الخميس 22 أكتوبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

المظهر لا يشبه الجوهر

1 يوليو 2005

سعاد جواد:
رجل وقور تتدلى لحيته الطويلة إلى وسط صدره، تتزين جبهته بعلامة السجود، ماذا يفعل مثل هذا في السجن؟ سؤال حائر ينطلق من لسان كل من يراه، هل يمكن أن يكون هذا الرجل مجرماً؟ ترى ماذا فعل؟ لابد أنه مظلوم·· ألا يقولون بأن في السجن مظاليم أيضاً؟ كل هذه الأفكار يمكن أن تدور برأس الإنسان الذي يشاهده ولكن الحقيقة المرة تتجلى عندما تبحث عن خفاياها فتصدمك بشدة وصعوبة، فما هي حقيقة هذا الرجل الوقور؟
كان شاباً كباقي الشباب يحلم بأن يكون الأفضل ويتطلع إلى المستقبل بفخر واعتزاز، بدأت مشكلته الأولى حين تراجع في دراسته وأصبح يرسب عاماً بعد عام، لا يدري لم أصبح بليداً، لا يفهم العلم ولا يستوعبه، ربما لأنه لا يملك قدرة على التركيز، وربما لأنه ليس ذكياً في نواحي العلم، لا أحد يعرف السبب·
نصحه أصدقاء السوء بتجربة البراشيم وعلموه طرق الغش، كان خائفاً في البداية ولكنه أتقنها مع الوقت وأصبح غشاشاً من الدرجة الأولى· نجح في الامتحانات الفصلية ولكنه لم ينجح في الامتحان النهائي، فرسب للمرة الأخيرة وتم طرده من المدرسة بعد أن تم ضبطه وهو يغش· كان ساخطاً على المدرسين لأنهم كانوا السبب في طرده من المدرسة، فقام بأعمال صبيانية لإيذائهم، حيث قام بكسر زجاج سيارة المدرس، وأيضاً فإنه قام بإفراغ إطاراتها من الهواء· أمسكت به الشرطة وهددوه بإدخاله في السجن إن استمر على حاله من المشاغبة· نصحه الأهل بترك فكرة الدراسة والتوجه للعمل، وعدم الاستمرار في طريقة العناد والشغب·
الزوجة النكدة
توجه للعمل وكان متحمساً لعمله بشدة، فقد اثبت تميزه فيه وصار يحصل على الترقيات، بعد مدة ترأس عليه مسؤول من النوع الذي يستفز من يعمل معه ويحمله فوق طاقته، لم يستطع أن يتقبله وعاش معه صراعاً صعباً كرهه في العمل كرهاً شديداً· قام الأهل بتزويجه من إحدى قريباته، ولسوء حظه، فقد كانت زوجته حادة الطباع نكدة تفتعل المشاكل طوال الوقت وتحب أن تتفنن في إيذائه، جعلته يعيش في دوامة مؤلمة من المشاكل التي لا تنتهي، كان تجرحه وتهينه وتحط من شأنه دائماً، وكلما فكر بطلاقها وقف الأهل بوجهه ومنعوه من ذلك· تراكمت عليه المشاكل التي كان يواجهها في العمل وفي المنزل حتى أصبح عصبياً وعنيداً لا يحب أن يستمع لأحد ولا يحب أن يقوم بعمله كما ينبغي· تعرف إلى شلة من رفاق السوء، فدلوه على طريق المنكر والحرام، فانجرف فيه ثم هداه تفكيره إلى طريقة للخلاص من عالمه الذي يعيش فيه بشكل غير مريح· فجأة ترك كل شيء ورحل، أخذ قرضاً من احد البنوك بمبلغ كبير وسافر إلى إحدى بلدان شرق أسيا، وبدأ حياته بشكل جديد، لم يعد مسؤولاً عن شيء ولم تعد عليه أي التزامات وصار يقضي وقته كله في العبث والسكر والمنكرات·
بهرته تلك الحياة الشيطانية، فانجرف فيها حتى صرف كل ما لديه، عندها تخلى عنه الجميع ورموه كما ترمى المهملات ولم يعد يسأل عنه أحد، عرف بأن المال هو وحده من يجلب الأصدقاء والصديقات وجلسات الهوى، فصار يفكر بوسيلة للحصول عليه· تبرع أحد أصدقاء السوء بتعليمه فنون النصب والاحتيال، فصار ينصب ويحتال على الشباب السواح من أهل بلده، فيصبح سمساراً لهم يدلهم على مسالك الشر والمتع وينال منهم كل ما يملكون، أصبح ماهراً في عمله الجديد ولكنه لم يكتف بذلك وإنما أراد أن يحصل على المزيد من المال· أصحاب السوء دلوه على الطريق السريع للربح الوفير، إنها تجارة المخدرات، واقترحوا عليه العودة لبلده ليكون الوسيط المؤتمن على توزيع تلك السموم·
مطوع عاص!
كان قد أمضى أكثر من عشر سنين خارج بلده، فسقطت القضية التي رفعها البنك ضده للمطالبة بالسلفة البنكية التي أخذها سابقاً ولم يسددها، فاستحسن فكرة العودة إلى الوطن· أصبح خبيراً وذكياً يعرف كيف يخدع الناس من حوله· قرر اتخاذ شكل جديد وأسلوب جديد يمكنه من ممارسة عمله بلا أي شكوك، قام بعمل وشم على جبهته ليبدو وكأنه علامة للسجود، ثم أطال لحيته ولبس 'كندورة' قصيرة تدل على زهده وورعه وشدة تمسكه بالدين، ثم أخبر الجميع بأنه قد هدي إلى طاعة الله وعدم معصيته وأنه قد قرر أن يغير حياته ويكون إنسانا آخر· فرح به الأهل وسعدوا لتوبته وهدايته، وساعدوه على العودة والاستقرار في الوطن· قام بفتح متجر فخم لتكون تجارته الحقيقية مختفية تحت ستار البيع بالحلال، وأحضر عاملات كثيرات كان يأمرهن بالحجاب نهاراً وفي الليل فإنه يقضي وقته معهن في جلسات الخمر والزنى من دون أن يحس به أحد· مرت مدة بسيطة جداً أصبح بعدها ثرياً، فاشترى منزلاً فخماً وسيارة فخمة وتزوج إحدى بنات العائلات المعروفة·
من أعماله المميزة التي لا ينساها الناس له أنه صادف وأن شاهد زوجة أحد أقربائه وهي تتبضع في متجره مع زوجها، عشقها من أول نظرة وهام بها وقرر الحصول عليها بأي ثمن، قام بالتقرب إلى زوجها واستدرجه إلى المخدرات ثم قام بالتبليغ عنه· بعد أن تم سجنه، تقرب للزوجة وصار يمثل دور القريب المخلص الذي ينوي المساعدة، ثم أقنعها بالمطالبة بالطلاق من زوجها الذي لا يستحقها لأنه إنسان عاصٍ لا يخاف الله، وقد كان يخونها· اقتنعت المرأة بكلامه وطلبت الطلاق، فتم لها ما أرادت فتزوجها هو· كان يركض إلى المسجد في مواعيد الصلاة أمام الناس من أجل ألا يشك به أحد، أما في الخفاء فقد أصبح من أكبر تجار المخدرات الذين يجلبون السموم القاتلة التي تفتك بالشباب·
بيدها لابيد غيرها
لم يكن أحد يشك فيه أبداً ولكن الله يمهل ولا يهمل، فالمرأة التي طلقها من زوجها وتزوجها، أحست بالشك منه، ثم قررت أن تعرف الحقيقة، راوغته حتى سمعت اعترافه الصريح بأنه هو الذي أدخل زوجها السجن من أجل أن يحصل عليها، وأنه هو السبب في تعليم زوجها على المخدرات لأنه قد عشقها وقرر أن يحصل عليها بأي شكل· كانت المرأة ذكية جداً، صارت تراقبه في جميع تحركاته، فاكتشفت حياته الأخرى التي كانت مخفية عن الأنظار، استطاعت أن تستدرج العاملات لتعرف حقيقة تصرفه معهن وكيف أنه يستغلهن في الاعتداء عليهن بعد انتهاء ساعات العمل ليلاً، ثم توصلت المرأة إلى من يخبرها بأنه يبيع بعض الأشياء الممنوعة سراً· قامت المرأة بتبليغ السلطات المختصة عن زوجها وعن كل ما يقوم به، فأعدت له الشرطة كميناً بعد مراقبته وتم إلقاء القبض عليه وهو متلبس بجريمته· تم التحقيق معه وكشفت أسراره ونشاطاته الواسعة في تجارة المخدرات وتم الحكم عليه وأودع السجن يقضي فيه سنين طويلة من عمره· رفعت المرأة عليه قضية للطلاق، فتم لها ذلك وطلقت منه ثم أفشت أسراره أمام الكل، فاستغربوا جميعاً، كيف يستطيع هذا الإنسان أن يتحايل على الجميع ويوهمهم بأنه إنسان تقي وهو في الحقيقة تاجر للمخدرات؟ وتعجبوا أيضاً كيف يمكنه ان يقف أمام ربه في المسجد أثناء الصلاة ولا يشعر بالخوف ولو للحظة واحدة من الجبار العظيم الذي يطلع على كل شيء ولا تخفى عليه الأسرار؟ إنه يفكر دائماً بالاحتيال والنصب كطريقة وحيدة للتخلص من مشاكله، في السجن ادعى بأنه يحفظ كتاب الله بعد أن سمع بأن من يحفظ كتاب الله فسيتم الإفراج عنه، أجريت له اختبارات عديدة فشل فيها، ولكنه بقي مصراً على أنه يحفظ كتاب الله ولكنه ينسى ما يحفظه بسبب ارتباكه أمام اللجنة· لقد أصبح هذا الإنسان غير طبيعي لا يريد أن يسلك الطريق القويم ليعينه الله ويخرجه من سجنه، إنه يفكر دائماً بأن وسائل النصب والاحتيال هي الوحيدة التي ستساعده· إنه بعيد عن الهداية ورحمة الله، ربما كان ذلك بسبب دعوات الآباء والأمهات لأنه كان السبب في ضياع أولادهم بتلك السموم التي كان يتاجر بها، لقد ساهم في تدمير عدد هائل من الشباب بعد أن جعلهم يتناولون سمومه، فكم من أسرة تفككت بسببه، وكم من أطفال ضاعوا بسببه وكم·· وكم·· انه إنسان عجيب لا يمكن لأعماله السيئة من أن تعد أو تحصى·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©