معين أحمد محمود:
مؤتمر الألفية المقرر عقده في سبتمبر / أيلول المقبل بحضور رؤساء دول العالم سوف يناقش كافة القضايا المتعلقة بميثاق الأمم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن ، حيث بات إصلاح الأمم المتحدة مطلباً ضرورياً بعد أن ترهلت وشاخت ولم تعد تقوم بالدور الذي أنشئت من أجله · لقد أصبح الحديث عن إصلاح الأمم المتحدة حديث الساعة في الآونة الأخيرة مع احتفال الذكرى الستين على إنشائها ، وظهور المنظمة الدولية بمظهر ضعيف على الساحة العالمية والفشل الكبير الذي شهده مجلس الأمن في تبني قرار يرضي جميع الأطراف في القضية العراقية على سبيل المثال وضرب الولايات المتحدة عرض الحائط للمعارضة الشديدة التي كانت تلاقيها في اتجاهها نحو الحرب واتخاذها القرار باللجوء إلى الخيار العسكري منفردة لحل الأمر ·
منذ تأسيس هذه المنظمة العالمية أبان انتهاء الحرب العالمية الثانية أثناء مؤتمر سان فرانسيسكو تحديداً في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1945 ، لم يطرأ تغيير يليق بحجم المتغيرات العالمية وبحجم التحولات السياسية والاقتصادية التي ميزت أحداث القرن المنصرم ·
لقد ظلت منظمة الأمم المتحدة منذ انبعاثها في نسختها الثانية على أنقاض عصبة الأمم التي ظهرت هي الأخرى بعد مؤتمر فرساي للسلام 1919 بمثابة رجع الصدى لنتائج الحرب العالمية الثانية فقد بقي مجلس الأمن في هيكليته ' كناد للمنتصرين ' يتمتعون بمقاعد دائمة ويملكون 'حق الفيتو '
لم تأخذ منظمة الأمم المتحدة بعين الاعتبار تغير مسار العلاقات الدولية والتحولات في موازين القوى الاقتصادية كما لم تأخذ هذه المنظمة بعين الاعتبار انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع مكانة اليابان وألمانيا كقوى اقتصادية عملاقة كما لم تنتبه هذه المنظمة العالمية إلى الصعود المتنامي لأقطاب العالم الثالث على غرار الهند والبرازيل ·
على الرغم من ذلك فإنه لم يطرأ أي تغيير على التركيبة الجامدة لمجلس الأمن ، والواضح أنه بقدر تواتر الأصوات المنادية بضرورة المبادرة باتخاذ خطوات جريئة لإصلاح المنظمة حتى تكون مواكبة للمتغيرات ولمنطق التاريخ المعاش اليوم · فإنه في المقابل ترابط داخل المنظمة وحتى خارجها قوات الجذب للوراء رافضة أي مبادرة باتجاه التغيير من شأنها أن تخلط الأوراق من جديد داخل مجلس الأمن ·
لكن رغم التحفظ الكبير الذي تبديه قوات الجذب للوراء أو أتباع 'التغيير المشروط ' إزاء مشاريع الإصلاح المطروحة فإنه في المقابل وأمام حالة الضعف والوهن اللذين أصابا منظمة الأمم المتحدة بالشلل في مستوى فاعليها وهيبتها وإلزامية قراراتها وتحت الحاح المجتمع الدولي ، قد بات لا مناص من أخذ قضية إصلاح المنظمة مأخذ الجد ·
وكان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان قد أعلن رؤيته الخاصة بإصلاح مجلس الأمن وقد تضمنت تلك الرؤية في الحقيقة خيارين مهمين ينصبان على توسيع مجلس الأمن ليشمل 24 عضواً بدلآً من 15 حالياً وذلك من خلال خيارين يقضي الأول بتوسيع المجلس إلى 24 عضوًا منها ستة مقاعد جديدة دائمة العضوية ليس لها حق النقض (الاعتراض) وثلاثة مقاعد غير دائمة جديدة لا تتعدى مدة استمرارها في المجلس سنتين · أما الخيار الثاني فيقضي بإنشاء فئة جديدة من ثمانية مقاعد قابلة للتجديد مدتها أربع سنوات ومقعد جديد غير دائم مدته سنتان غير قابل للتجديد · والأمر لم يتوقف على مقترحات عنان ، فقد تشكلت مجموعات من الدول تجمعها نفس المصالح للمطالبة بمقاعد في مجلس الأمن وتضاربت المصالح بين تلك المجموعات ·
مطالبات ·· وخلافات
فعلى سبيل المثال توجد حالياً مجموعة أطلقت على نفسها مجموعة الأربع وهي من أربع دول : اليابان والبرازيل والهند وألمانيا ، وتطمح تلك الدول إلى أن تصبح أعضاء دائمين بمجلس الأمن وذلك من خلال إضافة ستة أعضاء جدد دائمين وأربعة أعضاء جدد غير دائمين أيضاً بالحصول على حق النقض ووسط هذا تشكلت مجموعة معارضة لتلك الدول تتكون من الأرجنتين وايطاليا وكوريا الجنوبية تطالب بإضافة عشرة أعضاء جدد غير دائمين دون توسيع الأعضاء الدائمين ·
وكان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان قد بادر بوضع عملية الإصلاح المؤسسي لمنظمة الأمم المتحدة على جدول أعمال مجموعة الإصلاح التي ألفها من خمسة عشرة شخصية عالية المستوى يتقدّمهم ' أناند بانيرخون ' رئيس الوزراء الأسبق في تايلاند · ومن جهتها فقد قررت الدول الأعضاء في الجمعية العامة خلال اجتماع الألفية جعل الأمم المتحدة أكثر فعالية لمتابعة تنفيذ الأوليات المعتمدة في إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية والتي تقوم في جوهرها على أهداف إنمائية دقيقة ومحددة زمنياً وهي تعتبر الآن بمثابة إطار للسياسة العامة لمنظومة الأمم المتحدة بأكملها ·
وبالنظر إلى الأهداف المضمنة بإعلان الألفية فإنه من الملاحظ أنها تتمحور أساساً حول نقاط اقتصادية واجتماعية مثل الكفاح من أجل التنمية ومحاربة الفقر والجوع والحد من النزاعات ونشر السلام والعمل على إتاحة فرص أكبر للدول النامية للاستفادة منها من أجل النهوض باقتصادها في ظل العولمة مثل المضي قدماً في مسح ديون الدول الأكثر فقراً بنسبة مائة بالمائة وتشجيع صادراتها بفتح الأسواق والدفع بعملية التبادل التجاري وفتح آفاق أرحب للاستثمار وبموازاة ذلك يؤكد تقرير الأمم المتحدة الخاص بطروحات الإصلاح أن كلا من الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي يحتاجان إلى مزيد من التكيف ومواكبة الظروف والتحديات العالمية فضلاً عن أن خطط الأمم المتحدة وبرامجها تحتاج إلى تركيز أكبر وتوضيب أكثر بمعنى اجتماعات أقل ولكنها أكثر إنتاجاً وفائدة ·وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن الإصلاح بالنسبة إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وكثير من الدول الأعضاء في الأمم المتحد وعددها 191 دولة إجراء تغييرات هيكلية في الطريقة التي تتصدى بها المنظمة الدولية للمشكلات من الحرب والإرهاب والأزمات الإنسانية والفقر إلى الفساد وسوء الإدارة في الأمم المتحدة·
وتقول كثير من الدول النامية من جهتها أن أهم أولوية يجب أن تكون لمنح الدول الصغيرة والفقيرة صوتاً أكبر لتعديل ميزان القوة في الأمم المتحدة الذي تميل كفته نحو القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة·
أميركا·· والإصلاح
ولكن ما يفيد أكثر في ضوء هذه الطروحات هو كيف تنظر الولايات المتحدة إلى قضية الإصلاح ؟ باعتبارها المساهم الأكبر في موازنة المنظمة والمحتضن لمقرها في نيويورك مع أجهزتها الرئيسية الخمس ، عدا مقر الجهاز السادس وهو محكمة العدل الدولية الذي يقع في مدينة لاهاي بهولندا ·
تؤكد الخارجية الأميركية أن إصلاح منظمة الأمم المتحدة بأسلوب فعال يعد من أولويات الرئيس جورج بوش وأن الولايات المتحدة ستركز جهودها على حشد التأييد الدولي لمقترحاتها في ستة مجالات رئيسية وهي : التنمية الاقتصادية الحقيقية ، إيجاد آلية أكثر صرامة لحماية حقوق الانسان ، تشكيل لجنة تهتم بنشر السلام العالمي ، إدخال إصلاحات شاملة على ميزانية وإدارة المنظمة ، إنشاء صندوق للديمقراطية ووضع اتفاقية شاملة بالإرهاب ·
الواضح أن اهتمامات الإدارة الأميركية مركزة بشكل أكثر حول الجوانب التنموية والأمنية · وهي لئن عرجت كذلك على المسائل السياسية من خلال الدعوة إلى بعث صندوق للديمقراطية فإن هذه الخطوة تبقى طي الغموض ماذا يعني صندوق الديقراطية ؟وهل سيعني هذا الصندوق بتصدير أنماط وقوالب جاهزة للديمقراطية للدول التي تعوزها التجربة الديمقراطية ؟وهل معنى ذلك أن إصلاح الأمم المتحدة مرتبط بالضرورة بإصلاح الأنظمة السياسية في العالم ؟
إن كان الأمر كذلك فإن منظمة الأمم المتحدة هي الأولى بإخراجها عن منطق الاستبداد واحتكار المقاعد وحقوق الفيتو المغشوشة والمتقادمة من قبل القوى العظمى فما تحتاجه منظمة الأمم المتحدة اليوم ، وهو ما تتجنبه الولايات المتحدة الأميركية والقوى العظمى الوريثة للامبراطوريات البائدة على غرار بريطانيا وفرنسا ، هو المراجعة الدقيقة للمقاييس المعتمدة في منح هذه المقاعد الدائمة و'الحكمة' من استعمال ' الفيتو' بل أكثر من ذلك ضرورة خلق توازن داخل المنتظم الأممي بحيث يكون قائماً على مبدأ الديمقراطية التمثيلية للمجتمع الدولي هذا هو المطلوب أولاً وقبل كل شيء ·
عن/هيرالد تريبيون الدولية