13 أغسطس 2009 02:15
حكايات السّمر العربيّ - ألف ليلة وليلة - حكايات مُثاقفة ليلية، فنيّة، اجتماعيّة، وهي من أهم المصادر وأغناها بالشخوص ذات الدلالات الثريّة، وإن كان الشاعر العربيّ المُعاصر لم يستطع بعدُ أن يفيد من إمكانات هذا المصدر الأدبيّ على الوجه الأكمل، فعلى الرغم من العدد الضخم من الشخصيّات التي تمتلك طاقات إيحائية قويّة في ألف ليلة وليلة فإنّ شعراءنا لم يستخدموا منها سوى عدد يكاد يُعدّ على أصابع اليدّ الواحدة، وإن كانوا قد أحسنُوا الاستفادة من الشخصيّات القليلة التي استخدموها وأضفوا عليها دلالات بالغة الثراء والتنوّع.
كانت مُغامرات السندباد البحري أوّل ما تُرجِمَ إلى اللغات الأجنبيّة من ألف ليلة وليلة، حيث بدأ«جالان» بترجمة رحلات السندباد البحري السبع عن مخطوطة لم تُحقق بعدُ، وما تزال نسخها موجودة، ثم اكتشف أنّ هذه الحكايا تكون جزءاً من مجموعة قصصيّة باسم ألف ليلة وليلة. كما نُشرت لمغامرات ورحلات السندباد البحر ترجمات كثيرة مستقلة للكبار والصغار على السواء. ولا شكّ أنّ اهتمام الأوروبيين البالغ بشخصيّة السندباد البحري كان سبباً من أسباب شيوعها في نتاجنا الشعريّ الحديث خاصة في منطقة الخليج. ويرى الناقد د. علي عشري زايد بأنّ: «حتى الجانب العلميّ من جوانب اهتمام الأوروبيين بشخصيّة السندباد تأثر به شعراؤُنا وأفادوا منه فنيّاً، فمُعظم الأبحاث التي تناولت شخصيّة السندباد البحريّ ذهبت إلى أنّ شخصيّة أوليس في أوديسة هوميروس كانت أحد مصادر شخصيّة السندباد، وكان المُستشرق النمساوي « فون هامر» أوّل مَن ذهب إلى هذا الرأي ثم تابعه كلّ مَن عَرَض لهذا الموضوع».
ويشير الناقد الدكتور حاتم الصكَر في دراسته الموسومة بـ «السندباد البحري والسندباد الشعريّ» إلى أنّ «دارسي الليالي العربيّة قد انتبهوا إلى ما في شخصيّة السندباد من مزايا مدينية هي مزيج من البغدادية والبصريّة، حيث الميل إلى التجارة مِن جانب وإلى المَقَالِب والأسْمَار من جانب آخر... وهذه مِيْزَة تشير إلى السِّمة المدينية الغالبة للعصر العباسيّ الذي كتبت فيه الليالي ودارت فيه رحلات السندباد السبعة». ويضيف الصكَر: «وأيّاً ما تكُن مُكونات القلق السندباديّ فأنّ حضورَهُ الأسطوريّ ظلَّ قوياً بل أنّ الأساطير- كالطقُوس - حسب شتراوس ليست نتاجاً لِمَلَكَة خُرافية بل أنّ قيمتها الرئيسية هي في حفاظِها حتّى عصرنا هذا وعَبْرَ أشكال مُترسبّة على أنماط مِن التفكير والمُعاينَة كانت ولم تَزَل صالحة لنوع مُعين مِن الاكتشافات التي سمحت بها الطبيعة». أما بالنسبة للشاعر العربيّ المُعاصر فنراه قد استلهم شخصية السندباد البحري المعروفة في الليالي العربيّة ووظفّها لكي تكون قناعاً رمزياً يُعبِّرُ عن الملاّح المُعاصر، كونّها تُمثل في تراثنا الشعبيّ والأسطوريّ رمز الرحلة والتجوّال ومحاولة تحقيق الذّات من خلال رحلاته ومغامراتهِ السبع في عَرْض البحار القصيّة. وتلاحظ هيا محمد الدرهم في «صورة البحر في الشعر العربي الحديث بالخليج» بأنّ توظيف شخصيّة السندباد البحري الفنيّ في الأدب إنّما : «يعكسُ قدراً من البساطة لأنّه لم يستَعٍر من شخصية السندباد إلاّ الاسم فقط، وإن كان هذا لا ينفي أنّ المُقارنة جعلت الشاعر يميل إلى المُبالغة بقوة الغوّاص إلى درجة جعله فيها أكثر قُدرةً وشجاعةً من السندباد القديم». وهُنا يُقدِّم الشاعر رؤيته هذه على أساس أنّ السندباد شخصيّة خياليّة لا وجودَ لها إلاّ في القصص الشعبيّ، بينما الغوّاص بطل ُ قصيدته - كما يراهُ الشاعر- شخصيّة حقيقيّة تُناضل في البحر من أجل الحياة!
«سندباد» السيّاب
وقد استغل الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب شخصيّة السندباد البحريّ استغلالاً فنيّاً ناجحاً في قصيدته «رحل النهار» بديوانه «منزل الأقنان»، حيث مزج السيّاب فيها مزجاً فنيّاً بارعاً بين شخصيتي السندباد وأوليس، أو بمعنى أدق كما يقول د. زايد «يستعير بعض ملامح أوليس لشخصيّة السندباد التي استخدمها ليُعبّر من خلالها عن إحساسهِ بانتصار المرضِ عليهِ، حيث يرى نفسه سندباداً مهزوماً كسيراً، أسرته آلهة البحار في قلعة سوداء، ويطلب من زوجته الوفيّة المُنتظِرَة ألاَّ تنتظِرَهُ بَعْدُ، فهو لن يعود...». يقول الشاعر السيّاب في القصيدة:
وجلست تنتظرينَ عودة سندباد من الإسفار والبحرُ يصرُخُ من ورائَكِ بالعواصفِ والرُّعُود هو لن يعُود أوَ ما عَلِمْتِ بأنّهُ أسرتْهُ آلهة البِحَار في قلعةٍ سوداء في جُزُرٍ مِنَ الدّمِ والمَحّار...
«سندباد» حاوي
يُعَدُّ الشاعر اللبناني خليل حاوي أكثر الشعراء اكتمالاً من الوجهة الفنيّة في استخدام شخصيّة السندباد البحري للتعبير عن مرحلة من أهم مراحل تطوره الشعريّ والفكري وهي مرحلة بحثهِ عن ذاتهِ عبر مجموعة من المغامرات الوجودية. وكتب حاوي في قصيدة «البحّار والدرويش» من ديوانه «نهر الرماد» الرسم التخطيطي لشخصيّة السندباد البحريّ، تلك الشخصيّة التي تكاملت صورتها الشعريّة في ديوانه الثاني «النّاي والريح». يقول الشاعر خليل حاوي عن البحار في تقديمه لهذه القصيدة: «طوف مع يوليس في المجهول، ومع فاوست ضحّى بروحهِ ليفتدي المعرفة، ثم انتهى إلى اليأسِ مِنَ العِلْمِ في هذا العصرِ مع هكسلي». ثم أنطلق حاوي في مُغامرة جديدة باتجاه الشرق مهد التصّوف، ينشدُ حلاً، وإرواء لروحهِ المُتعطشّة إلى الحقيقةِ:
بعدَ أن عانَى دَوار البحرِ والضوء المُداجِي عبرَ عُتماتِ الطريقْ ومَدَى المجهول ينشقّ عنِ المجهولِ عن موتٍ مُحِيْق.ْ ...... بعدَ أن راوَغَهُ الرّيح رَمَاهُ الرّيح للشرقِّ العَرِيْقْ
ثم يواصل الشاعر حديثه في القصيدة ذاتها قائلاً:
قابِعٌ في مطرحي مِن ألف ألف قابِعٌ في ضفةِ الكُنْجِ الَعرِيْقْ طُرقاتِ الدّهرِ مهما تتناءَى عِنْدَ بابِي تنتهي كلّ طرِيْقِ خلِّنِي ماتتْ بعيني مناراتُ الطَرِيْقْ خلّنِي أمضِي إلى لستُ أدرِي... خلّنِي للبحر.. للرّيحِ.. لموتٍ ينْشُرُ الأكفانَ زُرْقاً للِغَرِيْقْ مُبْحِرٌ.. ماتَتْ بعينيهِ مناراتُ الطرِّيْقْ.
«سندباد» الفايز
«مذكرات بحّار»، مذكرات شعرية كتبها الشاعر الكويتي محمد الفايز سنة 1964م، وسار فيها على نمط الشعر الحديث المتحرر من شروط القافية. وتبدأ القصيدة بنغمات بحّار ينادي، يبيع العطور والبخور، وبهذا تقدم عرضاً راقصاً مغرياً بالشراء، فظاهر البحار يغني مبتسماً، ولكن هناك خيطاً آخر يصرخ بدوره وبنغم مناقض للظاهر، والتطريب الظاهر تحته ألم دفين. ونجد الشاعر الفايز الذي لفت إلى نفسه الأنظار دون مُقدمات في بداياته الشعريّة الأولى، فجاء بشعر واثب رصين، ونشر ديوانه الأول «النور من الداخل» والاسم بحدّ ذاتهِ ذو معنىً شاعريٍّ، وقد ضمّن ديوانه هذا رائعته المشهورة «مُذكرّات بحّار، وله ديوان آخر هو «الطين والشّمس». ويُعيد إلينا الراحل الفايز في «مُذكرات بحّار» وإلى الدنيا حديث السندباد من وجهة نظره، إذ يرى الفرق بينّاً فيما بين الخيال المجنون، والعملاق الذي تراه أمام ناظريك، فيقول:
يا جارتي سيعود بحاري المغامر سيعود من دنيا المخاطر ولسوف تُغرقني هداياه الكثيرة العطر، والأحجار والماء المعطر، والبخور ولقاؤه لما يعود.. كأنّه بدرُ البُدور
ثُم يُكمل الفايز رحلته مع «مُذكرّات بحّار» ليرسم لنا لوحات بحريّة مُحملة بتعبٍ وكدٍّ لا يلين، قائلاً:
مهما تلبدت الغيوم وأمطرت كل السماء تبقى ككف بخيلة تأبى العطاء!! أوّاه يا أرضَ الحرائق والسُموم البحرُ أحنى من ضفافكِ والشراع أذرى إلي من الصنوبر يا بحار الملح فيك .. ألذُّ من عنب الدوالي في المدينة فخذي شراعي يا رياح خُذي السفينة سأعيد للدنيا حديث َ السندباد ماذا يكونُ السندباد؟ شتّانَ بينَ خيالٍ مجنُونٍ، وعملاقٍ تَرَاه، يطوي البحارَ على هَواهُ بحِبَالِهِ، بِشِرَاعِهِ بإرادَةٍ فوقَ الغُيُومْ بيدٍ تكادُ عُرُوقها الزرقاءُ ترتِجِلُ النُجُوم، يا أرض يا كهف الهموم من أمس ولم تزالي مثل ماخضة بها مات الجنين لا السحر ثبط من جماحك لا ولا الحق المبين من عهد «قابيل» وقمحك كل عام يسطو عليه الدود يا أرض الظلام !! مصباحي النفطي يلهث مثل عيني لا تنام تترصد الآفاق تبحث عن ضفاف وتهب عاصفة فتطفئه ويرتفع «النهام».
«سندباد» سرور
أما نجيب سرور فقد تحدث عن تخبطه في دروب ومسالك الحياة المُتشابكة الموُحشة، في مقطع «السندباد الذي لن يعود» من قصيدة «إنّه الإنسان» ضمن ديوانه «التراجيديا الإنسانيّة»، محاولاً استغلال بعض ملامح شخصيّة السندباد، يقول:
حتّى رأيت فيها قبّة بيضاء في الأُفق كانت تلوحُ كالضريح أتيتها مع الشروق، دُرْتُ حولَها إلى الغُروب.... هُنيهَةً، وخيّمَت سَحَابَة والشّمسُ غابَت، وارتمى للأُفقِ ظلٌّ والرِّيحُ هبّت، دوّمَت، واهتزت القِفَار وحطّ رخٌّ كالجبل فوق الضريحِ ثم نَام وقبل أن يفيقَ في الصباح ربطتُ نفسي يا حبيبتي بِمَخْلَبِه.
«سندباد» ياسين
ونختم توظيف الشعراء لشخصيّة السندباد البحري لنشير إلى ما كتبه الدكتور حاتم الصكَر في ورقته البحثية السابقة عن قصيدة «حفيد السندباد» للشاعر العراقي رشيد ياسين التي كتبها العام 1968م في صوفيا ضمن ديوانه «الموت في الصحراء» التي يقول فيها عبر ثلاث صور هي: صورة الفتاة وصورة الشاعر وصورة الواقع، حيث تقول الفتاة:
عشقتُ بلادكَ منذ الطفولة فهل هي حقاً بلاد جميلة كما وصفتها لنا شهرزاد؟ وكنت إذا حانَ وقتُ الرُّقَاد أحلُّ الضفيرة وأتركها تتناثرُ فوق الوِسَاد وأحلمُ أنّي أميرَة سيأتي ويخطفها السندباد. ويتابع ياسين قائلاً على لسان الشاعر: مِن أقاصي الليل يدنُو السندباد شبحاً يُجللُه السَوَاد (أرايتَ ما فعلُوا لقد قتلوا الجميلة شهرزاد وسَفائِنِي لم يتركُوا مِنها على وجهِ المياهِ سوى الرّماد).
أما الصورة الثالثة وهي صورة الواقع فيعبر عنها قائلاً:
مَن نحنُ؟ ماذا ظلّ فينا مِن طموح السندباد؟ ماذا تبقى مِن عالِمِ شهر زاد؟ ... تحطمت أشرعةُ السندباد.