكال التجديد والتجاوز في الممارسة السياسية مثل 'التجمع الوحدوي اليمني' الذي ضم مثقفين وسياسيين من أيدلوجيات مختلفة·
ومن أهم الأحزاب الموجودة على الساحة السياسية اليوم، حزب المؤتمر الشعبي العام، وقد تأسس في 24/8/ 1982م ويرأسه علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية، وأمينه العام عبد الكريم الأرياني، وكان تأسيسه عبارة عن قرار سياسي من الأعلى، على أن يضم المؤتمر كافة اتجاهات الطيف السياسي في الجمهورية العربية اليمنية (سابقاً)، حيث كان الحزب الحاكم في الشمال قبل الوحدة، وقد لعب دوراً رئيسياً في إعادة تحقيق الوحدة اليمنية مع شريكه الحاكم في الجنوب الحزب الاشتراكي اليمني· ومنذُ عام 1997م وحتى اللحظة يقود السلطة منفرداً ويفوز بنصيب الأسد في الانتخابات النيابية ومنذُ قيام الوحدة وحتى اللحظة يعقد مؤتمراته الحزبية بانتظام، ويضم في إطاره أغلب الكوادر المسؤولة العليا والسفلى في جهاز الدولة، ويعتمد على جيش من الموظفين الحكوميين وتؤكد وثائق المؤتمر أن القيادة (اللجنة الدائمة) شطر منها يُنتخب والشطر الأخر يُعين، ويعتمد المؤتمر في نشاطه على المركزية والموسمية، ويستند في ممارساته وأسلوب عمله على الشرعية الكاريزمية وطريقة عمله لا ترتكز على فعالية مؤسساته ونشاط أعضائه ولا على الجماهير، وإنما يستند بشكل محوري على جهاز السلطة، اوهناك حزب آخر لا يقل أهمية هو التجمع اليمني للإصلاح، وقد تأسس في 13 سبتمبر 1990م ويعتبر امتدادا لحركة الإخوان المسلمين في اليمن التي كان لها الدور الرئيس والفاعل في ضرب الجناح اليساري في الجامعات وقد كانت مدعومة بقوة من الحكومة الشمالية لمواجهة المد الشيوعي في المناطق الشمالية في مرحلة التشطير، كما كان لها الدور الأكبر في دعم الحكومة وتأليب الشعب والدعوة إلى الجهاد ضد الجبهة الوطنية ذات التوجه الشيوعي والمدعومة من حكومة الشطر الجنوبي بهدف إسقاط النظام في الشطر الشمالي، ويرى بعض المراقبين أن حركة الإخوان المسلمين في اليمن كانت صمام الأمان الذي أنقذ اليمن من السقوط في أحضان الشيوعية، وقد تميزت علاقتهم بالحكومة الشمالية بالتضامن المطلق بعكس ما واجهته الحركة في البلاد العربية الأخرى، وقد انضم الإخوان المسلمون إلى جماعات قبلية وتقليدية ذات وزن سياسي وعسكري واجتماعي مهم وأسسوا هذا التنظيم·
ويعتمد التجمع اليمني للإصلاح على الشرعية التقليدية، وهو حزب عقائدي ويتميز بقوة فكرية وتنظيمية، غير انه يتميز باعتدال آرائه وقبوله بالتعددية مع وجود مجموعة كبيرة من أهل الفكر والثقافة بين صفوفة، وإذا أخذنا هذا التنظيم بطابعه العقائدي سنجد أنه من أقوى الأحزاب السياسية اليمنية على الإطلاق، فهو يمتلك قوة أيديولوجية وتنظيمية وجماهيرية واسعة، وتتميز بنيته الداخلية بمركزية شديدة وبانضباط صارم، وقد ارتبط بعلاقة حميمية بالمؤتمر الشعبي العام، وعداء للحزب الاشتراكي اليمني، لكن سرعان ما تغيرت هذه العلاقة بتغير الظروف والمناخات، فأصبح أكثر مرونة في مواقفه وأطروحاته وأصبح لديه قابلية كبيرة في قضية التعددية وتداول السلطة ودخل في تحالفات مع قوى المعارضة ومنها الحزب الاشتراكي عدوه التقليدي·
أما الحزب الثالث فهو الحزب الاشتراكي اليمني، الذي يعود بجذوره إلى حركة القوميين العرب التي تشكلت في بيروت في عام 1948م ولقد أُسس الحزب في عام 1978م كامتداد للجبهة القومية وفصائل يسارية أخرى مؤمنة بالفكر الاشتراكي في الساحة اليمنية، ولقد أضعفت الصراعات الحزبية من البُنية الفكرية والتنظيمية والجماهيرية للحزب، وكان للمعركة الشهيرة في 13 يناير 1986م في جنوب اليمن الدور الأعظم في تفكيك بنية الحزب وإضعاف موقعه القيادي في الجنوب، وعند قيام الوحدة اليمنية في مايو 1990م وكان شريكاً فاعلاً في الوحدة، ويقول المتابعون ان الحزب لم يقدم جديداً على المستوى الحزبي والديمقراطية الداخلية أو على المستوى السياسي بوجه عام، بل انفرد بخطاب سياسي جديد وممارسات سلطوية عتيقة، ولم يقدم أنموذجاً في الحياة السياسية، يعتبر الحزب الاشتراكي من أكثر الأحزاب ممارسة للنقد إلى درجة جلد ألذات، أما المعضلة الخطيرة التي يعيشها فهي تكرار الأخطاء مما يضعف مصداقيته، و يعاني من ضعف واجهته السياسية خصوصا بعد رحيل عمر الجاوي بسبب عدم قدرته على التجديد واعتماده على العناصر التاريخية في الحزب التي أثبتت فشلها في قيادة الجنوب وارتبطت في ذهنية أبنائه بالبطش والإرهاب، مما يجعل وضع الحزب الانتخابي يراوح مكانه ما لم تبرز بين صفوفة عناصر شابة يمكنها إقناع الناخبين بالتغيير الفكري للحزب وقدرته على المنافسة·
الطفولة الحزبية
يرى المحللون السياسيون أن أغلب الانقسامات التي تقع في إطار الأحزاب اليمنية في مجملها امتداد لخلافات شخصية حول الزعامة الحزبية وحول اقتسام أموال الحزب بين الصقور الحزبية، فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية الحزبية في إطاره، لا يمكن التصديق أنه سيمارسها في المجتمع، فمن لا يعترف بالديمقراطية لا يمكن أن يكون ديمقراطياً، ولعل كبت الديمقراطية وتقنينها في الحياة الداخلية للأحزاب تعد من المسببات الأساسية للتشظيات الحزبية·
هناك سمات للأحزاب السياسية اليمنية تعد ملمحاً من ملامح الطفولة الحزبية، التي تفتقر للديمقراطية وللبناء المؤسسي الحديث تتمثل في ضعف البناء المؤسسي للأحزاب وغلبة النشاط العفوي في الهياكل التنظيمية لها وضعف البناء الفكري (يستثنى من ذلك بعض الأحزاب العقائدية) وضعف القاعدة الاجتماعية للأحزاب السياسية، حيث إن أغلب الأحزاب لا ترتكز على قاعدة شعبية وتتسم بالمركزية الشديدة وضعف الممارسة الديمقراطية والتأثير القوي للعلاقات والوشائج الشخصية والقبلية والعشائرية والمناطقية في حياة الأحزاب الداخلية، والخلط مابين الاستراتيجية والتكتيك والتذبذب في المواقف وضعف التأثير الجماهيري إضافة إلى الانفصال بين القول والفعل، وتجاوز النخب الحزبية القوية للوثائق الحزبية وغلبة الطابع الحماسي والانفعالي على مناشط الأحزاب، وضعف مبدأ الاستقلالية الحزبية مما أدى إلى التشظيات الحزبية كنتيجة لضعف القاعدة الديمقراطية في الأحزاب·
من ناحية أخرى يلاحظ تأثر الأحزاب بتراث العمل السري، وحضور عقلية التآمر والشك والإقصاء في الحياة الداخلية للأحزاب وممارسة الإرهاب المادي والمعنوي ضد الأقلية والمعارضة الحزبية، وتحطيم المؤسسات الحزبية وتحويلها تدريجياً إلى أجهزة حزبية لصفوة حزبية قوية، والنفور من النقد الهادف وتصور كل نقد كأنه هادم للعمل الحزبي وضد المصلحة الوطنية، مع ممارسة الديمقراطية الحزبية بطريقة شكلية، واختزال الديمقراطية في انتخابات حزبية ضعيفة ومحسومة مسبقاً، وسيطرة نخب حزبية على هذه الأحزاب، وقد أدمنت هذه النخب على الفردية والشمولية والاحتراف السياسي فلم تعد تقوى على العيش دون المناصب والوجاهة، كما أصيبت بمرض المسؤولية على أنها قيادة تاريخية يتعذر السير بدونها، لذلك فان احزاب اليمن الرئيسية هي أحزاب مشدودة للتراث الشمولي بنسب متفاوتة ومن الصعوبة عليها الولوج في ديمقراطية داخلية عميقة، لأن ذلك يهدد مصالح النخب الحزبية التي قد تطبعت بعادة الإقصاء والفردنة والشخصنة للمؤسسات والهيئات الحزبية ولا ترجو إلا سماع صوتها، ولا يحلو لها ممارسة العلنية والشفافية واحترام الرأي والرأي الآخر والتسامح والمشاركة في صنع القرار·· وهذا القول لا ينفي وجود ممارسات ديمقراطية أولية في هذه الأحزاب، حيث توجد أجنحة ديمقراطية فيها، إلا أن هذه الأجنحة غير مؤثرة التأثير الكافي على مسار الحياة الديمقراطية الداخلية في هذه الأحزاب·
··عندما هرب الرفاق
أكدت كثير من المصادر أن مفاوضات الوحدة بين الشطرين قد طرحت فكرة تنفيذ الوحدة على خطوات مرحلية يتم خلالها تشكيل لجان لدمج القوانين وإجراء خطوات توفيقية بين أنظمة الشطرين بسبب التعارض في البنية السياسية للنظامين، على أن يتم إعلان وحدة كونفدرالية مؤقتة تتوج بعد الانتهاء من عملية الدمج المرحلي بإعلان وحدة متكاملة، غير أن النظام الاشتراكي في الجنوب الذي كان يحتضر بسبب انهيار المعسكر الاشتراكي وتوقف المساعدات الاقتصادية التي كان يعيش عليها، وتوقعاته بحدوث انهيار اقتصادي في الجنوب إضافة إلى الخوف الذي دب في نفوس الرفاق وهم يرون ما حدث في دول الكتلة الاشتراكية من انتفاضات شعبية أسقطت هذه الأنظمة وخصوصا في تشيكوسلوفاكيا والمنظر الدراماتيكي لإعدام الرئيس' تشاوشيسكو' حليف الأمس، كل ذلك جعل حكومة الجنوب تهرول بدون أي حساب منطقي أو شروط لتحسين أوضاع الجنوبيين الذين دخلوا من بوابة الوحدة وهم لا يملكون إلا التراب، لقد كان هم الرفاق هو النفاد بجلودهم مما يمكن أن يحل بهم وليذهب العمال والفلاحين إلى الجحيم·
ولإيضاح هذا الأمر ومردوده السلبي على الجنوبيين الذين خسروا كل شي ولم يكسبوا من الوحدة إلا حريتهم من النظام الشيوعي في الجنوب، فان طبيعة النظام الاقتصادي في الشطر الشمالي كان مفتوحا وحرا وكان أبناء المحافظات الشمالية يمتهنون الأعمال التجارية ويكسبون من ذلك أموالا طائلة وقد كان المزارعون يحملون حصاد مزارعهم إلى الأسواق يبيعون ويشترون ويكسبون، لذلك فقد دخل أبناء الشمال إلى دولة الوحدة وهم يملكون رؤوس أموال كبيرة على شكل أموال سائلة وأصول ضخمة، بينما كان الجنوبيون قد فقدوا كل المقومات الاقتصادية التي كانوا يمتلكونها بعد سقوط البلد في يد الشيوعيين، وقبل هذه المرحلة الكارثة من تاريخ الجنوب فقد كان أبناء الجنوب يسيطرون على نسبة كبيرة من تجارة الشرق الأوسط وكانوا يحتكرون اغلب الوكالات التجارية العالمية، وكانت منطقة الخليج تعتمد في تجارتها على الواردات من ميناء عدن الذي كان اكبر ميناء تجاري في المنطقة العربية ويتفوق على الموانئ الأفريقية والآسيوية، وحسب المعلومات المؤكدة فان بعض دول الخليج في حقبة ما قبل النظام الشيوعي في الجنوب كان لها وكلاء في ميناء عدن مهمتهم عقد الصفقات التجارية لشراء المواد الغذائية وتصديرها إلى موانئ هذه الدول، كما اعتمد كثير من تجار منطقة الخليج في تلك الفترة على الاستيراد من عدن·
··عندما يطبخ النجار
غير أن الرفاق الذين لا يفهمون من أمور الاقتصاد غير الجمع والطرح لم يعجبهم الحال فأرادوا أن يقلبوها نكد على الجنوب وأهله، فاتخذوا الخطوات اللازمة بضرب الاقتصاد من خلال تأميم الممتلكات ومطاردة رجال الاعمال باعتبارهم برجوازيين، ودمر بذلك اقتصاد الجنوب واتى على بنيانه من الجذور، وقد هرب اغلب رجال الأعمال من البلد مع أموالهم واستفادت منهم دول الجوار، كما توقف ميناء عدن عن الحركة بتوقف الاستيراد والتصدير فيه، وفقد من بقي من رجال الأعمال امواله وممتلكاته التي وزعت على العمال والفلاحين بحجة توزيع الثروة·
لذلك وبعد سبعة وعشرين عاما من الإجراءات المدمرة للاقتصاد في جنوب اليمن لم يبق في أيدي الناس من أموال سوى ما يرسله المغتربون لذويهم لسد رمق عيشهم بعد أن سد النظام كل باب للرزق، وقد دخل الجنوبيون بوابة الوحدة وهم فقراء مدقعون لا يملكون من متاع الدنيا شيئا، لذلك فقد اجتاح رجال الأعمال من الشماليين الجنوب واشتروا كل حبة رمل منه ولم ينافسهم إلا المغتربون الجنوبيون الذين استطاعوا أن يقتسموا جزءا من الكعكة، كما أن العقلية القبلية التي لازالت تسيطر على أبناء المناطق الشمالية جعلتهم يسيطرون بالقوة وبدون وجه حق على كثير من الأراضي وقاموا بارتكاب مخالفات قانونية كبيرة، وبما أن الحكومة الجنوبية قد منعت الجنوبيين قبل ذلك من التملك للأراضي بكل أنواعها، وتملكت كل المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية والتجارية في كل مناطق الجنوب، فقد دخلت اليمن عهد الوحدة واغلب ممتلكات الجنوبيين اصبحت ملكا للحكومة، لذلك فقد استطاع الشماليون السيطرة على هذه الأراضي وقد شكلت هذه المشكلة بداية نظرة الجنوبيين لسيطرة أبناء الشمال على ممتلكاتهم·
لقد كان من المفروض على حكومة الجنوب أن تعمد إلى إعادة ممتلكات الجنوبيين التي صودرت منهم بسبب التأميم، كما انه كان عليها أن تقوم بتوزيع قطع الأراضي على موظفي الدولة، أما المشكلة الشائكة التي خلفتها الحكومة الجنوبية خلفها والتي لا يرجى لها حل أنها عندما أممت العقارات باعتها إلى موظفي القطاع العام بصكوك رسمية وقسّطت القيمة عليهم لمدة خمسة وعشرين عاما، وعندما تغيرت الأمور بدأ الناس يطالبون بممتلكاتهم ولكن المالكون الجدد اشتروها رسميا من الحكومة، ولم تستطع الحكومة بعد الوحدة حل هذه المشكلة·
لقد كان على الحكومة بعد الوحدة دراسة الأوضاع المتردية لأبناء الجنوب بسبب ماحل بهم من النظام السابق وإيقاف حركة البناء وتملك الأراضي حتى يتم تعويضهم وعدم السماح لأبناء المناطق الشمالية بالتعدي على حقوقهم ·· إن عدم التوازن في الملكية التي أحدثتها الوحدة قد سلبت الجنوبيين الكثير من حقوقهم وتقع المسؤولية الأولى على حكومة الجنوب التي هرولت الى الوحدة خوفا على نفسها ولم تهتم بأوضاع الشعب في الجنوب التي تسببت له بتلك المآسي، أما المسؤولية بالدرجة الثانية فتقع على حكومة الوحدة التي سمحت بالانفلات ولم تفرض القانون، وتتحمل نصيبها من المسؤولية في عدم إنصاف أبناء الجنوب مما حل بهم من حكومتهم السابقة، ومن يتابع ما يحدث في المحاكم يجد أن الشكاوى تراوح مكانها منذ سنين فلا يمكن لأحد أن يأخذ حقه بالقانون وإنما بقوة الذراع·
يتبع··
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©