كلنا تقريباً، نعرف قصة قصر الحصن، ذلك الصرح الوحيد الذي يمتد أفقياً يناطح الزمن فيما تنتشر البنايات من حوله عمودياً لتناطح السماء... القصر الذي يستضيف بين جنباته أكثر من قرنين من الزمان يمكن القول إنه مكان ضد النسيان... أيضاً ذاكرة ضد النسيان.يحدث أن تمشي دقات القلب على أحداث التاريخ... يحدث أن تتعثر بحكاية هنا أو خبر هناك... يحدث أن تذهب إلى أماكن غابت أو تطل من الزمان على الزمان... يحدث هذا مع الحجر... الحجر العتيق الذي يتقن صناعة أرواحنا باتقان مدهش... في الحقيقة لا يفعل قصر الحصن في العاصمة أبوظبي أكثر من ذلك حين يسرد سيرته علينا وعلى المكان.
ثمة أماكن تقف شامخة في سيرتها تتلو على تتابع الزمان ما تختزنه في جوفها...كأنما تتحدى الزمن أو تشاغبه.. أماكن قديمة، تحتضن في داخلها عراقة العلاقة بين الإنسان وبيئته واجتراحاته في الحيز الزماني والمكاني.. في أبوظبي يبدو قصر الحصن، البناء الأقدم في المدينة، نموذجاً مثالياً لهكذا أماكن.. فهو يستند إلى ذاكرة زاخرة بالتفاصيل والأحداث والحكايات، التي ستكون الإمارات العربية المتحدة بعد ذلك، على موعد مع أهمها، وأعني تنصيب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “رحمه الله” حاكماً لإمارة أبوظبي في العام 1966، هذا الرجل الاستثنائي الذي سيحقق للناس أحلامهم وينجز في فترة قياسية دولة عصرية حديثة تسعى جاهدة لكي تتحصن بذاكرتها ولا تفقد قديمها وإرثها الحضاري.
و... ثمة قراءة أكاديمية خارجية، ظاهرية، تقرأ المكان في شكله ومسرودته التاريخية بالأرقام والتواريخ، و...ثمة قراءة تشق روحه، تسر أغواره، تتجول في دهاليز الذاكرة وفضاءاتها ومكنوناتها لتخرجها إلى العلن... في قراءة الداخل يتوهج قصر الحصن كما كل مكان عتيق، تبرق روحه تحت وقع الكلمات وهي تسافر في البدء والنشأة وتفاصيل التأسيس... بهكذا قراءة ينبغي أن نقرأ كنوز تراثنا، وأن نسبر نفائسها وذخائرها الضاربة عميقاً في روح الوطن، وبهذه العين يمكن أن نطل على الماضي ونتدارس عبره، نتنسم عبيره الفواح وتأخذنا إلى أحضانه نزوات الألق المعرفي التي تنسج حضورنا في التاريخ وعلى هديها نتقصى شواهدنا وأوابدنا.
حين يذكر اسم أبوظبي تتداعى إلى الذاكرة أماكن كثيرة يعيش ويتنفس فيها الماضي ويزدهر التاريخ لكن قصر الحصن يأتي في المقدمة... ومع هذا المجيء تطلع على البال سنة 1760 حين اكتشفت المياه العذبة وعلى اثر ذلك قرر الشيخ شخبوط بن ذياب حاكم أبوظبي في ذلك الوقت نقل مقر الحاكم من واحة ليوا إلى أبوظبي حيث تم بناء قصر الحصن عام 1763، مذّاك بدأت حكاية أبوظبي بل وحكاية دولة الإمارات العربية المتحدة.
مداخل وأبراج
في صباح ظبياني قديم أخذتني قدماي إلى قصر الحصن لقراءة بعض ما تبوح به حجارته من ألق، وما تختزن في دقائقها من تاريخ. بدا لي القصر بشكله وهيئته كما لو أنه قطعة معمارية هربت من الزمن العتيق وجاءت إلينا لتسرد ذاكرة تعود إلى ما قبل ألفي عام أو أزيد.
كان للقصر الجليل مداخل ثلاثة: المدخل الرئيسي مواجه لجهة الشمال وهو يمثل السور الجنوبي لبوابته الجديدة، أما الثاني فهو أصغر حجماً ويقع على السور الجنوبي وأخيراً المدخل الثالث الذي يطل على جهة الشرق. دخلت من جهة الشرق تميناً بما يحمل الشرق في داخله من رؤى ثقافية وحضارية تنعكس في معماره وأوابده، وحسناً فعلت.. فقد وجدتُني أمام ثلاثة أبراج عالية هي البرج الشمالي الشرقي، البرج الجنوبي الغربي، البرج الشمالي الغربي، يحيطها سور مشترك يلفها كما يلف السوار معاصم الصبابا.
سرَّحت بصري في المكان، ربما يحتاج المرء إلى الكثير من التاريخ لكي يمعن في قراءة ما يخفيه الأثر التاريخي، لكنه بالتأكيد يحتاج إلى الكثير من المعرفة الروحية والألق الوجداني لتصفح هذا الكتاب الحجري. تأملت القصر من بعيد. بدا لي أكثر من وثيقة تاريخية أو زمن مؤطر في حقبة معينة. نبأني الباب العتيق الذي أطل منه حارس ببندقيته القديمة بأن الكثير من الأحداث والمعارف تنتظرني خلف السور الأبيض الذي يسوّر الحصن.. ولم يكذب النبأ، فخلف روح الحجر المتوارية وجدت الكثير من التفاصيل والجماليات الفنية والمعمارية التي تتميز بها عمارة القصر وأبراجه... هناك أيضاً، حدثني القصر كما حدثتني وثائق وأرشيفات كانت تسكن في غرفه المختلفة بالسر الذي يجعله أهم أبنية أبوظبي التاريخية والآثارية، ففي وثائقه الموجودة في الأرشيف الإنجليزي، والأرشيف الأميركي، والأرشيف الألماني، والأرشيف البرتغالي، والأرشيف الإيراني، والأرشيف البلجيكي، والأرشيف العُماني، والأرشيف الفرنسي، والأرشيف الهولندي، كان يمكن لأي باحث أن يجد في القصر، في ذلك الوقت، ضالته التي يبحث عنها والمعلومات التي تخص منطقة الخليج بشكل عام والإمارات بشكل خاص، ذلك أن هذه الأرشيفات تعود لدول ارتبط تاريخها بالمنطقة على مدى نحو 350 عاماً.
شموخ حضاري
منذ لحظة دخولك إلى القصر وأمام البوابة الرئيسة التي تتوسط المدخل ينتابك إحساس بالدفء، حيث السور المزركش بالأبراج، والعربة ورفيقها القديم/ المدفع، ونقوش الجدران المستوحاة من الفن الإسلامي تحمل لك نفحات من زمن مضى. أما قطع الآثار والتحف والأسلحة القديمة فتسرد أمامك تاريخاً مر على المنطقة وترك بصماته في حياة أهلها.
ومثل كل الأبنية التي تقوم على الطراز المعماري الإسلامي تنتشر الأقواس على الأبواب والنوافذ وفي داخلها تتكرر الوحدات الزخرفية التي تميز الفنون الإسلامية، في باحة القصر الخارجية تنثر النوافير ماءها ناشرة في الوقت نفسه رداء من البرودة في أيام الحر، وفي الليل تضيف لها الأضواء جمالاً ساحراً لاسيما في المناسبات الوطنية.
ومن غرفة إلى غرفة ومن سلم إلى سلم تشعر كأنك عدت رجوعاً إلى الوراء، إذ أن القصر برغم التحسينات التي شهدها يسربله الطابع التقليدي القديم بجلال واضح فيما أروقته العتيقة تسرد مفاتنها على العابرين.
حديث القصر
قلت للقصر، مساحتك كبيرة وغرفك كثيرة حتى إنني حائرة من أين أبدأ وصفك؟ فقال: أنا أقع في قلب العاصمة وتحيط بي الأشجار ومظاهر العمران من كل جانب، أما مساحتي فتبلغ (12220) متراً مربعاً، وقد تم بنائي على شكل “حصن داخل حصن” من مواد محلية كالحصى والصخور المرجانية المستخرجة من البحر ومن الجص وسعف النخيل الذي جلب آنذاك من محاضر ليوا وعُمان، أما الخشب المستخدم في سقوفي وأبوابي فقد أحضر من الهند وبلدان شرق أفريقيا حيث صمم على شكل عوارض خشبية وفوقها ترقد طبقة من سعف النخيل تغطيها طبقة من الطين تتخللها قنوات صغيرة لتصريف مياه المطر في الشتاء. أما جدراني فتتكون من الصخور المرجانية والجص وهي سميكة جداً (عرض حوالي 70سم) لتحافظ على درجة حرارة الغرف الداخلية باردة صيفاً دافئة شتاء، وخارج الغرف استخدمت الخطافات لتعليق مصابيح الإضاءة والأسلحة والثياب. وقد أنشئت نوافذي بمستوى الأرض لتمنع أشعة الشمس من الوصول إلى أرض الغرف ولكل نافذة عوارض حديدية من الخارج ومصراعان من الداخل، ومقابل كل نافذة نافذة أخرى تماثلها في الممر وعندما يفتح مصراعا كل نافذتين متقابلتين يحدث تيار هوائي يبرد الهواء صيفاً.
كان ذلك قبل اختراع المكيفات، فماذا عنك الآن؟
لم أبق على هذه الهيئة بل خضعت لسلسلة تحسينات على مر السنين والأيام، فبعد مبايعة الشيخ سعيد بن طحنون حاكماً لإمارة أبوظبي عام 1845 أمر بإجراء تحسينات وتوسيعات جديدة عليّ، وتعتبر هذه أول إضافة إليّ، أما الإضافة الثانية فحدثت خلال فترة حكم الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان (1928 - 1966) الذي أمر بإجراء المزيد من التوسعات والإضافات وذلك في عام 1944 حيث تم بناء الجناحين الشرقي والجنوبي إضافة إلى سور عال ذي أبراج يحيط بي.
وعندما تولى المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة مقاليد الحكم أضاف دارين إلى ساحتي لأغراض إدارية، وإليه يرجع الفضل في تحسين وضع أجنحتي ومظهري عموماً حيث أنيطت مهمة تجديدي بين عامي 1976 - 1977 ببلدية أبوظبي فجرى توصيل الكهرباء إليّ وتركيب أنظمة عزل متطورة وظهرت الحاجة إلى توفير مكيفات للهواء، كان الطابق العلوي أبرد خلال شهور الصيف، بينما استخدم الطابق السفلي خلال فصل الشتاء للحصول على الدفء، وفي عام 1979 أمر سموه بتجديد الجزء الذي كان مخصصاً لسكن العائلة الحاكمة قديماً خوفاً من انهياره، وفعلاً بدأ العمل بمشروع تجديد وإعادة بناء جميع أجزائي بما في ذلك مشروع التصميم الداخلي.
رمز وتاريخ
وحدهم بحاثة التاريخ يعرفون ما الذي يعنيه هذا الحصن الذي ينتسب إلى نمط العمارة التقليدية القديمة التي عرفتها الإمارات ولم يبق من شواهدها الكثير بعد أن أطلقت يد التحديث يمينها في كل شيء بعد اكتشاف النفط.، ليس فقط لأنه أقدم بناء في أبوظبي بل أيضاً لأنه الشاهد الذي لا ينطق لسانه بأي زور، على ذاكرة البلد وما جرى فيها من أحداث سياسية مهمة على مدى قرنين أو أكثر. هذا القصر الذي لطالما عرف لدى الرحالة والباحثين بالقلعة البيضاء لم يكن يضاهيه شيء في الماضي، لا على صعيد الجمال العمراني ولا على صعيد المكانة السياسية، وهو يحمل بعداً رمزياً ذي دلالة مهمة، فهو شاهد على تأسيس إمارة أبوظبي من جهة، وعلى تطورها كإمارة ومدينة من جهة ثانية، علاوة على كونه ظل طوال قرون عصب الحياة السياسية للإمارة ومركز السلطة لحكامها. فقد عرف قصر الحصن باعتباره مقراً لحاكم أبوظبي منذ أن صارت المدينة عاصمة قبلية لبني ياس قرب نهاية القرن الثامن عشر وحتى عام 1966، وكان مقراً رئيسياً للممارسات الحكومية والإدارية، وبين جدرانه، تم اتخاذ القرارات المهمة، كما تم رسم السياسات وتنفيذها.
كان القصر البناء الحجري الوحيد في محيط من بيوت (البرستي) المبنية من سعف النخيل. وكانت له سيطرة كاملة على مدخل جزيرة أبوظبي نظراً لموقعه المشرف والبارز من جهة البحر، وكانت السفن لفترة طويلة تهتدي به. كان الحصن جار البحر وحارسه، وكانا قريبين حد العناق، لم يفترقا طوال قرنين أو أكثر إلا في أواخر القرن الماضي، عندما أطلقت طفرة التحديث يمينها في كل شيء فاتسعت المدينة، ولكي نحصل على الكورنيش الجميل العصري كان لا بد أن يفترق العاشقان القديمان.
مع ذلك، لا يزال القصر يقف شامخاً في جماله التاريخي، يسرد على زائريه حكاية إنشائه، تلك الحكاية التي ترتوي من الماء وعليه تتأسس... ومع شروق صباح الثامن والعشرين من فبراير الحالي سنستمع لقصة جديدة من قصص القصر الذي احتجب منذ سنوات لكي يطل في حلّة حديثة.
حكام القصر
تقول الكتب التاريخية إن المنطقة شهدت مع بدايات القرن السادس عشر ظهور تجمع قبلي في أبوظبي، وخاصة في أراضي الظفرة وليوا والعين وجزيرة أبوظبي، يعرف بـ “حلف بني ياس”، وقد أقامت قبائل الحلف بيوتها في تلك المناطق وبنت بها القلاع والحصون والأبراج لحماية أنفسها وممتلكاتها من المعتدين.
وكانت قيادة الحلف منوطة بآل نهيان، وكان أول حكامهم الشيخ عيسى بن ذياب آل نهيان، ثم ابنه الشيخ ذياب بن عيسى ثم الشيخ شخبوط بن ذياب آل نهيان الذي حكم من (1793-1816 ) ثم تعاقب على حكم الإمارة الشيوخ: الشيخ محمد بن شخبوط آل نهيان (1816-1818)، والشيخ طحنون بن شخبوط آل نهيان (1818-1833)، والشيخ خليفة بن شخبوط آل نهيان (1833-1845)، والشيخ سعيد بن طحنون آل نهيان (1845-1855)، والشيخ زايد بن خليفة آل نهيان (1855-1909)، والشيخ طحنون بن زايد آل نهيان (1909-1912)، والشيخ حمدان بن زايد آل نهيان (1912-1922)، والشيخ سلطان بن زايد آل نهيان (1922-1926)، والشيخ صقر بن زايد آل نهيان (1926-1928)، والشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان (1928-1966)، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (1966- 2004) الذي شهد القصر في عهده أكثر من عملية توسعة وترميم وتطوير.