الخميس 18 ابريل 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

سنجر الشجاعي.. مهندس المجموعة المعمارية للسلطان قلاوون

سنجر الشجاعي.. مهندس المجموعة المعمارية للسلطان قلاوون
2 سبتمبر 2009 23:12
لم يكن الأمير المملوكي علم الدين سنجر الشجاعي مهندسا معماريا بالمعنى الكامل للكلمة وإنما بطبيعته العسكرية الفظة آخر من يصلح لنقش الأحجار أو زخرفتها، ولكنه يبقى أحد أهم الرواد في مجال العمارة المملوكية، فهو إن شئنا الدقة «مقاول» بالفطرة ومنظم عمل بامتياز وزيادة على ذلك فهو صاحب رؤية فنية ثاقبة. وقد كان الأمير سنجر الشجاعي من الرعيل الأول للمماليك الأتراك الذين اشتراهم الصالح نجم الدين أيوب ودربهم عسكريا في قلعته بجزيرة الروضة• ومن أجل ذلك عرف هؤلاء ومن بينهم سنجر بالمماليك البحرية حيث كانت قلعتهم الأولى بالجزيرة التي تتوسط إلى اليوم نهر النيل• بدأت صلة الشجاعي بفن العمارة حوالي عام 683 هـ عندما عينه السلطان المنصور قلاوون مشرفا وقيما على إنشاء مجموعته المعمارية الباقية إلى اليوم بشارع بين القصرين بالقاهرة وكانت تضم مدرسة ومدفنا وبيمارستانا أو مستشفى في أول منشأة من نوعها متعددة الأغراض• أنجز علم الدين سنجر المهمة في 14 شهرا وهو أمر ليس له سابقة في هذا العصر الذي يعول فيه على العمل اليدوي لإنجاز أي عمارة، خاصة مع عظم مساحة المجموعة المعمارية وتباين وظائفها وتمتعها فوق ذلك بزخارف من الرخام والجص لا تقل روعة عن البنيان المعماري بتصميمه المتوازن وارتفاعه السامق• اختصار وقت البناء يمكن الزعم بان سنجر الشجاعي فتح الطريق أمام وسيلتين لطالما ترفع الذين يشيدون المساجد عن اللجوء إلى أي منهما بغرض تخفيض التكلفة المالية أو اختصار الوقت اللازم لإتمام البناء وزخرفته، ونعني بذلك تخريب مبان قائمة لإعادة استخدام أحجارها وأعمدتها في البناء الجديد وتسخير العمال بلا أجرة طوال ساعات النهار• ومنذ عهد احمد بن طولون استقرت مهن البناء والتشييد على ما قرره هذا الوالي العظيم من تحديد وقت العمل بأذان العصر وجاء «علم الدين» ليهدر ذلك كله دفعة واحدة اذ قام بهدم قلعة الروضة ربما انتقاما من أيام الرق التي عاشها هو والمماليك بين جدرانها واقتلع حجارة القلعة ورخامها بل وأعمدتها ليعيد استخدامها في تشييد مجموعة السلطان المنصور قلاوون• ووقف الرجل ومماليكه بشارع بين القصرين وذلك لإجبار المارة كبيرهم قبل صغيرهم على التطوع لحمل بعض الأحجار الى موقع البناء اذا رغبوا في المرور من الطريق الى أعمالهم وشؤونهم الخاصة• ثم قام الشجاعي بإكراه البنائين والعمال على مباشرة أعمالهم في عمارة السلطان وذلك مع زيادة ساعات العمل إلى أوقات متأخرة من الليل وضرب من يتقاعس عن العمل كل ذلك مع قلة الأجور التي تحصل عليها العمال• صحيح أن من جاءوا بعد سنجر الشجاعي فعلوا في أحايين كثيرة ما فعل وزيادة إلا أن الرجل كان الرائد الأول في هذا المجال وهو أمر لم يغفره له المؤرخون ورجال الدين على حد سواء• تعطيل الشعائر فقد حاول الفقهاء آنذاك بشجاعة التصدي لنهج سنجر، فأفتوا بأنه لا تجوز الصلاة في مكان عمر بتخريب بناء قائم واستعمل السعف في تشييده وظلت المدرسة المنصورية معطلة الشعائر عدة أشهر جرب فيها علم الدين كل وسائل الترغيب والترهيب لحمل واحد فقط من العلماء ليفتي بغير ذلك دون جدوى وأخيرا جاء الفقيه ابن دقيق العيد وتحت وطأة الحرج من السلطان ليقرر قاعدة أن الأعمال بالنيات والتي سوغت للفقهاء العمل في منشآت من هذا الصنف• ووفقا لهذه القاعدة فإن الذي قام بارتكاب آثام خلال أعمال البناء الله أعلم بنواياه وجزاؤه سيلقاه بالآخرة والذين يصلون ويتعبدون في مثل هذه المنشآت يقومون بذلك بنية الطاعة ولا مسؤولية عليهم بشأن الطريقة التي شيدت بها وهكذا حلت المعضلة منذ أول ظهور لها• آيات الفن المعماري الذي يعاين مجموعة المنصور قلاوون بما تحويه من روائع آيات الفن المعماري والزخرفي سيكتشف بسهولة أن سنجر الشجاعي كان يتمتع بذائقة فنية نادرة وبقدرة هائلة على تخيل كيفية الاستفادة من وحدات معمارية قديمة في صياغة اخرى جديدة اذ من الصعوبة التفريق بين المكونات الأصلية وتلك المنقولة في بناء مجموعة المنصور قلاوون كما لا يمكن تصور إمكانية الاستغناء عن أي من مفردات العمارة والزخرفة في هذا البناء• وقد عاد علم الدين سنجر الشجاعي ليبرهن على خبرته بالمعمار وبقدرة عينه الثاقبة على رؤية كل جميل وفريد من عناصر البناء، عندما رافق السلطان الاشرف خليل بن قلاوون في غزوته الحاسمة لأخر معاقل الصليبيين في عكا وعقب اقتحام الجيش المملوكي للمدينة أمر الأشرف خليل بإبادة كل من فيها وهدمت كل منشآت الصليبيين في المدينة. الطراز القوطي أصاب الشجاعي في اختياره لباب كنيسة عكا للانتفاع به في عمارة مسجد أو مدرسة بالقاهرة ليس لروعة تصميم الباب بأعمدته الرخامية الرشيقة وعقوده المدببة المتداخلة فحسب بل ولطراز عقود الباب القوطية فقد أدرك بالفطرة مقدار التشابه بينها وبين العقود الشائعة الاستخدام في العمارة الإسلامية• ومن المعروف أن الطراز القوطي كما عرف في إسبانيا وفرنسا نشأ متأثرا بالعمارة الإسلامية وأن هذا الطراز استعار العقود المدببة من العمائر التي شاهدها الأوروبيون في الأندلس وفي الشرق العربي إبان الحروب الصليبية• وإذا كانت مجموعة المنصور قلاوون تقف شاهد عيان على عبقرية المقاول أو الإنشائي التنفيذي علم الدين سنجر الشجاعي في انتقاء الوحدات المنقولة من عمائر أخرى والتوفيق بينها وبين مكونات المبنى الجديد الذي زرعت به، فإن باب كنيسة عكا الذي صار بابا لمدرسة الناصر محمد بعد تزويده ببعض الكتابات العربية والزخارف الإسلامية ينطق في صمته المهيب بحسن تقدير سنجر الشجاعي للفن المعماري وحكمه على أمور البناء ويكفي أنه رأى بعين الناقد الخبير جماليات هذه البوابة وسط قبح الحرب وما تخلفه من دمار وهلاك
المصدر: القاهرة
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©