القاهرة ــ زين إبراهيم:
في معرضه السابع والسبعين 'روح الحضارة' قدم الفنان التشكيلي د· أحمد نوار 39 لوحة لوجوه الفيوم الاثرية التي رسمها الفنان المصري القديم واستلهم في لوحاته روح الحضارة الفرعونية وقدم لوحات كولاج ممتزجة مع عناصر مختلفة من الحضارة الحديثة ليؤكد التواصل بين الفن القديم والحديث، وان الابداع الإنساني لا يتوقف ويحتاج إلى تكامل في المستقبل· وقدم نوار من قبل تجربة موازية لوجوه الفيوم بالأبيض والأسود عام ·2000 · وجوه الفيوم الاثرية عبارة عن بورتريهات للمصريين القدماء كانت ترسم لهم قبل وفاتهم لتوضع مع رفاتهم حتى يمكن التعرف على أصحابها وقت البعث حسب معتقدات المصريين القدماء، وكان يرسم هذه الوجوه فنانون يستخدمون ألوانا من تقنيات قديمة كالألوان الترابية والاكاسيد وزلال البيض·
بدأت قصة هذه الوجوه مع د· أحمد نوار في الفترة ما بين 1995 و1999 حين كان رئيسا لقطاع المتاحف بالمجلس الأعلى المصري للثقافة، ومسؤولا عن إعداد معرض للوجوه المكتشفة، وأثناء فترة الاعداد للمعرض انبهر بتلك الوجوه فأخذ يتأملها واكتشف قدرة الفنان المصري القديم على التعبير بالوسائل التصويرية قبل اكتشاف وسائل التصوير الحديثة، واعتبر تلك الوجوه سباقه في تاريخ الفن التشكيلي·
وقال نوار إن وجوه الفيوم بورتريهات مرسومة وملونة كانت توضع في تابوت المتوفى، ويتم الصاقها على وجوه الموتى وتثبت بلفائف الكتان حتى يمكن التعرف على صاحب الجسد أثناء عملية البعث، وحدثت له حالة ذوبان وجداني وعقلي مع هذه الوجوه التي تعمقت بداخله، ومنذ عام 1999 بدأت تراوده فكرة اعادة صياغة وجوه الفيوم برؤية حديثة، واعادة صياغة الأعمال القديمة نفذها فنانون كثيرون أشهرهم بيكاسو الذي أعاد تقديم لوحات من أعمال الفنان الجريكو حيث يحترم الفنان أصل العمل فيما يتعلق بالبناء التشكيلي ويضيف اليها فقط رؤيته وأسلوبه والخامات التي يراها مناسبة·
وأضاف د· أحمد نوار انه قدم أول تجربة له عن وجوه الفيوم عام 2000 بالابيض والأسود مع الحفاظ على البناء الأصلي للوجوه ونقل العيون كما هي حتى لا يختفي الاحساس الاساسي بالوجوه لان التأمل في وجوه الفيوم -تعبيريا وفنيا- يؤكد ان روحها مثبتة في العيون وكأنها بُعثت من جديد، وطوال تلك السنوات لم تفارقه وجوه الفيوم وتخيل لو ان هذه الوجوه بُعثت في العصر الحالي كيف ستتصرف تجاه ما يحدث في العالم المعاصر ومشكلاته ومن هنا جاءت فكرة معرض 'روح الحضارة' الذي قدم وجوه الفيوم ممتزجة مع الحضارة الحديثة وقضايا العالم الآن، ومثلت كل لوحة حالة من حالات الإنسان المعاصر وعلاقته بالحروب وقضايا الفضاء، والطاقة والعلم والتنمية والصراع الدائر بين القوى العظمى والدول النامية، وتم تطعيم كل لوحة في شكل كولاج بمجموعة من الرموز والعناصر تؤكد ان التواصل الحضاري قائم وان الابداع الإنساني لا يتوقف من الحضارات القديمة إلى الحديثة، وفي كل اللوحات هناك مرجعية لمعالم الحضارة الحديثة على قاعدة تراثية قديمة لتأكيد ان روح الحضارة ما هي الا الطاقة العظمى للبقاء وهي طاقة فاعلة وممتدة بين كافة الحضارات·
وأوضح د· أحمد نوار ان الالكترونيات المستخدمة في كل اللوحات لا يرتبط معناها بالتعبير عن العصر فقط بقدر ارتباطها بروح الحضارة الإنسانية والابداع بشكل عام وبناء الأهرامات في وقته كان يمثل أرقى أنواع التكنولوجيا المتقدمة وخلفها الروح التي صنعت هذه الأهرامات، وكذلك الأمر بالنسبة للعلم والتكنولوجيا المبنيين على الابداع الإنساني الممتد من الحضارات القديمة حتى عصرنا الحالي، فهناك طاقة ممتدة عبر تراكم زمني·
وقال انه كان مهموما بفكرة حاول التعبير عنها بالطريقة التي تناسب عمله الفني ولا يمكن المقارنة بين تجربة وجوه الفيوم في المرحلة الاولى، والتجربة الحالية فكل مرحلة منها لها ملامحها ودوافعها، ففي التجربة الاولى كان التركيز على كيفية الوصول الى بناء تشكيل جمالي يعبر عن جوه الفيوم، مع المحافظة على هذا البناء التشكيلي، اما التجربة الثانية فكانت تهدف الى ربط وجوه الفيوم بالعالم المعاصر وكان من الضروري التوازن بين الوجوه كما هي والعناصر المضافة الى كل وجه حتى لا يحدث تنافر أو انفصال بين العالمين واذا كان هناك اعتزاز بالتجربة الاولى فان الحكم على التجربة الثانية يحتاج الى وقت ومراجعة·
تمرد باللون
وحول لجوئه الى تلوين الوجوه في التجربة الثانية اكد ان الاصل في وجوه الفيوم انها ملونة وكان قد رسمها بالابيض والاسود لتجنب اي مشكلات من ناحية التلوين وفي التجربة الثانية كان من الضروري البحث عن افكار جديدة وعن تقنيات مختلفة ووسائط متعددة وكان التلوين بمثابة نوع من التمرد على الابيض والاسود، وتلوين الوجوه في التجربة الثانية مختلف تماما عن الاصل مع الحفاظ على الشكل الاساسي للوجوه والعيون والتغيير في الالوان، وكان هناك تعمد في رسم الخلفيات قاتمة حتى تؤكد العمق والشفافية والامل في وجوه الفيوم وكأن شعاع الضوء الخارج من الوجه واللوحة يمثل املا وفرصة للتواصل والبقاء في المستقبل، وكل اللوحات منفذة بخامة الاكريليك التي يستخدمها الفنان نوار منذ سنوات بعيدة لقدرته على التعامل معها واعطاء نتائج ترضيه كفنان بالاضافة الى عناصر كثيرة مضفرة مع اللوحة كتوصيلات اجهزة الكمبيوتر والراديو والشبكات البلاستيكية مع رسوم هندسية تجريدية متنوعة·
وأشار نوار إلى ان اعمال المعرض فيها ربط بين التكوينات العضوية الممثلة في الانسان ووجوه الفيوم والتكوينات الهندسية المرتبطة بالكونيات والبيئة المحيطة بالانسان، وانه يحاول في كل اعماله ان يجد صيغ تقارب بين هذين العالمين المتناقضين والربط بينهما وايجاد نقاط مشتركة بين العالمين خاصة انه لا يمكن الفصل بحكم العلاقة الحتمية بين العالمين، فالانسان لا يمكنه ان ينفصل عن الفراغ المحيط به ولا عن الكون·
وألمح إلى أن المبدع حالة متكاملة لا تنفصل سواء رسم لوحة او قدم تمثالا نحتيا أو نفذ فيلما سينمائيا لان الشخصية واحدة وتختلف الوسيلة فقط، والمهم قدرة الفنان المبدع على انجاز عمله الابداعي دون الاخلال بقواعد الفن الذي يقدمه ولهذا فانه سعيد بكل تجاربه واعماله لانه في كل مرة يحاول ان يقول فكرة قد تصل الى المتلقي وقد لا تصل وهذا ليس مهما لان الاهم هو قدرته على تقديم ابداعه بشكل متميز·