الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

ليبيا·· وتحديات التغيير من الخارج

6 يوليو 2005

محمد أبو الفضل:
ظلت المعارضة الليبية فترة طويلة تبحث عن قواسم مشتركة بين قواها المختلفة ، وتحاول التوافق حول أجندة محددة تضع حلولاً واضحة لوسائل التعامل مع النظام الليبى الذى يهيمن على المناحي المختلفة للحياة في البلاد ، بمساعدة مجموعة من الاطياف السياسية والطبقات الاجتماعية والنخب الاقتصادية التي ترى أهمية فائقة لاستمرار تحالفاتها ، حتى تتمكن من إحكام سيطرتها على الأوضاع وضمان الحفاظ على مصالحها المتنامية ،وقبل أيام إستطاعت المعارضة وضع أول نواة حقيقية للاعلان عن وجودها بصورة جماعية ، عبر صياغة وثيقة ' للتوافق الوطني ' ، في محاولة جادة لانهاء فترة طويلة من الشد والجذب والتشرذم ، استفاد منها النظام الليبي في تأكيد متانة قواعده وضعف معارضيه ، بانعقاد مؤتمرها الأول في لندن يومي 26,25 يونيو الماضي أضحت المعارضة الليبية مطالبة بالاقتراب أكثر من نبض الشارع وتفهم حاجاته والوفاء بمتطلباته ، ليتمكن من الخروج من عباءة المعادلة الضيقة التي حاكها النظام طوال السنوات الماضية ويسعى لتكريسها لسنوات قادمة ·
فالنظام الليبي يعمل على استيعاب بعض الدورس الخارجية ، من خلال جريه وراء إدخال تعديلات شكلية تعطي إيحاء أن هناك تحولات هيكلية في رؤاه وتغيرات عملية في حساباته ، بما يتوافق مع المعطيات الدولية الصاعدة والتي تحمل نسمات متعددة للاصلاح الشامل وحاجاته السياسية ، في محاولة لقطع الطريق على الاتهامات التي تتردد بشأن عقم النظام وإنسداد شرايينه السياسية أمام المحاولات الجارية للتكيف مع مؤشرات الاصلاح التي تهب من كل حدب وصوب ، ويقود هذا الاتجاه سيف الاسلام نجل العقيد القذافي ، بما يشي أن هناك تحولاً تدريجياً يتم داخل هياكل النظام وبمعرفة أبنائه ،وبالتالى فالفرصة تبدو مهيأة للقوى المختلفة للانخراط في المعادلة التي يتم ترميمها ،وتفقد المعارضة جزءاً من خطابها الاصلاحي ، وتخسر بريقها الاعلامي ، لكن المكونات الظاهرة تكشف أن المفردات الرسمية التي يقودها الحرس الجديد هى محاولات بائسة لإطالة عمر النظام بوسائل مغايرة، تلجأ اليها كثير من الأنظمة تحت إلحاح الضغوط الخارجية واسكات بعض الأصوات الداخلية ·
انهاء الاستبداد
واذا كانت المعارضة عقدت مؤتمرها تحت شعار ' إنهاء الاستبداد وترسيخ شرعية دستورية وديمقراطية ' فان كلمات قياداتها استغرقت في الحديث عن فترة ما بعد القذافي وتجاهلت كيفية الوصول اليها ، فلم تتعب نفسها في تقديم تصورات لإنهاء فترة حكمه أو الاشارة الى الآليات التي تقود الى بلوغ هذا الهدف الصعب ، فكلام الأمير محمد الحسن الرضا جاء حافلاً بالمعاني التي تتكلم عن واقع هو في الخيال أقرب من الحقيقة ، حيث قال ' بعد سقوط النظام الحالي يجب أن يحل محله نظام شرعي عبر انتخابات تشرف عليها الأمم المتحدة ' ولم يقدم الصيغة التي تكفل بلوغ هذا الهدف، ودافع إبراهيم صهر الأمين العام لجبهة الإنقاذ عن فكرة تشكيل حكومة انتقالية وقال أنها ستدعو الى انتخاب جمعية تأسيسية وعرض الدستور على إستفتاء شعبي ، وأوضح نوري الكيخيا من التجمع الوطني الديمقراطي أن النظام يجب ان يتنحى سلماً عن السلطة ، وأشار الى أن الحكومة الانتقالية ستمهد لإرساء نظام دستوري وديمقراطي ، وبابتعاد هذا النوع من التقديرات عن الواقع تتراجع مكونات التفاؤل بإحتمال رؤية جدول أعمال يتعاطى بديناميكية مع القضايا الليبية ، التى في حاجة الى معالجة موضوعية تحول الأمنيات الى تكتيكات فعلية ·
وقد انعكست الرؤى السابقة في المبادئ الثلاثة التي حملتها العناوين الرئيسية للمؤتمر ، أولها المطالبة بتنحي القذافي عن كافة سلطاته وصلاحياته ، وثانيها تشكيل حكومة إنتقالية من عناصر مشهود لها بالوطنية والنزاهة لإدارة البلاد لمدة لا تزيد عن عام ، مهمتها العودة بالبلاد الى الحياة الدستورية ،وثالثها إقامة دولة مؤسسة على التعددية السياسية والثقافية والتداول السلمي للسلطة ، وتكشف هذه المبادئ عن خمسة نتائج أساسية ، الأولى حداثة معظم قوى المعارضة في العمل السياسي ، على الرغم من أن بعضها له باع طويل في صفوف المعارضة ، خلق شيئا من الطوباوية في أحكامها ، والثانية غيابها عن الداخل أفضى الى صعوبة معرفة مكونات القوة في الشعب الليبي والالمام بدقة بمكامن الضعف في نظامه ، والثالثة غلبة الالتباس على تقديرات البعض بعد بروز خلافات حول توجهات المرحلة المقبلة ، حتى بدا القفز أو حرق المراحل تكتيكا يساعد على تخطي العقبات الآنية ، والرابعة التنوع في قوى المعارضة لا يعني الانسجام في صفوفها ، والخامسة غياب البديل الجاهز للنظام الليبي ، فبرغم التنوع في المشارب والاتجاهات ، إلا أن المعارضة الليبية مثل معظم المعارضات العربية لا تمتلك القيادة البديلة ، وهو ما يعطي فرصة أطول للنظام الحالي للتمدد والاستمرار ·
ولا تقلل النتائج السابقة من وجود بعض المزايا التي تمخضت عن مؤتمر لندن ، في مقدمتها اجتماع عدد كبير من المعارضين لأول مرة في مكان واحد ، وإثبات أن هناك صوتاً للمعارضة الليبية ظهرت تجلياته في إعلان ' التوافق الوطني ' ، وحشد همم المعارضين في الداخل ، فالنشاط الخارجى يدفع ناشطيهم للتكتل والتفاعل والضغط على النظام من الداخل ، واشعار القيادة الليبية أن معارضيها يمكن أن يمثلوا تهديداً لها ، مما يدفعها لتخفيف قبضتها وإعادة النظر في بعض السيناريوهات البغيضة ،وبالتالى وضع حـــــــد للركود السائد منذ فترة ·
المعارضة ··والفرص الخمس
في هذا السياق يمكن الإشارة الى خمس فرص أمام المعارضة الليبية ، اذا جرى استثمارها جيداً سوف تؤدي الى نتائج مواتية تغير من الاعتبارات الراهنة التي يقيم النظام الليبي بموجبها غالبية توازناته ، الأولى إرتفاع معدلات الاحتقان في الأوساط الليبية وسيطرة مجموعة صغيرة على السلطة والثروة والحل والعقد في البلاد ، ما يهئ مناخاً لبث الأفكار المناهضة وسرعة استيعاب محتوياتها ، والثانية انشغال النظام بعدد من الاهتمامات والركائز الخارجية دون قدرة على وضع حلول لمشكلاته الداخلية والاستغراق في شرح مناهج وأفكار مثالية تقدم نصائح للعالم ولا تستطيع فك شفرات المعادلة الداخلية التي تموج بتعقيدات متباينة ، والثالثة إرتفاع درجة النضج السياسي والوعي الثقافي والخبرة العملية لدى التنظيمات المعارضة ، ما يحعلها قادرة على التعامل مع المستجدات والاستفادة من ثغراتها الايجابية ، والرابعة تحول مفردات الاصلاح الى حاجة إقليمية ومطلب دولي يخفف من أى محاولات للنيل من المعارضين ، واذا كانت ثمة تجاوزات حصلت في الآونة الأخيرة ، فإن تكرارها سيكون محفوفاً بالمخاطر ، فالصمت السابق أو الادانة المخففة نبعت من حسابات دولية معقدة بدأت تتلاشى بعض مظاهرها ، وتأسست على عدم وجود أدلة كافية ، فقد حرص النظام الليبي في معظم ممارساته ضد معارضيه على إخفاء ما يدينه صراحة ، والخامسة اتخاذ كثير من الدوائر السياسية الحالة الليبية للتدليل على إزدواجية القوى الدولية في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والمطالبة بإصلاحات جوهرية يمثل ركيزة أساسية لإمكانية التعاطف مع المعارضة الليبية لبعض الاتهامات المتوالية في هذا الاتجاه ·
وفي المقابل يصعب تجاهل بعض التحديات التي تقف عائقاً أمام وصول تحركات المعارضة الى أغراضها ،أهمها ضعف البنى والامتدادات الداخلية لها ، فغالبية تنظيماتها نشأت وترعرعت في الخارج ، لذلك تبدو تقويماتها أحيانا غير منسجمة مع الواقع ، وقد أدى التواجد لحقب طويلة في الخارج الى إلصاق الاتهام بالتواطؤ لبعض قياداتها مع جهات أجنبية ، وهو ما يفقدها جوانب من جاذبيتها السياسية لدى فئات واسعة من الشعب الليبي ، خاصة أن الدعاية الرسمية تعزف سيمفونية متواصلة حول وجود إرتباطات وشبهات مختلفة ، وبعيداً عن خطأها أو صحتها فهي تفتح باباً للتأويلات السياسية ، كما أن وجود خلافات داخل قوى المعارضة يعيد للأذهان إمكانية عودتهما بسهولة لتفتتها السابق ، فمع تزايد الكتل والتنظيمات التي أنصهرت في مؤتمر لندن ، غير أن هناك قوى خارجه تمثل ثقلاً مهما ، لذلك فزيادة رقعة التنسيق والتعاون تعطي حوافز لضم كافة القوى في جبهة واحدة ، وتوحي بجدية وسمو الأهداف التي تسعى الى تحقيقها ، بالاضافة الى أن ضعف المجتمع المدني في ليبيا ، لاسيما بعد أن أصبح في مقدمة القوى التى يقع على عاتقها التغيير ويمثل رافداً رئيسياً للأحزاب والتنظيمات والجبهات السياسية ،من هنا يعتبر الالتفات لضخ الدماء في عروق المجتمع المدني خياراً له أولوية متقدمة ·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©