الأربعاء 10 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

القرار في زمن اللايقين

القرار في زمن اللايقين
18 ابريل 2019 02:50

الفاهم محمد

تعيش البشرية لحظة مفصلية في تاريخها المعاصر. المخاطر التي تحيق بنا غير مسبوقة. هذا هو ما يمثل روح العصر Zeitgeist كما يسميه الألمان أي المناخ الفكري والروحي الذي نعيش فيه. وإذا كان الإنذار بنهاية العالم قد اتخذ دوما طابعا دينيا ونزعات مهدوية، فإن ما يميز وضعنا الراهن، هو أن العلم ذاته هو من يدق ناقوس الخطر. عدم اليقين يلف معظم جوانب الحياة. العديد من العلماء يصفون أنواع الأخطار التي من الممكن أن تؤدي بالوضع البشري إلى انهيار كلي. من قبيل مثلا الانفجار الديموغرافي، التغيرات المناخية، استنزاف الثروات الطبيعية، التهديد الذي تشكله تكنولوجيا الهندسة الجينية والذكاء الاصطناعي القوي...
منذ ظهور الإنسان فوق الأرض وهو يحاول مواجهة الأخطار والتحكم في اللايقين. هذا ما فعله البدائي عندما اكتشف النار، وهو ما فعله أيضاً إنسان عصر الحداثة عندما تحصن وراء الثورة الصناعية. لقد واجه الإنسان دوما تهديدات المجاعة والمرض والموت المبكر. كانت الطبيعة سابقا هي مصدر الأخطار وعدم اليقين، وكنا نحمي أنفسنا بوساطة المعرفة. أما اليوم فمصدر الأخطار وعدم اليقين أصبح ينبع من المعرفة ذاتها. بطريقة أخرى كانت المخاطر معروفة، بإمكاننا توقعها والتحكم فيها، بينما نعيش حالياً مخاطر تتجاوز إمكان التوقع، بل وحتى إن كان بإمكاننا توقعها فنحن غير قادرين على دفعها. هذا دون الحديث عن كل هذه الأمور التي لا يمكننا أبدا توقع حدوثها: فيروسات قاتلة أو نيازك مدمرة مثلاً. في مواجهة مثل هذه الأوضاع كيف يمكن للإنسان اتخاذ القرارات في زمن اللايقين؟

الخطر واللايقين
تعترض حياة المرء لحظات عديدة يفرض عليه فيها اتخاذ قرارات حاسمة بصدد هذا الأمر أو ذاك. مثلا قبول الارتباط بشخص آخر، أو اختيار الشعبة التي سيدرسها في الجامعة، أو ركوب الطائرة أو غيرها. في كل هذه الحالات يكون الإنسان غير متأكد تماماً من حسن اختياره، فقد يكون قراره خاطئاً، ولكنه مع ذلك ينظر إلى الموضوع في مجمله ويستحضر العديد من العناصر، مثل حسن خلق هذا الشخص الذي سنرتبط به، أو النجاح الاجتماعي الذي عرفه من اختاروا هذه الشعبة، أو كذلك شهرة هذه الشركة وخبرتها الطويلة في الطيران المدني. باستحضار هذه العوامل ينظر الإنسان إلى اختياراته باعتبارها القرار الصائب. إن هذا هو ما كان يميز حياتنا لقرون وقرون، غير أن كل هذا قد تغير تماماً في عصرنا. فمع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، دخلنا ما يصطلح عليه السوسيولوجي «أو لريش بيك» في كتاب له يحمل نفس العنوان: «مجتمع المخاطر العالمي» ومعناه أننا نعيش في مجتمع معقد تكثر فيه المخاطر على كل المستويات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والسياسية. لقد كانت الأخطار فيما مضى تنزل على الإنسان كما لو أنها: «ضربات القدر» (ص 28) أما اليوم فهي تولد من رحم المجتمعات الصناعية. ورغم أن الطبيعة الإنسانية تحب أن لا تغامر باتخاذ قرارات غير مؤكدة، إلا أننا وجدنا أنفسنا مضطرين إلى تحمل مثل هكذا صعوبات.
لم نعد نعيش في عالم ثابت يضيف زيجمونت باومن، وبدل ذلك العالم الصلب الذي بنته الحداثة الظافرة، ها نحن نعيش عصر تحلل وتفكك كل المنظومات التي أصبحت في حالة سائلة. لقد أضحى: «التغيّر هو الثبات الوحيد، واللايقين هو اليقين الوحيد» («الحداثة السائلة» ص 26) وما يمكن إضافته إلى أطروحة باومان هو أن اللااستقرار لا يطال المنظومات الحالية فحسب، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية. بل إن اللايقين يشمل حتى الحالة المستقبلية. إن عدم اليقين المرعب لا يقيم فقط في الحاضر، إنه يجثم هناك في الأفق القريب الذي تتجه إليه البشرية.
إن اللايقين الذي يواجهنا اليوم غير مرتبط بعدم المعرفة، حيث بإمكاننا التحكم فيه كلما قمنا بمراكمة البحث العلمي في هذا الموضوع أو ذلك. بل العكس تماما من ذلك، عدم اليقين الذي نتحدث عنه هو بسبب تضخم المعرفة وتطورها الهائل. قديما كان الخطر يأتي بسبب الجهل وقلة المعرفة، أما اليوم فالخطر يتهددنا بسبب تضخم المعرفة. نحن نمتلك معرفة كبيرة بصدد تكنولوجيا النانو، والثورة المعلوماتية، وعلوم الأعصاب والإدراك، إضافة إلى البحث المتخصص في الهندسة الجينية، أي كل هذه العلوم التي تدعى اختصارا بـ NBCI فالخطر اليوم لا يتهددنا بسبب قلة المعلومات والجهل الذي يلف موضوعا ما، بل الخطر يهددنا بسبب التنامي الهائل والمتخصص لهذه المعارف، والتي تتجه حتما لما يسميه دعاة ما بعد الإنسانية بالمفردة The sigularity أي هذه النقطة التي ستتحول معها كل المنظومات التي اعتاد عليها الإنسان، والتي ستدفعه أيضاً إلى ضرورة تغيير كل الباراديغمات المعهودة سواء في مجال الأخلاق أو الاقتصاد أو السياسة أو غيرها.

حساب الاحتمالات
الأخطار التي تحوم فوق رؤوسنا اليوم ليست من قبيل الآثار الجانبية التي يمكن التغلب عليها عن طريق رفع التدابير الاحترازية، أو زيادة أهبة الأفراد ويقظتهم ونباهتهم. إن ما يميز المجتمعات المعاصرة هو ارتفاع درجة التعقيد وهذا يستتبع بالضرورة ارتفاع منحنى المخاطر. بمعنى أنه كلما زاد التعقيد زاد احتمال وقوع الخطر. خذ على سبيل المثال التعقد الكبير الذي تعرفه شبكة المواصلات سواء منها البحرية أو الجوية أو الأرضية، فحدوث خطأ بسيط قد يؤثر على المنظومة ككل. نفس الأمر يقال عن الشبكة العنكبوتية للإنترنت، إن خرقاً بسيطاً في الموصلات من شأنه أن يؤدي إلى اضطراب الشبكة برمتها. الأمر ذاته قد نلاحظه على المستوى البيئي، فارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الجليد، من شأنه أن يؤثر على الجغرافيا العالمية ومن ثمة على مجمل العلاقات الدولية.
إن القرار الذي نتخذه اليوم له نتائج أخلاقية وسياسية واقتصادية كبيرة. إنه لا يتعلق بنا كأفراد، بل بمصير الأجيال القادمة ومصير البشرية ككل. ماذا سنقرر بصدد الذكاء الاصطناعي الذي يهدد الذكاء البشري الطبيعي؟ هل علينا أن نمضي في استنزاف الثروات الطبيعية واستهلاك المحروقات، أم علينا التوقف والبحث عن بدائل طاقية نظيفة؟ ثم ما العمل مع الانفجار السكاني الذي يشكل ضغطاً كبيراً على الكرة الأرضية؟ وكيف يمكننا أن نوقف، أو على الأقل نخفض من وثيرة التزايد السكاني؟ إننا نعرف أن عواقب هذه الأمور وخيمة جداً، لكن هذا فقط إذا كانت القرارات التي سنتخذها خاطئة، غير أننا لا نعرف ما هو نوع القرار الذي علينا اتخاذه. كما أن هذه الأخطار ليس بإمكاننا تجنب مواجهتها.
ابتكر عالمنا الحديث طريقة محددة للتحكم في الأخطار، عن طريق تقييم النتائج المحتملة والتحكم فيها عبر حساب الاحتمالات. نحن نسمي اللايقين بالأخطار التي يمكن قياسها ومن ثم الاحتياط لها عبر مؤسسات التأمين. هكذا كانت تشتغل المجتمعات الحديثة، غير أن الأخطار الجديدة التي نعرفها اليوم تظهر كما لو أنها غير قابلة لمثل هذا الحساب، وبالتالي فهي تتجاوز مبدأ الاحتياط، وتفوق قدرة المؤسسات التأمينية على استيعابها. إن مبدأ الاحتياط يمكن أن يكون صالحا في حالات حوادث السيارات والحرائق وما يشبهها، غير أن الأخطار التي نتحدث عنها هنا هي من طبيعة مغايرة تماما، وهو ما يجعل القرار الذي يمكن اتخاذه إزاءها في غاية التعقيد، كما لو أنه رهان حول الربح والخسارة.

خيط آريان
أين يقع إذن خيط أريان هذا الذي بإمكاننا اتباعه كي نخرج من هذه المتاهة؟ البحث عن الأمان والاستقرار هو من طبيعة الجنس البشري، غير أن التحولات العاصفة التي ستحدث مستقبلا لا سبيل إلى تجنبها. هناك قفزة عملاقة تنتظر الجنس البشري، شبيهة بقفزة المغامر النمساوي فيليكس باومغارتنر. وإذن نحن فقط نأمل تكون القفزة التي ستقوم بها البشرية في صالح ما هو إنساني، وليست مجرد قفزة باتجاه الدمار. إن المستقبل يبدأ منذ الآن أما غدا فإن كل الأمور ستكون قد خرجت من أيدينا. كل سنة تمر دون فعل شيء، ودون المجازفة باتخاذ القرارات اللازمة مهما كانت معقدة تكون ضياعاً للوقت، وإهداراً لما تبقى من الفرص القليلة. وبدل أن يكون التعقيد مدعاة للتقاعس عن العمل، ينبغي أن يكون سبباً لشحذ الهمم.
في زمن اللايقين، هذا هو اليقين الوحيد الذي علينا أن لا نغفله، إنه الوحش القابع في نهاية المتاهة، والذي يتخذ عناوين مثل الانهيار البيئي الشامل، أو تهديد الذكاء الاصطناعي، أو تضاعف الانفجار السكاني، أو غيره من المشاكل. ما هو أكيد اليوم هو أنه ما عاد بإمكاننا الاعتصام بالحلول التقليدية القديمة. أو الاسترشاد بالقواعد الأخلاقية العتيقة. بل إن ما هو مطلوب هو تغيير تصورنا عن هذه القواعد الأخلاقية ذاتها. فما كان غير أخلاقي فيما مضى يتجه في المستقبل كي يصبح أخلاقياً. خذ على سبيل المثال الأبحاث المرتبطة بالخلايا الجذعية والهندسة الجينية. إن كل هذه الأخطار وغيرها تقفز أمام عيوننا جميعاً، فهل سنكون في مستوى تدبيرها والتخطيط الاستراتيجي لمواجهتها أم أننا سنستسلم لرغد العيش الاستهلاكي ومجتمعات الرفاه التي نرفل فيها حالياً.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©