الإثنين 27 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الأخبار العالمية

سويسرا والتشجيع على القتل الرحيم

24 يوليو 2005

جنيف - تامر أبو العينين
أعلنت اللجنة السويسرية لخبراء أخلاقيات الطب، أن للمريض الحق في اختيار الموت الرحيم إذا رأى بأن معاناته وآلامه لا علاج لها، وبالتالي فيجب على الأطباء مساعدته بشكل مباشر أو غير مباشر·
هذه التوصية من لجنة 'أخلاقيات الطب'، هي تأكيد وتقنين لواقع يحدث في صمت داخل المستشفيات السويسرية، ويطرح أكثر من مرة تساؤلات متعددة حول الدوافع والأسباب التي تقف وراء اتخاذ تلك الخطوة، حيث يتزايد الحديث عنها بشكل مكثف في الفترة الأخيرة·
وتقول اللجنة إن المعاناة من الأمراض المستعصية والمزمنة، مع كبر السن والوهن يضاعف من الألم، وبما أن العلاج ميؤوس منه، فلا مناص من مساعدة المريض على التخلص من حياته، بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل تقليص جرعات الأدوية أو نزع الأجهزة التي تساعد المريض على التنفس، ولكن بشروط محددة وبمراقبة من السلطات، حتى لا يتحول الأمر إلى 'عملية روتينية'، حسب وصف الأكاديمية السويسرية للعلوم الطبية·
لكن لجنة أخلاقيات الطب وقفت عاجزة أمام حالات المرض النفسي المزمن، وهل يجب أن يسري عليه هذا القرار أم لا ؟ كما اختلفت آراء أعضائها حول المرضى من الأطفال والشباب وهل يجب أيضاً أن يتم قتلهم 'برحمة' إذا ثبت عدم امكانية شفائهم على المدى البعيد؟
كما لم تحدد اللجنة شخصية المسؤول عن اتخاذ قرار قتل المريض، إذا كان غائب الوعي، أو قاصراً أو في حالة غير مستقرة من الإدراك، قد تتواصل لسنوات طويلة، وماذا لو أن هذا المريض وحيد لا اقارب له، كما هو الحال في أغلب الظروف·
سياحة ' القتل'
ومن المؤكد أن هذه التوصيات ستعمل على زيادة عدد الشركات المتخصصة في 'القتل الرحيم'، إذ لا تعرف سويسرا سوى اثنتين من تلك الشركات كانتا تمارسان عملهما في مصاحبة من يريد التخلص من حياته في رحلة إلى الموت بشكل لا يعاقب عليه القانون، الذي لا يجرم من يساعد على الانتحار·
كما ستفتح هذه التسهيلات السويسرية باب سياحة القتل الرحيم، إذ تعارض العديد من الدول الأوروبية مثل تلك الخطوات، ولا تسمح بها فوق اراضيها، وبالتالي تتصيد تلك الشركات الراغبين في الانتحار وتذهب بهم إلى سويسرا، وتغض جميع الأطراف النظر عن هذا، فالعائد المادي من ورائها كبير للغاية، فالإحصائيات تشير إلى ارتفاع عدد الوافدين إلى سويسرا للتخلص من حياتهم في مستشفياتها خلال السنوات الماضية بشكل متصاعد وكبير، وصلت إلى 90 حالة في العام الماضي وحده، اغلبهم يتم القضاء عليه بعد يوم واحد فقط من وصوله إلى سويسرا·
ووراء ظهور تعميم 'القتل الرحيم' مؤشرات مختلفة، بعضها يذهب إلى الجانب الاجتماعي، وآخرى تميل إلى دوافع اقتصادية، ولكنها تعكس في مجملها ضجر المجتمع السويسري، وربما الأوروبي أيضاً بكبار السن·
حصاد المادية
ويقول خبراء الاجتماع إن زيادة نسبة كبار السن تعود إلى ان الاوروبيين لا يبخلون في الإنفاق على الصحة العامة، وقامت شركات الأدوية بتقديم افضل ما لديها من مستحضرات طبية لعلاج العديد من الأمراض الشائعة، فضلاً عن التوعية الغذائية وساعد على هذا وذاك مستوى المعيشة المرتفع، والحرص على الاستفادة من متع الحياة بجميع الطرق، وبالتالي يتمتع السويسريون بحالة صحية طيبة، تدل عليها ارتفاع متوسط الأعمار، الذي كان في مطلع القرن العشرين في حدود 50عاماً للرجال و 55 للنساء، ثم وصل إلى 75 عاماً للرجال و 77 للنساء في عام ·2000
لكن ذلك تزامن مع تفكك اسري واجتماعي كبير، إذ تراجعت أهمية الأسرة مقابل التركيز على ضرورة العمل والكسب، فسويسرا لا تعتني بالأسرة ولا تقدم لها أي نوع من الدعم المالي، فالرجل والمرأة مجرد أياد عاملة، وأما تأسيس الاسرة فأمر خاص لا شأن للدولة به·
لذا فالمرأة السويسرية محرومة مثلاً من إجازة حضانة الأمومة أو رعاية الطفل مدفوعة الأجر، على اعتبار أن الدولة لا تمول الحياة الخاصة للمواطنين، الذين يجب عليهم فقط العمل وسداد الضرائب وزيادة الإنتاج، وبالتالي انعكس هذا على معدلات المواليد الذي تراجع بشكل كبير، لا سيما مع بدايات الازدهار الاقتصادي في اعقاب الحرب العالمية الثانية·
لم تجد الاسرة السويسرية اعتباراً من تلك الحقبة، سوى واحد من طريقين، إما أن تعمل لتتمكن من العيش، أو ان تنجب أطفالاً وتعيش معيشة ضنكا، إلا إذا كانت ميسورة الحال وتستطيع أن تنفق على الأطفال دون أن تعمل المرأة، وهي نسبة قليلة في المجتمع·
أما الغالبية فقد فضلت الاستغناء عن الإنجاب للاستمتاع بالحياة، فضلاً عن أن السويسريين عادة ما يفضلون العيش بدون زواج، بسبب الرغبة في التمتع في الحرية الفردية، كما أن نظام الضرائب يعاقب المتزوجين باقتطاع ضرائب اكثر منهم مقارنة مع نسبة الضرائب التي يقتطعها من غير المتزوجين·
فائض الذهب ·· وأرباب المعاشات
وقد ظهرت انعكاسات هذه المرحلة الآن، عندما اكتشف السويسريون 'فجأة' نقصاً في الأيادي العاملة الشابة، التي من المفترض أنها تدير الحركة الإنتاجية في البلاد، وتسدد أيضاً الضرائب وتمويل صندوق المعاشات·
وتتعامل سويسرا كدولة مع مشكلة الأسرة وكبار السن بـ'دم بارد'، فعلى الرغم من أن البنك المركزي السويسري لديه 700 طن من الذهب الفائض لا يعرف ماذا يفعل بها، يشكو صندوق المعاشات والتأمينات الاجتماعية من الإفلاس، بسبب ارتفاع نسبة المحالين إلى التقاعد وبالتالي يطالبون بالمعاشات التي يضمنها لهم القانون·
لكن صندوق المعاشات يعتمد في تمويله على ما يجمعه من العمال، وإذ خرجت الغالبية إلى سن التقاعد، وتراجعت نسبة الأيادي العاملة نتيجة تراجع معدلات المواليد، فكيف يمكن للصندوق أن يمول نفسه؟ حيث من المفترض أن يساهم كل أربعة عمال في سداد قيمة معاش التقاعد لشخص واحد·
المعادلة لم تعد متساوية الأطراف، إذ يجب على صندوق المعاشات ان يقوم بسداد التقاعد لكل شخص لمدة لا تقل في المتوسط عن عشرين عاماً، وهو ما جعل صندوق المعاشات يطالب مراراً بدعم حكومي وإلا فإن مصيره الإفلاس التام خلال سنوات قليلة، حسب قول الخبراء·
البحث عن حل
وبالتالي بدأت الدوائر الاقتصادية في النظر إلى كبار السن على أنهم مشكلة؛ يتقاضون معاش التقاعد دون مقابل انتاجي، بل ويكبدون شركات التأمين الصحي مبالغ باهظة، إذ أن جميعم يقضي معظم وقت فراغه لدى الأطباء للاطمئنان على صحته العامة، وتسدد شركات التأمين الصحي الفاتورة، حتى بدأت هي الأخرى تمل من تكاليف العلاج التي قد تصل إلى آلاف الدولارات شهرياً للشخص الواحد، ولذا تقف أحياناً تلك الشركات ايضاً على استحياء في صف القتل الرحيم، توفيراً للنفقات·
ومن دواعي الدهشة أن الباحثين عن حل لتلك المشكلة لم يتطرقوا ابداً إلى البدء في دعم تأسيس وتكوين الأسرة، وحثها على الإنجاب، فكل هذا يعني أن الدولية يجب أن تقدم دعماً، وهي الميزانية التي يرفض الاقتصاد الاقتراب منها، لأنه يعتمد على حسابات الربح والخسارة، ودعم الأسرة بالنسبة له أمر باهظ التكاليف وغير مجد، فيعرقل اية محاولات لفتح الحديث حول دعم الأسرة·
ومن المشاكل التي لا يجب إغفالها ايضاً، قلة أعداد طاقم التمريض والرعاية المتخصصة في رعاية كبار السن، فأغلب السويسريين لا يميلون إلى العمل في دور رعاية العجزة لضعف الرواتب هناك، وبالتالي تتجه الأنظار إلى عمالة أجنبية، من الصعب توفيرها بسهولة، وقد لا تكون مؤهلة بشكل كاف وجيد·
المؤلم في تلك المشكلة الاجتماعية الخطيرة هي أن كبار السن يشعرون بأن المجتمع يلفظهم ويتعامل معهم على اعتبار أنهم عبء ثقيل عليه، إذا كانوا اثرياء فأهلاً بهم للاستفادة مما معهم، وإن كانوا من محدودي الدخل فيصبحون مهمشين إلى اقصى حد، كما أن نسبة كبيرة من كبار السن يشعرون الآن بخيبة الأمل لأنهم لم يفكروا في أن هذا سيكون مصيرهم، فتركوا الأمر للساسة الذين خضعوا لرغبات الرأسمالية، التي لا تفكر بدورها إلا بحسابات الربح والخسارة·
وعندما يجتمع التضجر من كبار السن لأنهم من المنظور الرأسمالي يتقاضون معاشات دون مقابل انتاجي من ناحية، وتنظر شركات التأمين الصحي إليهم على انهم يستنزفون مواردها ويحبون الحياة إلى آخر رمق من ناحية أخرى، وتتراجع الدولة تدريجياً عن دورها، فلا يمكن أن تكون النتيجة سوى تأييد لجنة اخلاقيات الطب لقتلهم برحمة، ليس فقط رأفة بالمريض كما تدعي، ولكن تلبية لطلبات الاقتصاد الذي يفكر دون أية عواطف ومشاعر·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©